تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » التعزية

التعزية

  • بواسطة

الكتاب: فقه السنة المؤلف: سيد سابق (المتوفى: 1420هـ)


التعزية:

العزاء: الصبر.

والتعزية التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب ويخفف حزنه ويهون عليه مصيبته.

حكمها: 

التعزية مستحبة ولو كان ذميا، لما رواه ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن
عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة ” وهي لا تستحب إلا مرة واحدة.
وينبغي أن تكون التعزية لجميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء (1) .
سواء أكان ذلك قبل الدفن أم بعده، إلى ثلاثة أيام، إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائبا، فلا بأس بالتعزية بعد الثلاث.

ألفاظها: 

والتعزية تؤدى بأي لفظ يخفف المصيبة ويحمل الصبر والسلوان، فإن اقتصر على اللفظ الوارد كان أفضل.
روى البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه إن ابنا لي قبض فأتنا.
فأرسل يقرئ السلام ويقول: ” إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب (2) ” وروى الطبراني والحاكم وابن مردويه بسند فيه رجل ضعيف عن معاذ
__________
(1) استثنى العلماء الشابة الفاتنة.
فقالوا: لامعز بها الا محارمها.
(2) قال النووي: هذا الحديث من أعظم قواعد الاسلام المشتملة على مهمات كثيرة من أصول الدين وفروعه وآدابه والصبر على النوازل كلها والهموم والاسقام، وغير ذلك من الاعراض.
ومعنى أن لله تعالى ما أخذ: أن العالم كله ملك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم، بل أخذ ما هو له عندكم في معنى العارية.
ومعنى له ما أعطى، أن ما وهبه لكم ليس خارجا عن ملكه، بل هو له سبحانه يفعل فيه ما يشاء، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فلا تجزعوا، فان من قبضه قد انقضى أجله المسمى، فمحال تأخره أو تقدمه، فإذا علمتم هذا كله، فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم

ابن جبل رضي الله عنه، أنه مات ابن له فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزيه بابنه، فكتب إليه: ” بسم الله الرحمن الرحيم.
من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل.
سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأعظم الله لك الاجر وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته فاصبر، ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد ميتا، ولا يدفع حزنا، وما هو نازل فكأن قد (1) . والسلام “.
وروى الشافعي في مسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده.
قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
وإسناده ضعيف.
قال العلماء فإن عزى مسلما بمسلم قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك.
وإن عزى مسلما بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك.
وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك.
وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف الله عليك.
وأما جواب التعزية فيؤمن المعزى ويقول للمعزي: آجرك الله.
وعند أحمد إن شاء صافح المعزي وإن شاء لم يصافح، وإذا رأى الرجل شق ثوبه على المصيبة عزاه ولا يترك حقا لباطل.
وإن نهاه فحسن.

الجلوس لها:

السنة أن يعزى أهل الميت وأقاربه ثم ينصرف كل في حوائجه دون أن
يجلس أحد سواء أكان معزى أو معزيا.
وهذا هو هدي السلف الصالح.
قال الشافعي في الام: أكره الماتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك
__________
(1) هذه رواية ضعيفة لا تثبت فان ابن معاذ مات بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين. ” فكأن قد ” أي فكأن قد وقع ما هو نازل

يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الاثر.
قال النووي: قال الشافعي وأصحابه رحمهم الله: يكره الجلوس للتعزية.
قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم.
ولافرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها.
صرح به المحاملي ونقله عن نص الشافعي رضي الله عنه.
وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة – كما هو الغالب منها في العادة – كان ذلك حراما من قبائح المحرمات، فإنه محدث وثبت في الحديث الصحيح ” أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة “.
وذهب أحمد وكثير من علماء الاحناف إلى هذا الرأي.
وذهب المتقدمون من الاحناف إلى أنه لا بأس بالجلوس في غير المسجد ثلاثة أيام للتعزية، من غير ارتكاب محظور.
وما يفعله بعض الناس اليوم من الاجتماع للتعزية، وإقامة السرادقات، وفرش البسط، وصرف الاموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة من الامور المحدثة والبدع المنكرة التي يجب على المسلمين اجتنابها، ويحرم عليهم فعلها، لاسيما وأنه يقع فيها كثير مما يخالف هدي الكتاب ويناقض تعاليم السنة، ويسير وفق عادات الجاهلية، كالتغني بالقرآن وعدم التزام آداب التلاوة، وترك الانصات والتشاغل عنه بشرب الدخان وغيره.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل تجاوزه عند كثير من ذوي الاهواء فلم يكتفوا بالايام الاول: جعلوا يوم الاربعين يوم تجدد لهذه المنكرات وإعادة لهذه البدع.
وجعلوا ذكرى أولى بمناسبة مرور عام على الوفاة وذكرى ثانية، وهكذا مما لا يتفق مع عقل ولانقل.
زيارة القبور زيارة القبور مستحبة للرجال.
لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها. فإنها تذكركم الاخرة ” وكان النهي ابتداء لقرب عهدهم بالجاهلية، وفي الوقت الذي لم يكونوا يتورعون فيه عن

هجر الكلام وفحشه، فلما دخلوا في الاسلام واطمأنوا به وعرفوا أحكامه، أذن لهم الشارع بزيارتها: وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” استأذنت ربي أن استغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروها، فإنها تذكر الموت ” رواه احمد ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي.
ولما كان المقصود من الزيارة التذكر والاعتبار، جاز زيارة قبور الكفرة لهذا المعنى نفسه، فإن كانوا ظالمين وأخذهم الله بظلمهم، استحب البكاء واظهار الافتقار إلى الله عند المرور بقبورهم وبمصارعهم، لما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه – يعني لما وصلوا الحجر – ديار لثمود – ” لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم “.

صفة الزيارة:

إذا وصل الزائر إلى القبر استقبل وجه الميت وسلم عليه ودعا له، وقد جاء في ذلك:
1 – عن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: ” السلام عليكم أهل (1) الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنما ولكم العافية.
” رواه احمد ومسلم وغيرهما.
2 – وعن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: ” السلام عليكم يا أهل القبور.
يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالاثر ” رواه الترمذي.
3 – وعن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم
__________
(1) ” أهل ” منصوب على الاختصاص أو النداء

ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد ” رواه مسلم.
4 – وروى عنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: ” قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون “.
وأما ما يفعله بعض من لاعلم لهم، من التمسح بالاضرحة وتقبيلها والطواف حولها، فهو من البدع المنكرة، التي يجب اجتنابها ويحرم فعلها، فإن ذلك بالكعبة زادها الله شرفا.
ولا يقاس عليها قبر نبي ولا ضريح ولي والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع.
قال ابن القيم: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زار القبور يزورها للدعاء لاهلها والترحم عليهم والاستغفار لهم.
فأبى المشركون إلا دعاء الميت والاقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه صلى الله عليه وسلم، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام إما أن يدعوا للميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبين له الفرق بين الامرين.

زيارة النساء:

رخص مالك وبعض الاحناف ورواية عن أحمد وأكثر العلماء، في زيارة النساء للقبور، لحديث عائشة: كيف أقول لهم يارسول الله – أي عند زيارتها للقبور -.
وقد تقدم عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت نعم.
كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها.
رواه الحاكم والبيهقي وقال: تفرد به بسطام بن مسلم البصري.
وقال الذهبي: صحيح.

وفي الصحيحين عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: ” اتقي الله، واصبري “، فقالت: وما تبالي بمصيبتي.
فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يارسول الله، لم أعرفك.
فقال: ” إنما الصبر عند الصدمة الاولى.
” ووجهة الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم رآها عند القبر فلم ينكر عليها ذلك.
ولان الزيارة من أجل التذكير بالاخرة، وهو أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن.
وكره قوم الزيارة لهن لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لعن الله زوارات القبور ” رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.
قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة.
ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج.
وما ينشأ من الصياح، ونحو ذلك.
وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء.
قال الشوكاني – تعليقا على كلام القرطبي -: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.

الوسوم:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *