المكتبة العربية الكبرى
×

المنتديات

منتديات المكتبة العربية الكبرى

أمين المكتبة

الأمومة والطفولة في الإسلام  6\7

أمين المكتبة

في 2020-10-11 19:24:30


عدد الردود : 0 عدد المشاهدات : 16

محمد أحمد العزب

الأمومة والطفولة في الإسلام

الأمومة في القرآن

أم المسيح (1)

وكما يأتلق شعاع الضحى بعد رحلة ربداء في أغساق الظلام . . كان ميلاد المسيح الهادي رجفة زلزلت شوامخ الطقوس الدينية المجدبة ، التي لا حياة فيها ولا روح !

والقرآن كان كذلك - سجلا حافلا بمضامين هذا الميلاد الغريب . . 

وكأنما ولد عيسى على هذا النحو ليلفت إليه أبصار اليهودية المعصوبة ، التي تقوقعت داخل مفاهيم محفلية جوفاء . . نضب فيها زيت الحياة الخالد ، وخبا في سراجها وهج الروح المتألق الشعاع . . 

والقرآن يتحدث حين يتحدث لا عن أب لعيسى رعرعه ، ولا عن أسرة له أنجبته ،

 ولكن عن أمه الطاهرة البتول ، التي خلدت الأمومة في أنصع صفحات تاريخها الوضيء . . تلك الأمومة الفذة ، التي تعرضت لامتحان باتر رهيب ، فلم تهن . . ولم تتهالك . . 

وإنما شمخت بكل ما في كيانها الباسل من إباء . . متحدية تخرص المتخرصين ، ولغط اللاغطين ، ماضية على طريقها الوامض ، 

كأنها شجرة فارعة هيفاء . . لا يضيرها أبدا أن تسقط العاصفة من هنا ورقة . . أو من ههنا ورقات!

إنها مريم . . التي نشأت في بيت دين وفضيلة وعلم ، والتي كان أبوها شيخا جليلا رائعا في قومه . . 

فلما حملت بها أمها نذرتها لخدمة الهيكل . . { إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } (2) 

{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } (3) 

{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (4)

وأمضت الفتاة صباها في المحراب عابدة . . حتى إذا أراد الله لشمس رسالته أن تشرق على يدي رسول ، بعث إليها من يبشرها في خلوتها : 

{ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } (5)

 { قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا } (6)

" فحملته " . . وخافت ألسنة مبحوحة من طول ما لوثتها الأراجيف . . { فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا } (7) 

ثم وضعت وليدها في مذود . . وصرخة مقرورة مرتشعة تهتف في أعماقها : { يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا } (8) 

ثم . . على خجل واجف . . وتردد مذعور فأتت به قومها تحمله { قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } (9) 

{ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } (10) 

{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا } (11) { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } (12) 

{ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } (13)

 { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } (14) 

{ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } (15)

ولكن القوم ما زالوا بمريم ووليدها الرسول . . حتى هاجرت به إلى مصر قرابة اثنتي عشرة سنة ، تغزل الكتان ، 

وتلتقط السنبل في أثر الحصادين ، وكانت تفعل ذلك والمهد في منكبها ، والوعاء الذي فيه السنبل في المنكب الآخر . .

ولكن إرادة الله الغالبة ، عادت بالمسيح النبي مرة أخرى إلى هذه البقاع ، فجلجل فيها رادعا وواعدا . . حتى أتم رسالته .

وهكذا ينسدل ستار متألق الأبعاد من روعة الحديث القرآني العظيم على أمومات ثلاث ، ليترك للأجيال من بعد . . أناشيد من نور ترددها . . وتحيا في معانيها ، 

فإذا كل المعاني الهابطة البليدة قد استحالت إلى تسامق شاهق ، وإذا كل الحياة السنة تلهج بتمجيد دور الأم . . إن لم يكن بواقعها المعاش . .

 فبما أسلفت في التاريخ عن أمجاد بطولية شماء .

ولكن ترى . . هل هذا هو كل ما دار في القرآن الكريم من حديث حول الأمومة ، ودورها الباسل . . وكفاحها النبيل ؟

 الذي أعرفه . . أن ذلك لو كان كذلك لكفى . . ولكن القرآن لم يدر الحديث عن الأمومة في هذه الإطارات الثلاثة فحسب ، 

وإنما أداره مرات ومرات ، تارة مستقلا بذاته ، منفصلا عما عداه . . وطورا في معرض الحديث عن الأبوة والأمومة جميعا . . 

ولو أننا حاولنا تتبع ما جاء في هذا الصدد بشيء من التفصيل الرحيب . . لضاق بنا المجال ، 

وامتدت بنا الآماد ، ولكننا فحسب ، سنشير إشارات خاطفة عجلى . . وسنضيء على كل مفرق من مفارق الطرق شمعة أو شمعات . .

إن لكلمة " الأم " في القرآن - حتى من الزاوية اللغوية البحتة ، ظلالا رائعة ، وتهاويل مشرقة ، كأنها رمز يوحي بما للأمومة من أوج وما لمكانتها من سموق . . 

فحين يذكر الله رسوله بفضله عليه يقول : هو { الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } (16)

 وحين يضع في يده السلاح الباتر لهداية الجموع يهيب به : { وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } (17) 

إننا نحس أن في كلمتي " أم الكتاب " ، " وأم القرى " تكريما حسيا لأشياء ومواطن . . نحسه من خلال هذه الكلمة الوامضة المشعة البيضاء . .

وفي مواطن الهول والاستنفار لا تجد كلمة مثل كلمة " الأم " تثير بها عواطف الأغيار 

{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } (18)
__________
(1) المراجع السابقة .
(2) سورة آل عمران الآية 35
(3) سورة آل عمران الآية 36
(4) سورة آل عمران الآية 37
(5) سورة مريم الآية 20
(6) سورة مريم الآية 21
(7) سورة مريم الآية 22
(8) سورة مريم الآية 23
(9) سورة مريم الآية 27
(10) سورة مريم الآية 28
(11) سورة مريم الآية 29
(12) سورة مريم الآية 30
(13) سورة مريم الآية 31
(14) سورة مريم الآية 32
(15) سورة مريم الآية 33
(16) سورة آل عمران الآية 7
(17) سورة الأنعام الآية 92
(18) سورة الأعراف الآية 150

  1. الأمومة والطفولة في الإسلام 1\7

  2. الأمومة والطفولة في الإسلام  2\7

  3. الأمومة والطفولة في الإسلام  3\7

  4. الأمومة والطفولة في الإسلام  4\7

  5. الأمومة والطفولة في الإسلام  5\7

  6. الأمومة والطفولة في الإسلام  6\7

  7. الأمومة والطفولة في الإسلام  7\7

الرد متاح للأعضاء المسجلين في الموقع.