×

موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة 1 - 29 بطاقة الكتاب

موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة (24) حوار الأديان

جارودي ووحدة الأديان..!

جارودي ووحدة الأديان..!
د. سعيد بن محمد بن معلوي … … … … …16/5/1428
… … … … …02/06/2007
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, وبعد:
فرح المسلمون كثيراً حينما أعلن الفيلسوف الفرنسي (روجيه غارودي) إسلامه, وذلك لشهرة الرجل في العالم أولاً, والتأثير الإعلامي لإسلامه في العالم الغربي ثانياً, وثالثاً: حب المسلمين الخير للشعوب غير المسلمة بدعوتها إلى الإسلام، متمثلين بقول الله -جل جلاله- مخاطباً نبيه محمداً - r- : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" [الأنبياء:107], وأكبر رحمة للناس دعوتهم للدين الحق, وهو الإسلام.
وبعد ربع قرن تقريبا اتضح لنا أن الرجل في وادٍ, وما يدعيه من إسلام في واد آخر. بل هو يدعو إلى دين تلفيقي انتقائي بين الأديان كلها, ومن فمه ندينه كما سيتضح للقارئ الكريم.
والرجل وإن كان له موقف من مبالغة اليهود فيما تعرضوا له على أيدي النازيين من حرق وقتل, ورأى أن الأعداد المذكورة مبالغ فيها, وغير صحيحة, فقد سبقه إلى هذا الإنكار أناس قبله في الغرب وفي غيره, كما تبعه آخرون في اتخاذ مواقف مماثلة, وهو موقف لا أرى فيه ميزة بقدر ما هو واجب على أمثاله ممن علم كذب اليهود وافترائهم, فالعدل مما يتفق عليه عقلاء البشر, والإنصاف سمة من سمات العالم المتحضر.
وقد يسأل سائل: ما سبب إثارة موضوع كهذا في مثل هذا الوقت؟ والجواب: هو أن الدعوة إلى وحدة الأديان كثرت هذه الأيام لأسباب يطول شرحها, وظهر في وسائل الإعلام المقروءة والمتلفزة من يدعو صراحة إلى وحدة الأديان؛ مستندين في دعواهم إلى رجال أمثال جارودي. كذلك فإن الرجل ما فتئ بين وقت وآخر ينشر دعوته لوحدة الأديان بوسائله الخاصة, بل أنشأ في قرطبة مركزاً لدعوته وضع فيه معابد عدة لمختلف الأديان والمذاهب. أيضاً فإن الرجل لم يتخل عن نصرانيته كما صرح هو، فهدفه هو إخراج المسلمين عن دينهم, ومزج الإسلام بالأديان الكتابية المحرفة والأديان الوضعية, وبالتالي هدم الدين الوحيد الذي ارتضاه الله للناس كافة.
وقبل بيان حقيقة ما يدعو إليه هذا الرجل, نعرف بشخصية جارودي, فهو: روجيه جان شارل جارودي، من مواليد مارسيليا بفرنسا، في 17/7/1913م فيلسوف فرنسي معاصر تنقل بين الفلسفات المختلفة، فانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي سنة 1933م، واعتنق البروتستانتية في نفس العام- وكان قبلها يهودياً على قول بعضهم- ورأس جمعية الشبان المسيحيين البروتستنت. تعرف على الإسلام حين أودع سجناً في الجزائر أثناء الحرب العالمية الثانية. أشهر إسلامه في 11/9/1402هـ الموافق 2/7/1982م في المؤسسة الثقافية الإسلامية في جنيف، وتسمى باسم محمد رجاء (رجى) جارودي (عاد لاحقاً إلى اسمه الأول روجيه) ثم تزوج من الفلسطينية سلمى نور الدين الفاروقي التاجي وهي ممن شهد إسلامه. تبنى بعد إسلامه فلسفة تلفيقية على أساس من الدين الإبراهيمي الذي يدعو إليه؛ وهي دعوة ذات صبغة شمولية، بحيث تشمل الأديان الإبراهيمية الثلاثة، والرجل ينكر أي دور تشريعي للسنة النبوية، ويؤول العبادات الشرعية تأويلاً باطنياً، فالصلاة عبارة عن تفكير عميق في الذات الإلهية، والحلال والحرام أمور نسبية تختلف بحسب الظروف، والحدود في نظر جارودي نوع من الهمجية ينبغي منعه، فضلاً عن إنكاره للقدر وتأويله للبعث.. وهكذا. وقد عقدت حلقة نقاشية بجامعة الأزهر شارك فيها بعض العلماء والأساتذة، دعا فيها المجتمعون إلى إعادة النظر في إسلام جارودي_ على حد تعبير الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري(1).
ولعل أخطر دعوات جارودي هي دعوته لوحدة الأديان فهو ذو نزعة تلفيقية ترمي إلى جمع مصطنع بين أشتات من أفكار أو دعاوى غير متلائمة لتكوين مذهب واحد. وقد دعا جارودي للوحدة بين الأديان ذاتها المنبعثة من مشكاة واحدة: الأديان الكتابية، تحت مسمى الدين الإبراهيمي، وفي ظل الماركسية التي يؤمن بها.
والهدف من الدعوة إلى الإبراهيمية هو بيان أن الإسلام هو صورة مطورة عن اليهودية والنصرانية بما تحويانه من تحريف وكفر وعقائد باطلة؛ وإثبات أن ((الإسلام اليوم لن يستطيع أن يستأنف مسيرته إلا إذا وسع كل حكمة وكل عقيدة يمكن أن يتضمنها ويضمها إليه)) (2) على حد تعبير جارودي. ومع ذلك فهو لا يستثني حتى الأديان الوضعية كالهندوسية والبوذية من دعوته لوحدة الأديان. ومما يدعو للغرابة أن روجيه جارودي في دعوته للإبراهيمية يوجه حديثه للمسلمين فقط دون غيرهم، والتنازل يكون منهم دون أن يوجه خطاباً لليهود أو النصارى أو لإخوانه الماركسيين.

(الصفحة : 173)

المكتبة العربية الكبرى

تم بناءها على قاعدة بيانات المكتبة الشاملة المطورة بعد تزويدها بأكثر من 12000 كتاب من كتب التراث العربي والإسلامي.
حقوق البرنامج محفوظة للمطور. والمحتوى متاح للنشر للجميع بشرط ذكر المصدر

Hao123