المكتبة العربية الكبرى
×

المنتديات

منتديات المكتبة العربية الكبرى

أمين المكتبة

الأمومة والطفولة في الإسلام  3\7

أمين المكتبة

في 2020-10-11 19:21:25


عدد الردود : 0 عدد المشاهدات : 17

محمد أحمد العزب

الأمومة والطفولة في الإسلام

الطفولة إذا . . أهداب أعين الرجال ، وفلذات أكبادهم تمشي على الأرض . . 

أليس العربي كان مجنونا بغريزة الاستعلاء ، والتفوق على من عداه ؟ وكيف يتحقق له ذلك الأمل ما لم يكن له من أبنائه جيل وفير ؟

 إن أقرب مثل يمكن أن نسوقه هنا في هذا الصدد . . موقف عبد المطلب جد الرسول . . حين نذر - إن رزقه الله عشرة بنين - أن يذبح واحدا منهم تقربا إلى الآلهة ،

 وشكرا لها على عطاياها . . وما أهول الفداء الذي كاد أن يسفح على مذبحه الرهيب دماء عبد الله . . والد النبي العظيم . .

إن ذلك لم يكن نتيجة عفوية لنزوة طائشة ، أو لوثة حمقاء . . إنه كان وليد إحساس عميق بخطورة الولد في مثل هذه البيئة التي تفجرت عن مثل هذا الوضع الراعب الرهيب!!

وتسألني : فما تقول في موقف العربي من طفولة أخرى ، غير طفولة الولد . . طفولة البنت ؟ 

لقد نعى القرآن عليه انقباضه الشاحب حين كان يبشر بمولودة أنثى . . 

ولطالما ارتعشت في ذهنه الأسئلة : أيمسكه على هون ؟ أم يدسه في التراب ؟

 وكم وارى التراب الأصم من طفولات نسائية عزلاء ؟!!

فأجيبك : أجل . . لقد كان العربي يأسى لأن وليده أنثى . . ولقد كان كذلك يواريه التراب . . أو يوشك أن يواريه التراب ؛ لأنه ليس من فصيلة الذكور!!

ولكن . . هل فعل الأعرابي ذلك كله لأن طبيعته المركوزة في أعماقه - كإنسان - تعطفه على الذكر ، وتباعد بينه وبين الوليدة الأنثى ؟ 

أم أن هناك بواعث خفية ، وحوافز خلقية دفعت به إلى مثل هذا التصرف الراعن الوبيل ؟

 أكاد أؤكد أن الحب - لا الكراهية - هو الذي كان يدفع بالعربي إلى هذا المنحدر . .

 فلقد كان لفطريته الساذجة يرى في البنت كائنا زجاجي المصير ، إن تعرض للخدش أو للتحطيم فلن تلتئم جراحاته النازفة بكل ما على الأرض من قدرات . . كان يحبها أكثر مما يحب الولد . . أو كما يحب الولد . .

 ولذلك فقد كان يحيا بمشاعره الرهيفة في أبعاد مصيرها المنشود ، فيهوله ما قد تتعرض له الأثيرة المرموقة من أذى . . أو ما قد يلحق بها من العار . .

 فينطلق في حمى ذلك الإحساس المستوفز الطافر إلى مواراتها حية في التراب . .

 أنا معك في أن أسلوبه في التعبير عن نفسه كان ضربا من الخطأ . . وجنوحا ذاهلا عن سواء الطبيعة . . ولكن . . ألسنا جميعا ذلك الرجل ؟ ألسنا نعض الرضيع من كثرة ما نحبه ؟ . .

 ألسنا نضمه إلى أحضاننا ضمة هوجاء . . قد تذهب بحياته الغضة . . فإذا هو هباء . . في هباء ؟! . . 

ثم إنني لست عن هذا وحده أتحدث . . أعني : لست عن تصرفه الخاطئ أبحث . . ولكنني أغوص على البواعث البادية أو المستترة وراء هذا التصرف أو ذاك . .

لقد كان العربي يحيا في بيئة عريانة ضاحية ، متعرضا لانقضاضة من هنا . . أو فجاءة من هناك . . 

فإذا أبناؤه أشلاء ممزقة . . وإذا بناته سبايا مسترقات . . وهو قد أعد أبناءه من قبل لأمثال هذا المصير . . ولكن

بناته حينما يتعرضن لشيء من ذلك ولو يسير . . فهو شعور يمض العربي . . ويقضه . . ويجعله دائم الأهبة لمصيره المرتقب . .

 إن لم يكن بتحصين قلاعه - وقليلا ما يستطيع - فليكن بإقفازها مما يحب ، أو مما يقدس . .

 أو مما يأسى لفراقه وضياعه . . واستمع إلى القرآن حيث يقول :

 { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } (1)

 { يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } (2) ! النحل 58 ، 99 "

 وحدق معي قليلا في قوله : " على هون " فلعلنا في ظلالها نلتقي . .

واستمع معي إلى الشاعر العربي ، الذي يرى في الطفلات عالما من العواطف الجياشة والأحاسيس النبيلة المنهمرة التي تشده إلى الحياة ، وتعمق صداقته للوجود :

لولا بنيات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض

لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا . . تمشي على الأرض

إن هبت الريح على بعضهم ... امتنعت عيني عن الغمض

لقد كانت اهتمامات العربي الجاهلي بالطفولة معادلة تماما لاهتماماته بالأمومة ، لا فرق في ذلك بين طفولة " ذكر " وطفولة " أنثى " إلا بمقدار ما تتباين غرائز البشر ، 

وتتباعد طبيعة الأجواء البيئية المختلفة . . وليس في ذلك ما يستغرب أو يعاب ؛

 لأن طبيعة الحياة هكذا . . حيث لا تجد ههنا نقصا . . لا بد أن تجد ثغرة في كمال !!


وضع الطفولة في المجتمع المصري القديم

فإذا انتقلنا إلى مجتمع كالمجتمع المصري القديم لنقف على حقيقة وضع الطفولة فيه ، لراعنا ما تلقى هنالك من عطف ، وما تحاط به من رعاية وتكريم . . 

وهذا ورد من متون التوابيت يتحدث على لسان والد نعم بسعادة الدارين بفضل ولده

فقال : " أصبح مقعدي في حوزتي ، ولم يكن أبي هو الذي وهبه لي ، وليست أمي هي التي وهبته لي ، ولكنه وريثي الذي أعطاني إياه . . . " .

ويكتب صديق إلى صديقه الثري العقيم : " إنك وإن تكن موفور الثراء إلا إنك لم تعمل على أن تهب شيئا لأحد ، 

وأولى بمن لم يكن له ولد أن يتخير لنفسه يتيما يربيه ، فإذا نما عنده صب الماء على يده ، وأصبح كأنه الولد البكر من صلبه " . . . هكذا . . .

نحن إذا على وفاق . . على وفاق من أن كل المجتمعات قد أعطت للأمومة الرائعة والطفولة الخضراء ما


يستأهلان من عطف ؛ وما يستحقان من تكريم ، على تباين هنا وهناك في " مقادير " العطف والتكريم ومفاهيمهما " كذلك!

فإذا انتهينا إلى هذه النتيجة الوامضة الجليلة فماذا يبقى هناك ؟

 أليس يقال : أي شيء فعله الإسلام في هذا الصدد سوى أنه أقام على هذا الجدار الشامخ سطرا أو سطرين . . أو سطورا ؟ 

ثم ألا يتعارض هذا مع ما أسلفنا من مطالع هذا البحث من أن للإسلام في هذا السبيل فلسفته الخاصة وإطاره الذاتي ؟ 

أجل . . إنه يتعارض في مفاهيم النظرة العجلى والبداءة المبتسرة ، التي ترى في كل قانون من قوانين الحياة شكله العدائي الذي لا يلتقي مع غيره من قوانين . .

 ولكنه لا يتعارض أبدا مع مفاهيم النظرة المستأنية ، والبديهة الصافية ، التي تحاول في صداقة وحب أن تعقد بين نواميس الحياة ، وقوانين الوجود وشائج القربى وأسباب اللقاء . .

لقد كان للإسلام توجيهه السليم بالنسبة لغرائز البشر فلقد عدلها لتتسق مع مفاهيمه ، 

وتتساوق مع طبيعته كدين . . إن الإسلام لم يحرق نبات الأرض لأنه نما في ظلال غير ظلاله الفيحاء . .

 ولكنه مع ذلك أكد شخصيته المميزة ، وطبيعته الغنية ، وفلسفته النابعة من أعماقه ، لا الوافدة إليه من هنا . . أو من هناك . .

ومن خلال هذه الصفحات القادمة . سنبصر معا مطالع هذه الفلسفة ، ومفاهيم هذه النظرة ، 

لنؤمن معا بأن الإسلام دين رائد فذ ، له في عالم الطبائع والمثل والقوانين دور الريادة الحكيمة العالمة ، التي تشكل في تاريخ البشرية محورا لا يهتز ومشعلا لا يخبو ، 

ونبعا لا يغيض . . ولنبدأ برحلتنا . . أعني رحلة الإسلام مع الأمومة في القرآن .

__________
(1) سورة النحل الآية 58
(2) سورة النحل الآية 59

  1. الأمومة والطفولة في الإسلام 1\7

  2. الأمومة والطفولة في الإسلام  2\7

  3. الأمومة والطفولة في الإسلام  3\7

  4. الأمومة والطفولة في الإسلام  4\7

  5. الأمومة والطفولة في الإسلام  5\7

  6. الأمومة والطفولة في الإسلام  6\7

  7. الأمومة والطفولة في الإسلام  7\7

الرد متاح للأعضاء المسجلين في الموقع.