تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الباب التاسع في كتابة القرآن وإكرام المصحف

الباب التاسع في كتابة القرآن وإكرام المصحف

  • بواسطة

 

كتاب: التبيان في آداب حملة القرآن

المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)

 

الباب التاسع في كتابة القرآن وإكرام المصحف

 
اعلم أن القرآن العزيز كان مؤلفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: على ما هو في المصاحف اليوم ولكن لم يكن مجموعا في مصحف بل كان محفوظا في صدور الرجال فكان طوائف من الصحابة يحفظونه كله وطوائف يحفظون أبعاضا منه فلما كان زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقتل كثير من حملة
القرآن خاف موتهم واختلاف من بعدهم فيه فاستشار الصحابة رضي الله عنهم في جمعه في مصحف فأشاروا بذلك فكتبه في مصحف وجعله في بيت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها فلما كان في زمن عثمان رضي الله عنه وانتشر الاسلام خاف عثمان وقوع الاختلاف المؤدي إلى ترك شئ من القرآن أو الزيادة فيه فنسخ من ذلك المجموع الذي عند حفصة الذي أجمعت الصحابة علية مصاحف وبعث بها إلى البلدان وأمر باتلاف ما خالفها وكان فعله هذا باتفاق منه ومن على بن أبي طالب وسائر الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم وإنما لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم: في مصحف واحد لما كان يتوقع من زيادته ونسخ بعض المتلو ولم يزل ذلك التوقع الى وفاته صلى الله عليه وسلم: فلما أمن أبو بكر وسائر أصحابه ذلك التوقع واقتضت المصلحة جمعه فعلوه رضي الله عنهم واختلفوا في عدد المصاحف التي بعث بها عثمان فقال الامام أبو عمرو الداني أكثر العلماء على أن عثمان كتب أربع نسخ 1 – فبعث إلى البصرة إحداهن 2 – وإلى الكوفة أخرى 3 – والى الشام أخرى 4 – وحبس عنده أخرى وقال أبو حاتم السجستاني كتب عثمان سبعة مصاحف
* بعث واحدا إلى مكة * وآخر إلى الشام * وآخر إلى اليمن * وآخر إلى البحرين * وآخر إلى البصرة * وآخر إلى الكوفة * وحبس بالمدينة واحدا وهذا مختصر ما يتعلق بأول جمع المصحف وفيه أحاديث كثيرة في الصحيح وفي المصحف ثلاث لغات ضم الميم وكسرها وفتحها فالضم والكسر مشهورتان والفتح ذكرها أبو جعفر النحاس وغيره

البدعة الحسنة

[فصل] اتفق العلماء على استحباب كتابة المصاحف 

وتحسين كتابتها وتبيينها وإيضاحها وتحقق الخط دون مشقة وتعليقة قال العلماء ويستحب نقط المصحف وشكله فانه صيانة من اللحن فيه وتصحيفه وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فانما كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه وقد أمن ذلك اليوم فلا منع ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثا فانه من المحدثات الحسنة فلم يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك
 
والله أعلم
 

[فصل] لا تجوز كتابة القرآن بشئ نجس وتكره كتابته على الجدران

 عندنا وفيه مذهب عطاء الذي قدمناه وقد قدمنا أنه إذا كتب على الاطعمة فلا بأس بأكلها وأنه إذا كتب على خشبة كره إحراقها
 

القيام له

[فصل] أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف 

واحترامه قال أصحابنا وغيرهم ولو ألقاه مسلم في القاذورة والعياذ بالله تعالى صار الملقي كافرا
قالوا ويحرم توسده بل توسد آحاد كتب العلم حرام ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار فالمصحف أولى وقد قررت دلائل استحباب القيام في الجزء الذي جمعته فيه وروينا في مسند الدارمي باسناد صحيح عن ابن أبي مليكة أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه كان يضع المصحف على وجهه ويقول كتاب ربي اه.
 

بيعه مهمة غير المسلم

[فصل] تحرم المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه في أيديهم 

للحديث المشهور في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ويحرم بيع المصحف من الذمي فان باعه ففي صحة البيع قولان للشافعي
* 1 – أصحهما لا يصح * 2 – والثاني يصح ويؤمر في الحال بأزالة ملكه عنه ويمنع المجنون والصبي الذي لا يميز من مس المصحف مخافة من انتهاك حرمته وهذا المنع واجب على الولي وغيره ممن رآه يتعرض لحمله

مس المصحف وحمله

[فصل] يحرم على المحدث مس المصحف وحمله 

سواء حمله بعلاقته أو بغيرها سواء مس نفس الكتابة أو الحواشي أو الجلد ويحرم مس الخريطة والغلاف والصندوق إذا كان فيهن المصحف هذا هو المذهب المختار وقيل لا تحرم هذه الثلاثة وهو ضعيف ولو كتب القرآن في لوح فحكمه حكم المصحف سواء قل المكتوب أو كثر حتى لو كان بعض آية كتب للدراسة حرم مس اللوح
قلبه بعود
 

[فصل] إذا تصفح المحدث أو الجنب أو الحائض أوراق المصحف بعود أو شبهه 

ففي جوازه وجهان لأصحابنا 1 – أظهرهما جوازه وبه قطع العراقيون من أصحابنا لأنه غير ماس ولا حامل 2 – والثاني تحريمه لأنه يعد حاملا للورقة والورقة كالجميع وأما إذا لف كمه على يده وقلب الورقة فحرام بلا خلاف وغلط بعض أصحابنا فحكى فيه وجهين والصواب القطع بالتحريم لأن القلب يقع باليد لا بالكم
 

كتب المحدث له

[فصل] إذا كتب الجنب أو المحدث مصحف كان يحمل الورقة أو جسها حال الكتابة فحرام 

وان لم يحملها ولم يمسها ففيه ثلاثة أوجه * 1 – الصحيح جوازه * 2 – والثاني تحريمه * 3 – والثالث يجوز للمحدث ويحرم على الجنب
حمله مع غيره
 

[فصل] إذا مس المحدث أو الجنب أو الحائض أو حمل كتابا من كتب الفقه أو غيره من العلوم وفيه آيات من القرآن

 أو ثوبا مطرزا بالقرآن أو دراهم أو دنانير منقوشة به أو حمل متاعا في جملته مصحف أو لمس الجدار أو الحلوى أو الخبز المنقوش به فالمذهب الصحيح جواز هذا كله لأنه ليس بمصحف وفيه وجه أنه حرام وقال أقضى القضاة أبو حسن الماوردي في كتابه الحاوي يجوز مس الثياب المطرزة بالقرآن ولا يجوز لبسها بلا خلاف لأن المقصود بلبسها التبرك بالقرآن وهذا الذي ذكره أو قاله ضعيف لم يوافقه أحد عليه فيما رأيته بل صرح الشيخ أبو محمد الجويني وغيره بجواز لبسها وهذا هو الصواب والله أعلم وأما كتب تفسير القرآن فان كان القرآن فيها أكثر من غيره حرم مسها وحملها وان كان غيره أكثر كما هو الغالب ففيها ثلاثة أوجه * 1 – أصحها لا يحرم * 2 – والثاني يحرم * 3 – والثالث إن كان القرآن بخط متميز بغلظ أو حمرة أو غيرها حرم وان لم يتميز لم يحرم قلت ويحرم المس إذا استويا قال صاحب التتمة من أصحابنا واذا قلنا لا يحرم فهو مكروه
وأما كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: فان لم يكن فيها آيات من القرآن لم يحرم مسها والأولى أن لا تمس إلا على طهارة وان كان فيها آيات من القرآن لم يحرم على المذهب وفيه وجه أنه يحرم وهو الذي في كتب الفقه وأما المنسوخ تلاوته كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وغير ذلك فلا يحرم مسه ولا حمله قال أصحابنا وكذلك التوراة والإنجيل
 
 

[فصل] إذا كان في موضع من بدن المتطهر نجاسة غير معفو عنها حرم عليه مس المصحف بموضع النجاسة بلا خلاف ولا يحرم بغيره

 على المذهب الصحيح المشهور الذي قاله جماهير أصحابنا وغيرهم من العلماء وقال أبو القاسم الصيمري من أصحابنا يحرم وغلطه أصحابنا في هذا قال القاضي أبو الطيب هذا الذي قاله مردود بالاجماع ثم على المشهور قال بعض أصحابنا انه مكروه والمختار أنه ليس بمكروه
 

فروع

[فصل] من لم يجد ماء فتيمم

 حيث يجوز التيمم له مس المصحف سواء كان تيممه للصلاة أو لغيرها مما يجوز التيمم له
وأما من لم يجد ماء ولا ترابا فإنه يصلي على حسب حاله ولا يجوز له مس المصحف لأنه محدث جوزنا له الصلاة للضرورة ولو كان معه مصحف ولم يجد من يودعه عنده وعجز عن الوضوء جاز له حمله للضرورة قال القاضي أبو الطيب ولا يلزمه التيمم وفيما قاله نظر وينبغي أن يلزمه التيمم أما إذا خاف على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع في نجاسة أو حصوله في يد كافر فانه يأخذه ولو كان محدثا للضرورة
 
 

[فصل] هل يجب على الولي والمعلم تكليف الصبي المميز الطهارة لحمل المصحف واللوح اللذين يقرأ فيهما 

فيه وجهان مشهوران اصحهما عند الأصحاب لا يجب للمشقة

بيعه وشراؤه

[فصل] يصح بيع المصحف وشراؤه ولا كراهة في شرائه

 وفي كراهة بيعه وجهان لأصحابنا أصحهما وهو نص الشافعي أنه يكره ومن قال لا يكره بيعه وشراؤه الحسن البصري وعكرمة
والحكم بن عيينة وهو مروي عن ابن عباس وكرهت طائفة من العلماء بيعه وشراؤه وحكاه ابن المنذر عن علقمة وابن سيرين والنخعي وشريح ومسروق وعبد الله بن زيد وروي عن عمر وأبي موسى الأشعري التغليظ في بيعه وذهبت طائفة الى الترخيص في الشراء وكراهة البيع حكاه ابن المنذر عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية والله أعلم
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *