×

موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة 1 - 29 بطاقة الكتاب

موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة (24) حوار الأديان

الحوار...مأزق النظرية وإشكالية الممارسة

الحوار...مأزق النظرية وإشكالية الممارسة
د. سلطان بن حسن الحازمي … … … … …29/3/1423
… … … … …10/06/2002
شاع استخدام كلمة (حوار) هذه الأيام في أدبيات الفكر، والسياسة، والاقتصاد، والإعلام، والحياة الاجتماعية وغيرها، فالحديث يدور حول "حوار الحضارات" و "الحوار العربي الأوروبي" و"الحوار الإسلامي المسيحي" و "حوار الشمال والجنوب" هذا على مستوى الدول والقارات والتكتلات الاقتصادية والسياسية، أما داخل العالم العربي والإسلامي فهناك "الحوار الإسلامي الإسلامي" و "الحوار الإسلامي العلماني" و "حوار الفرق والمذاهب" و "حوار التيارات الفكرية المختلفة". يدل - هذا- على أن الحوار روح العصر؛ إذ وسَّعت ثورةُ الاتصالات الحديثة- التي ألغت كثيرًا من الحواجز الجغرافية والسياسية- دوائر الحوار بصورة لم تعرفها الإنسانية من قبل، يشهد على ذلك العددُ الضخمُ من المؤتمرات، والندوات، والاجتماعات، والمنتديات التي تعقد على مدار الساعة واليوم في عالمنا، وتنوّع الموضوعات المطروحة.
إن ضرورة إجادة الحوار مع الذات أولاً، ثُمَّ إحسان الحوار مع الغير داخل الإطار العربي والإسلامي، مقدمةٌ لحوارٍ أكثرَ ندية وإيجابية مع الأديان والثقافات والأمم والحضارات الأخرى، ولتفاعلٍ أكثرَ تأثيرًا على الساحة الدولية.
إن عملية الحوار الموضوعي والجادّ تتميز بالمراجعة للمواقف المتخذة، إذ إن هذه المواقف لا تتخذ موقفًا سكونيًا قطعيًا غير قابل للتغيير والتبديل، بل موقفا حركيا قابلاً للتحول.
إننا إذا أردنا أن يكون حوارنا فاعلاً ومنفعلاً داخل الإطار الإسلامي بدءًا من المنزل ومرورًا بالمدرسة والشارع والجامعة ومحيط العمل وانتهاءً بالأمة، فلا بد من ممارسة حوار متناغم يَشِي بوجود مراجعة وتسامح وتفاعل إيجابي حتى يثمر نتائج محددة.
ممارسة الحوار الراقي أداة للوصول للأفكار الناضجة وقد قيل: "من المناقشة ينبثق النور" حيث يستفيد المحاور من مناقشة آرائه لإعادة صياغتها وبلورتها بشكل أفضل وأكثر ملاءمة لسياقها. لقد سمت المناظرات والمحاورات التي كانت تجُرى في كافة مجالات المعرفة الشرعية والإنسانية والطبيعية بالحضارة العربية والإسلامية في عصور ازدهارها، وجعلتها تتبوأ مراكز الصدارة والريادة على مستوى العالم , وأنتجت لنا تراثًا ضخمًا تمثل في المدارس الفقهية، والنحوية، والثقافية، وغيرها. هذا النتاج المتألق- من الأمثلة التي تتبادر للذهن في هذه اللحظة كتاب "الرسالة" للشافعي و "المقدمة" لابن خلدون- لم يكن ليرى النور بهذه الصورة المتوهجة لولا مروره بمراحل إنضاج من خلال محاورات ومناظرات ومناقشات طويلة، وليست جهدًا فرديًا كما يتبدى للبعض. لقد كان الباحث عن المعرفة في عصور النهضة الإسلامية ينتقل من حلقة إلى أخرى، ومن مجلس إلى مجلس يناقش ويحاور ويناظر ويعبر عن رأيه في جو متسامح دون خوف ودون أن يحجر أحد على رأي أو يمنع من قول، متمسكين بحدود حرية التفكير في الإسلام.
إن الحوار أداة لبناء التفكير السديد يجعل المعرفة استنتاجًا وممارسةً واختيارًا، ويجعل العلم نورًا في العقول لا متونًا في الصدور؛ ذلك أن العقل الإنساني كالجذوة بحاجة للإشعال كي يتوهج، وليس حاوية تقذف فيها المعلومات للحفظ!! لذا يجب على التربية الإسلامية اليوم وعلى كافة المستويات بناء التفكير على أساس التحصين والمنعة الذاتية في عصر يستحيل الانعزال والانغلاق فيه، وكذلك تجريد الفكر العربي والإسلامي مما علق به من تقاليد وأعراف محلية وإقليمية أبعدته عن فهم حقائق الدين والتأثير في دائرة الفعل الإنساني. إن تنشيط التفكير عبر الحوار يبني أجيالا قوية يصعب احتواؤها وتغيير قناعاتها في اتجاهات سلبية.
إننا بحاجة ماسة للتصالح والتحاور مع ذواتنا بالصدق، مع خالقنا أولاً ثم مع النفس والآخرين، فنحن نعيش حال تناقض بين سلوكياتنا، وأقوالنا، ومواقفنا، جعلتنا نتأزم مع ذواتنا، وجعلت الآخرين ينظرون إلينا بسخرية، ويرتابون نحو صدق ما نحمل من قيم نظرية عظيمة يغذيها الإسلام، لكنها لا تجد سندًا من ممارسة وحضور على مستوى الفعل والحدث الإنساني.
كيف نريد أن نؤثر في ذلك "الآخر" البعيد ونحن نمارس إلغاء الآخرين من ذوي القربى في الدين، والدم، واللسان، والوطن، وغيرها، ونفرض الوصاية على عقولهم وأفهامهم - محتكرين الصواب أو الحق - في مسائل الاجتهاد وصناعة الحياة رغم اعترافنا - نظريًا- أن طرائق وصولنا لهذا "الحق" متنوعة ومتعددة.

(الصفحة : 170)



المكتبة العربية الكبرى

تم بناءها على قاعدة بيانات المكتبة الشاملة المطورة بعد تزويدها بأكثر من 12000 كتاب من كتب التراث العربي والإسلامي.
حقوق البرنامج محفوظة للمطور. والمحتوى متاح للنشر للجميع بشرط ذكر المصدر

Hao123