×

رسائل عن النورسية بطاقة الكتاب

في آفاق النور

في آفاق النور

أمّا جزئيات الأحكام غير المنصوص عليها التي تقتضى التبديل تبعا للظروف، فإن اجتهادات فقهاء المذاهب كفيلة بمعالجة التبديل، فكما تُبدّلُ الملابس باختلاف المواسم، وتُغيّرُ الأدوية حسب حاجة المرضى، كذلك تُبدَّلُ الشرائع حسب العصور، وتدور الأحكام وِفْقَ استعدادات الأمم الفطرية لأن الأحكام الشرعية الفرعية تتبع الأحوال البشرية، وتأتى منسجمة معها وتصبح دواء لدائها. ففي زمن الأنبياء السابقين عليهم السلام كانت الطبقات البشرية متباعدة بعضها عن بعض، مع ما فيهم من جفاء وشِدَّةٍ في السجايا، فكانوا أقرب ما يكونون إلى البداوة في الأفكار، لذا أتت الشرائع في تلك الأزمنة متباينة مختلفة مع موافقتها لأحوالهم وانسجامها مع أوضاعهم، حتى لقد أتى أنبياء متعددون بشرائع مختلفة في منطقة واحدة وفي عصر واحد.
ولكن بمجيء خاتم النبيين وهو نبيّ آخر الزمان - صلى الله عليه وسلم -، تكاملت البشرية وكأنها تَرَقّتْ من مرحلة الدراسة الابتدائية فالثانوية إلى مرحلة الدراسة العالية، وأصبحت أهلا لأن تتلقى درسا واحداً وتنصت إلى مُعَلَّمٍ واحدٍ، وتعمل بشريعة واحدة، فرغم كثرة الاختلافات لم تَعُدْ هناك حاجة إلى شرائع عِدّة، ولا ضرورة إلى معلمين عديدين.
ولكن لعجز البشرية من أن تصل جميعا إلى مستوى واحد، وعدم تمكنها من السير على نمط واحد في حياتها الاجتماعية فقد تعدّدَتْ المذاهب الفقهية في الفروع.
فلو تمكنت البشرية –بأكثريتها المطلقة- أن تحيا حياة اجتماعية واحدة، وأصبحت في مستوى واحد، فحينئذٍ يمكن أن تتوحد المذاهب.
ولكن مثلما لا تسمح أحوال العالم، وطبائع الناس ببلوغ تلك الحالة، فإنَّ المذاهب تبعاً لذلك لا تكون واحدة.
فإن قلتَ: إنَّ الحقَّ واحدٌ، فكيف يمكن أن تكون الأحكام مختلفة للمذاهب الأربعة، ومذهب الإثني عشر حقاً؟

(الصفحة : 102)


المكتبة العربية الكبرى

تم بناءها على قاعدة بيانات المكتبة الشاملة المطورة بعد تزويدها بأكثر من 16000 كتاب من كتب التراث العربي والإسلامي.
حقوق البرنامج محفوظة للمطور. والمحتوى متاح للنشر للجميع بشرط ذكر المصدر

إحصائيات وقيمة المكتبة

arabicmegalibrary.com
السعر التقديري
• $ 9.419 •