×

التبيان في أقسام القرآن بطاقة الكتاب

[الجزء1]

فصل القسم في سورة الفجر

فصل القسم في سورة الفجر

ومن ذلك قوله تعالى { والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر } قيل جوابه { إن ربك لبالمرصاد } وهذا ضعيف لوجهين ( أحدهما ) طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة ( والثاني ) قوله { إن ربك لبالمرصاد } ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا ومحذرا { إن ربك لبالمرصاد } فلا نرى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال : إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذلك وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف به عادا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر بهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ مامن أيام العمل الصالح فيمن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ] قيل يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال [ ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء ] فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عزوجل به
{ والفجر } إن أريد به جنس الفجر كماهو ظالم اللفظ فإنه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم بمايتضمن أول الصلوات وختمه بقوله { والليل إذا يسر } المتضمن لآخر الصلوات وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة فتلك الليلة من أفضل ليالي العام وما رؤى الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كماثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ أفضل الأيام عند الله يوم النحر ] رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كماثبت في صحيح البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الله بريء من المشركين ورسوله وأن لايحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ] ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لايوم عرفة وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم امتثالا وتأويلا للقرآن
وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } وقيل لخاتم الرسل صلى الله عليه و سلم { فصل لربك وانحر } بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لايعبدون الله وحده بل يشركون به ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون
وذكر سبحانه من جملة هذه الأقسام ( الشفع والوتر ) إذ هذه الشعائر المعظمة منها شفع ومنها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة شفع والبت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما الأعمال فالطواف وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ذلك سبع سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منها شفع ومنها وتر والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي صلى الله عليه و سلم [ صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ماقد صليت ] وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر ويوم النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن إبن عباس : الوتر آدم وشفع بزوجته حواء وقال في رواية أخرى : الشفع آدم وحواء والوتر الله وحده وعنه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث وقال عمران بن حصين وقتادة : الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا مرفوعا وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى { وخلقناكم أزواجا } الوتر هو الله وهذا قول الحكم قال : كل شيء شفع والله وتر وقال أبو صالح : خلق الله من كل شيء زوجين إثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق وقال الحسن : الشفع والوتر العدد كله من شفع ووتر وقال ابن زيد : الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل : الشفع الأيام والليالي : والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة ؟
وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين ( أحدهما ) أن الشفع والوتر نوعان للمخلوفات والمأمورات ( والثاني ) أن الوتر الخالق والمخلوق فهو نظير ماتقدم في قوله { والشمس وضحاها } ونظير ماذكر في قوله { وشاهد ومشهود } وماذكر في قوله { والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى } وقال ههنا { والليل إذا يسر } وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس وقد فسر بأقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله وحالة امتداده وسريانه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه سبحانه
وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر الليالي العشر لأنها إنما تعرف بالعلم وأيضا فإن التنكير تعظيم لها فإن التنكير يكون للتعظيم
وفي تعريف الفجر مايدل على شهرته وأنه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا يجهله
فلما تضمن هذا القسم ماجاء به إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان في ذلك مادل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى { هل في ذلك قسم لذي حجر ؟ } فإن عظمة هذا المقسم به يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصباب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود
ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين الطاغين ثم أخبر أنه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولاثبات
ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم وأخبر أن توسعته على من وسع عليه - وإن كان إكراما له في الدنيا - فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل على أنه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره علىمن قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء وامتحانا فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانه هو يبتلى عبده بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعه ونقمه سبحانه
وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانه وماله وهم هؤلاء الأمم الثلاثة : قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانهم وعيونهم وزروعهم وبساتينهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والياسة فصارت عاقبتهم إلى ماقص الله علينا وهذا شأنه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لابد أن يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض علىطعام هذا ثم ذكر حرصه علىجمع المال وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين
ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وماتؤول إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من شدة عذابه ووثاقة

(الصفحة : 21)




المكتبة العربية الكبرى

تم بناءها على قاعدة بيانات المكتبة الشاملة المطورة بعد تزويدها بأكثر من 16000 كتاب من كتب التراث العربي والإسلامي.
حقوق البرنامج محفوظة للمطور. والمحتوى متاح للنشر للجميع بشرط ذكر المصدر