المكتبة العربية الكبرى
×

المنتديات

منتديات المكتبة العربية الكبرى

أمين المكتبة

الأمومة والطفولة في الإسلام  7\7

أمين المكتبة

في 2020-10-11 19:25:34


عدد الردود : 0 عدد المشاهدات : 17

محمد أحمد العزب

الأمومة والطفولة في الإسلام

ما أجمل أن يعبر القرآن بكلمة " أم " بدلا من الاسم الوضعي للمرأة . . أي امرأة { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } (1) 

{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } (2) 

إن القرآن هادف حين يعبر هذا التعبير الجميل ، لما لهذه الكلمة من ظلال تلقي على الحدث طاقات معينة من الشعور والانفعال . .

وللتدليل على قدرة الله القادر يتحدر صوت القرآن رائعا وجليلا { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } (3)

 { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ } (4) 

{ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } (5)

ربط القيادة بالجموع

ولربط القيادة بالجموع يطلق القرآن هذه الكلمة الرائعة الخالدة : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } (6)

 وما نعرف في لغات البشر تعبيرا يسمو إلى هذه الذروة ، التي تحفر في أعماق الملايين حب النبي . . وحب زوجاته . . أمهاتنا الأثيرات!

وفي مجال التذكير بمصدر الوجود الإنساني ، وبكل المعاناة الراعفة ، والعذابات القاصفة يتحدث القرآن حديثه اللاهب : 

{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } (7)

 { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } (8)

وحين يتحدث المسيح في المهد يقول في مطلع ما يقول : { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } (9) 

هذه هي اللفتات القرآنية الوامضة التي خصت الأمومة بحديثها العذب وتنغيمها المسحور ، 

وهناك لفتات قرآنية أخرى تناولت الأمومة بحديثها الفياض ، ولكنه تناول ضمني في معرض الحديث عن الوالدين جميعا . . وأرهف السمع معي إلى هذه الآيات :

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } (10)

{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } (11)

{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } (12)

{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } (13)

 { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } (14)

وهنا أفسح المجال للشيخ محمود شلتوت - رحمه الله - يحدثنا في كتابه " الإسلام عقيدة وشريعة " فيقول : " 

والذي أحب أن أنبه إليه أن القرآن حينما جاء بوصايا احترام الوالدين جميعا وبتخصيص الأم " بنوع من العناية . . جاء منظما لما تقتضيه فطرة الخلق والتكوين ، 

وما تقتضيه عاطفة الحنو والشفقة التي أودعها الله في قلب المرأة لولدها ، وبها احتملت ما احتملت في الحمل والإرضاع والتربية الأولى والسهر على حفظ صحته وسلامته مما يخطو به في مراحل الحياة الشاقة " . .

الإسلام يرتفع بالإنسانة الأنثى

وأظنك لست تجهل ذلك الموقف القرآني الواسع الذي تعكس نبضاته الإنسانية سورة " المجادلة " . . ولكن لا بأس من أن نقف أمامه لحظات ، نعيشها مع ذلك الأفق المترامي العملاق .

 إن الإسلام لم يرتفع بالإنسانة الأنثى إلى مصاف المساواة مع أخيها الرجل فحسب . . وإنما أبرز لها صفحة أخرى . . 

صفحة الكائن الفذ الذي لا يضيع رأيه في غمار الآراء . . أليست " خولة بنت ثعلبة " 

هي التي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو له زوجها أوس بن الصامت . . حين قال لها : 

" أنت علي كظهر أمي " وكان الرجل في الجاهلية إذا قال مثل هذا لزوجته حرمت عليه ،

 ثم دعاها . . فأبت ، وقالت : والذي نفس خولة بيده ، 

لا تصل إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله .

ثم أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله . . إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سني ، ونثرت بطني ، 

جعلني عليه كأمه وتركني إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها . .

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : « ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن . . وما أراك إلا قد حرمت عليه . » 

فقالت : " ما ذكر طلاقا يا رسول الله ؟ وأخذت تجادل النبي وتكرر عليه القول ، والنبي لا يزيد على أن يقول لها : « ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن . . » . 

هنالك تلجأ المرأة إلى أمومتها عساها أن تطرق بها باب السماء فينفتح . . أو تعطف بها قلب الرسول فيضرع من أجلها لله . .

فتقول : يا رسول الله . . إن لي منه صبية صغارا . . إن ضممتهم إليه ضاعوا . . وإن ضممتهم إلي جاعوا ، 

وجعلت ترفع طرفها إلى السماء وتقول : اللهم إني أشكو إليك ، اللهم فأنزل على لسان نبيك . . وما برحت حتى نزلت الآيات إرسالا :

{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } (15) 

{ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } (162) 

{ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (17) 

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (18)

في القرآن مجالات أخرى تتألق فيها كرامة المرأة " كأم " وإن لم تكن هذه المجالات مفتوحة أو مباشرة ، 

ولكنها أبدا لا تستتر أمام من يحاول التعمق ، أو يجهد في البحث ، أو يتأنى في تأمل الآيات . .

إنني ألمح من وراء الموقف القرآني في لحظات الطلاق ، بالتحكيم ، والوعظ ، والهجر ، والضرب قبل الفراق . . 

ثم بالمراجعة الهينة الميسورة بعد الفراق . . محاولة هادفة ، وجادة ، ومضيئة . . للإبقاء على قداسة " الأمومة " الفاضلة التي قد تتعرض بعد الطلاق لعزوبة قاسية . . 

قد تنحرف بها هنا أو هناك . . 

{ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } (19) 

{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } (20)

وهكذا يظهر بوضوح وصدق مدى اهتمامات القرآن الكريم بالأمومة ، 

حتى ليخيل إلينا من طول ما تحدث عنها في جوانبها المتعددة الكثار . . أننا بإزائها الآن . . 

كما تكون الأنامل الرقيقة الشاخصة ، المشيرة في خجل وارتعاش إلى أبعاد فجر رائع جديد .

(1) سورة القصص الآية 7
(2) سورة القصص الآية 10
(3) سورة النحل الآية 78
(4) سورة الزمر الآية 6
(5) سورة النجم الآية 32
(6) سورة الأحزاب الآية 6
(7) سورة لقمان الآية 14
(8) سورة الأحقاف الآية 15
(9) سورة مريم الآية 32
(10) سورة البقرة الآية 83
(11) سورة النساء الآية 36
(12) سورة الأنعام الآية 151
(13) سورة الإسراء الآية 23
(14) سورة الإسراء الآية 24
(15) سورة المجادلة الآية 1
(16) سورة المجادلة الآية 2
(17) سورة المجادلة الآية 3
(18) سورة المجادلة الآية 4
(19) سورة النساء الآية 34
(20) سورة النساء الآية 35

الأستاذ : محمد أحمد العزب

مدرس الأدب والنقد بكلية اللغة العربية - جامعة الأزهر - بأسيوط

مؤلفاته :

1 - أبعاد غائمة ( ديوان شعر ) .
2 - مسافر في التاريخ ( ديوان شعر ) .
3 - دراسات في الأدب .
4 - دراسات في الشعر .
5 - دراسات في الفكر الإسلامي .
6 - التراجم الغيرية في الأدب العربي الحديث .

مشاركاته في الحياة الأدبية :

له مشاركات في الحياة الأدبية من خلال الدوريات التالية :

التضامن الإسلامي ، والرابطة الإسلامية ، والدعوة ، وقافلة الزيت ( السعودية ) ، والعربي ، والوعي الإسلامي ، والكويت ، والبيان ( الكويتية ) ، والأديب ( اللبنانية ) ، والثقافة ، والشعر ، والأزهر ( المصرية ) وغيرها . .

إلى جانب إسهامه المستمر في الندوات والمؤتمرات واللقاءات الفكرية والعقائدية .

العنوان : القاهرة - الأهرام - بجري مدينة حسن محمد - شارع مكة .

 

  1. الأمومة والطفولة في الإسلام 1\7

  2. الأمومة والطفولة في الإسلام  2\7

  3. الأمومة والطفولة في الإسلام  3\7

  4. الأمومة والطفولة في الإسلام  4\7

  5. الأمومة والطفولة في الإسلام  5\7

  6. الأمومة والطفولة في الإسلام  6\7

  7. الأمومة والطفولة في الإسلام  7\7

الرد متاح للأعضاء المسجلين في الموقع.