×

زهر الأكم في الأمثال والحكم بطاقة الكتاب

[الجزء1]

الأمثال وما يلتحق بها

إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا.

قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل قنفذ بن جعونة المازني، وذلك أن الربيع بن كعب المازني دفع إلى أخيه كميش فرسا من عتاق الخيل ليأتي به أهله. وكان كميش أحمق وأنوك. وكان عندهم رجل من بني مالك يقال له قراد بن جرم قدم عليهم ليصيب منهم غرة، وكان داهية فمكث فيهم لا يعرفون نسبه. فلما رأى كميشا ركب الفرس، ركب هو ناقته ثم عارضه فقال له: يا كميش، هلك في عانة لم تر مثلها ومعها عير من ذهب، أما الأتان فتروح بها على أهلك، فتفرح بها صدورهم، وتمتلئ قدورهم، وتشبع خصورهم، وأما العير فلا افتقار بعده. فقال كميش: فكيف لنا به؟ فقال له قراد: أنا لك به، ليس يدرك إلاّ فرسك. قال : فدونك! قال : نعم! وأمسك أنت على راحلتي وانتظرني في هذا المكان. وركب قراد الفرس. فلما توارى عنه أنشأ يقول:
ضيعت في العير ضلالا مهرك ... فسوف تأتي بالهوان أهلك
وقبل هذا ما خدعت الانوكا
وبقي كميش هناك ينتظره حتى أمسى، فانصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت له تحول ناقة فلما قدم على أخيه قال له: أين الفرس؟ فقال: تحول ناقة. فعلم أخوه أنه قد خدع وجعل يضربه. فقال عند ذلك قنفذين جعونة له: اله عما فاتك، فإن أنفك منك وأن كان أجدع!و أتى قراد أهله بالفرس وقال في ذلك :
رأيت كميشا نوكه لي نافع ... و لم أر نوكا قبل ذلك ينفعُ
وقلت له أمسك قلوص ولا ترم ... خدعا له مني وذو الكيد يخدعُ
فأصبح يرمي الخافقين بطرفهِ ... و اصبح تحتي ذو أفانين جرشعُ
و مثل هذا المثل قولهم: منك ربضك وإن كان سمارا، وسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى.
إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً.
الريح معروفة جمعه رياح وأرواح. قال:
إذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميّ هاج قلبي هبوبها
و يقال أيضاً أرياح. والإعصار بكسر الهمزة: ريح تثير غبارا يرتفع إلى السماء عمودا، أو ريح تهب بشدة في ما بين السماء والأرض. قال تعالى: )فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت( وجمعه أعاصير. قال الشاعر:
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصيرُ
و قال حارثة بن بدر يرثي زيادا، وقد مات في الكوفة ودفن في الثوية:
صلى الإله على قبرٍ وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المورُ
زفت إليه قريش نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبورُ
أبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإنّ من غرت الدنيا لمغرورُ
قد كان عندك بالمعروف معرفة ... و كان عندك للنكراء تنكيرُ
وكنت نغشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجورُ
الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصيرُ
و المعنى أن كنت مثل الريح في الشدة والقوة، فقد لاقيت من هو مثل الإعصار الذي هو أشد الريح وأقواها.
يضرب للرجل يكون صلبا جلدا فيصادف من هو أقوى منه وأشد، وهو ظاهر.
أن كنت ذا طب فطب لعينيك
الطب مثلثة الطاء: علاج الجسم. والطب أيضاً: الرفق والسحر. ولفظ طب في المثل كذلك مثلث الطاء في الموضعين، والمنى ظاهر. وفي نحوه قيل:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ
أن يكن هذا من الله يمضه.
يتمثل به كثيرا، وهو من كلام المصطفىصلى الله عليه وسلم قال لعائشة: أريتك أو رأيتك في المنام في سرفة من حرير فقيل لي هذه زوجك، فقلت أن يكن هذا من عند الله يمضه، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
إن لا حظية فلا ألية
الحظوة: المكانة كما مر يقال: حظيت المرأة عند زوجها بالكسر تحظى حظوة وحظة فهي حظية وهن حظايا ضد صلفت. والألو: التقصير يقال: إلاّ في هذا الأمر يألو ألوا وألوا وأليا، وائتلى إذا قصر فيه وابطئ فهو آل ومئتل. قال أمرؤ القيس:
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا ألِ
يضرب هذا المثل في مداراة الناس والتودد إليهم. والمعنى انك إن أخطاتك الحظوة فيما تريد، فلا تأل جهدا ولا تزل مجتهدا متوددا للناس حتى تستدرك ما فاتك مما تطلب. وأصله في المرأة إنها إن لم تحظ عند زوجها فلا ينبغي لها أن تقصر في طلب الحظوة حتى تنالها.

(الصفحة : 41)




المكتبة العربية الكبرى

تم بناءها على قاعدة بيانات المكتبة الشاملة المطورة بعد تزويدها بأكثر من 16000 كتاب من كتب التراث العربي والإسلامي.
حقوق البرنامج محفوظة للمطور. والمحتوى متاح للنشر للجميع بشرط ذكر المصدر