تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » لا ضَرَرَ ولا ضرار

لا ضَرَرَ ولا ضرار

  • بواسطة

 

جامع العلوم والحكم

في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم

ابن رجب الحنبلي


الحديث الثاني والثلاثون

 
عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه  : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  ، قالَ : (( لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ )) حديثٌ حَسَنٌ ، رَواهُ ابنُ ماجه والدَّارقطنيُّ وغيرهما مُسنداً ، ورواهُ مالكٌ في ” الموطإ ” عَن عَمْرو بن يحيى ، عَنْ أَبيهِ ، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  مُرسلاً ، فأَسقط أبا سعِيدٍ ، وله طُرُقٌ يَقْوى بَعضُها بِبَعْضٍ .
 
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابنُ ماجه ، إنَّما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة ، حدثنا الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( لا ضررَ ولا ضرار ، من ضارَّ ضرَّه الله ، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه )) ([1]) وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ، وقال البيهقي : تفرَّد به عثمان عن الدراوردي ، وخرَّجه مالك  في ” الموطإ “([2]) عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، مرسلاً .
 
قال ابن عبد البر ([3]) : لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، قال : ولا يُسند من وجهٍ صحيحٍ ، ثم خرَّجه من رواية عبدِ الملك بن معاذ النصيبي ، عن الدراوردي موصولاً ، والدراوردي كان الإمام أحمد يُضعف ما حدَّث به من حفظه ، ولا يعبأ به ، ولا شكَّ في تقديم قول مالكٍ على قوله . وقال خالد بن سعدٍ الأندلسي الحافظ : لم يصحَّ حديث : (( لا ضرر ولا ضرار )) مسنداً .
 
وأما ابن ماجه ، فخرَّجه من رواية فضيل بن سليمان ، حدثنا موسى بن عقبة ، حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد ، عن عبادةَ بن الصامت : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  قضى أنَّ لا ضَرر ولا ضِرار ([4]) ، وهذا من جملة صحيفة تُروى بهذا الإسناد ، وهي منقطعةٌ مأخوذة من كتابٍ ، قاله ابنُ المديني وأبو زرعة وغيرهما ، وإسحاق بن يحيى قيل : هو ابن طلحة ، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة ، قاله أبو زرعة وابنُ أبي حاتم ([5]) والدارقطني في موضع ([6]) ، وقيل : إنَّه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة ، ولم يسمع أيضاً من عبادة ، قاله الدارقطني أيضاً ([7]) . وذكره ابن عدي في كتابه
” الضعفاء ” ، وقال : عامة أحاديثه غير محفوظة ([8]) ، وقيل : إنَّ موسى بن عقبة لم يسمع منه ، وإنَّما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه ، وأبو عياش لا يُعرف .
 
وخرَّجه ابن ماجه ([9]) أيضاً من وجه آخر من رواية جابر الجعفي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( لا ضَرر ولا ضِرار )) ، وجابر الجعفي ضعَّفه الأكثرون ، وخرَّجه الدارقطني ([10]) من رواية إبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود، عن عكرمة مناكير .
 
وخرَّج الدَّارقطني ([11]) من حديث الواقدي ، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت ، عن أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، عن النَّبيِّ  صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( لا ضَرر ولا ضِرار )) والواقدي متروك ، وشيخه مختلف في تضعيفه . وخرَّجه الطبراني ([12]) من وجهين ضعيفين أيضاً عن القاسم ، عن عائشة .
 
وخرَّج الطبراني ([13]) أيضاً من رواية محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمِّه واسع بن حبان ، عن جابرٍ ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( لا ضَررَ ولا ضِرَارَ في الإسلام )) وهذا إسناد مقارب وهو غريبٌ ، لكن خرَّجه أبو داود في ” المراسيل ” ([14]) من رواية عبد الرحمان بن مَغراء ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع مرسلاً ، وهو أصحُّ .
 
وخرَّج الدارقطني ([15]) من رواية أبي بكر بن عياش ، قال : أراه عن ابن عطاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  قال : (( لا ضررَ ولا ضرورَة ، ولا يمنعنّ أحدُكم جاره أن يضع خشبه على حائطه )) ، وهذا الإسناد فيه شكٌّ ، وابن عطاء : هو يعقوب ، وهو ضعيفٌ .
 
وروى كثير بنُ عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( لا ضرر ولا ضرار )) قال ابنُ عبد البرِّ ([16]) : إسناده غير صحيح .
 
قلت : كثير هذا يصحح حديثَه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه : هو أصحُّ حديثٍ في الباب ، وحسن حديثَه إبراهيمُ بن المنذر الحِزامي ، وقال : هو خير مِنْ مراسيل ابن المسيب ، وكذلك حسَّنه ابنُ أبي عاصم ، وترك حديثه آخرون، منهم : الإمام أحمد وغيره ، فهذا ما حضرنا مِن ذكر طُرُقِ أحاديث هذا الباب .
 
وقد ذكر الشيخُ – رحمه الله – أنَّ بعضَ طرقه تُقوَّى ببعضٍ ، وهو كما قال ، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني : إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعفٌ قويت ([17]) .
 
وقال الشافعي ([18]) في المرسل : إنَّه إذا أُسند من وجهٍ آخر ، أو أرسله من يأخذ العلمَ  عن غير من يأخذ عنه المرسلُ الأوَّل ، فإنَّه يُقبل .
 
وقال الجُوزجاني : إذا كان الحديثُ المسندُ من رجلٍ غير مقنع – يعني : لا يقنع برواياته – وشدَّ أركانه المراسيلُ بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار ، استعمل ، واكتُفي به ، وهذا إذا لم يُعارض بالمسند الذي هو أقوى منه .
 
وقد استدلَّ الإمام أحمد بهذا الحديث ، وقال : قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  : (( لا ضرر ولا
ضرار )) ([19]) .
 
وقال أبو عمرو بن الصلاح : هذا الحديثُ أسنده الدارقطنيُّ من وجوه ، ومجموعها يُقوِّي الحديثَ ويُحسنه ، وقد تقبَّله جماهيرُ أهلِ العلم ، واحتجُّوا به ، وقولُ أبي داود : إنَّه من الأحاديث التي يدورُ الفقه عليها يُشعِرُ بكونه غيرَ ضعيفٍ ، والله أعلم .
 
وفي المعنى أيضاً حديثُ أبي صِرْمَة عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  قال : (( من ضارَّ ضارَّ الله به ، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه )) . خرَّجه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن غريب ([20]) .
 
وخرَّج الترمذي ([21]) بإسناد فيه ضعف عن أبي بكرٍ الصديق ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( ملعونٌ من ضارَّ مؤمناً أو مكر به )) .
 
وقوله صلى الله عليه وسلم  : (( لا ضَررَ ولا ضرارَ )) . هذه الرواية الصحيحة ، ضِرار بغير
همزة ([22]) ، ورُوي (( إضرار )) بالهمزة ([23]) ، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدراقطني ، بل وفي بعض نسخ ” الموطأ ” ، وقد أثبت بعضُهم هذه الرواية وقال : يقال : ضَرَّ وأضر بمعنى ، وأنكرها آخرون ، وقالوا : لا صحَّة لها .
 
واختلفوا : هل بين اللفظتين – أعني : الضَّرر والضرار – فرقٌ أم لا ؟ فمنهم من قال : هما بمعنى واحد على وجه التأكيد ، والمشهورُ أنَّ بينهما فرقاً ، ثم قيل : إنَّ الضَّرر هو الاسم ، والضِّرار : الفعل ، فالمعنى أنَّ الضَّرر نفسَه منتفٍ في الشَّرع ، وإدخال الضَّرر بغير حقٍّ كذلك .
 
وقيل : الضَّرر : أنْ يُدخِلَ على غيرِه ضرراً بما ينتفع هو به ، والضِّرار : أن يُدخل على غيره ضرراً بما لا منفعةَ له به ([24]) ، كمن منع ما لا يضرُّه ويتضرَّرُ به الممنوع ، ورجَّح هذا القول طائفةٌ ، منهم ابنُ عبد البرِّ ، وابنُ الصلاح .
 
وقيل : الضَّرر : أنْ يضرّ بمن لا يضره ، والضِّرار : أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجهٍ غيرِ جائزٍ .
 
وبكلِّ حال فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  إنَّما نفى الضرر والضِّرار بغير حق .
 
فأما إدخالُ الضرر على أحدٍ بحق ، إمَّا لكونه تعدَّى حدودَ الله ، فيعاقَبُ بقدر جريمته ، أو كونه ظلمَ غيره ، فيطلب المظلومُ مقابلتَه بالعدلِ ، فهذا غير مرادٍ قطعاً ، وإنما المرادُ : إلحاقُ الضَّررِ بغيرِ حقٍّ ، وهذا على نوعين :
 
أحدهما : أنْ لا يكونَ في ذلك غرضٌ سوى الضَّررِ بذلك الغير ، فهذا لا ريبَ في قُبحه وتحريمه([25]) ، وقد ورد في القرآن النَّهيُ عن المضارَّة في مواضع : منها في الوصية ، قال الله تعالى : } مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَار { ([26]) ، وفي حديث أبي هريرة المرفوع : (( إنَّ العبدَ ليعملُ بطاعةِ اللهِ ستِّين سنةً ، ثم يحضُرُه الموتُ ، فيضارّ في الوصيّة ، فيدخل النار )) ، ثم تلا : } تِلْكَ حُدُوْدُ اللهِ { إلى قوله : } وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا { ([27]) ، وقد
 
خرَّجه الترمذي ([28]) وغيره بمعناه .
 
وقال ابنُ عباس : الإضرار في الوصية من الكبائر ([29]) ، ثم تلا هذه الآية .
 
والإضرار في الوصيَّةِ تارةً يكون بأنْ يَخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فرضِهِ الذي فرضَهُ الله له ، فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثة بتخصيصه ، ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  : (( إنَّ الله قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه ، فلا وصيةَ لوارث )) ([30]) .
 
وتارة بأن يُوصي لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث ، فتنقص حقوقُ الورثةِ ، ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  : (( الثُّلث والثُّلث كثير )) ([31]) .
 
ومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث ، لم ينفذ ما وصَّى به إلاَّ بإجازة الورثةِ ، وسواءٌ قصدَ المضارَّةَ أو لم يقصد ، وأما إن قصدَ المضارَّة بالوصيّة لأجنبيٍّ بالثلث ، فإنَّه يأثم بقصده المضارَّة ، وهل تُردُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ ذلك بإقراره أم لا ؟ حكى ابنُ عطية روايةً عن مالكٍ أنَّها تُردُّ ، وقيل : إنَّه قياسُ مذهب أحمد .
 
ومنها : في الرجعة في النِّكاح ، قال تعالى : } فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ { ([32]) ، وقال : } وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً { ([33]) فدلَّ ذلك على أنَّ من كان قصدُه بالرجعة المضارَّة ، فإنَّه آثمٌ بذلك ، وهذا كما كانوا في أوَّل الإسلام قبل حصر الطَّلاق في ثلاث يطلِّقُ الرَّجلُ امرأتَه ، ثم يتركُها حتّى تقارب انقضاءَ عدَّتها ، ثم يُراجعها ، ثم يطلِّقُها ، ويفعل ذلك أبداً بغير نهاية ، فيدعُ المرأةَ لا مُطلَّقةً ولا ممسكةً ، فأبطل الله ذلك ، وحصر الطَّلاق في ثلاث مرات .
 
وذهب مالكٌ إلى أنَّ من راجع امرأته قبل انقضاء عدَّتها ، ثم طلَّقها من غير مسيسٍ أنّه إن قصدَ بذلك مضارَّتها بتطويل العدَّةِ ، لم تستأنف العدّة ، وبنت على ما مضى منها ، وإن لم يقصد بذلك ، استأنفت عدَّةً جديدةً ، وقيل : تبني مطلقاً ، وهو قول عطاء وقتادة ، والشّافعي في القديم ، وأحمد في رواية ، وقيل : تستأنف مطلقاً ، وهو قول الأكثرين ، منهم أبو قلابة والزُّهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي – في الجديد – وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عُبيد وغيرهم .
 
ومنها في الإيلاء ، فإنَّ الله جعل مدَّة المؤلي أربعةَ أشهرٍ إذا حلف الرجل على امتناع وطءِ زوجته ، فإنَّه يُضْرَبُ له مدَّة أربعة أشهر ، فإن فاء ورجع إلى الوطءِ ، كان ذلك توبته ، وإن أصرَّ على الامتناع لم يُمكن من ذلك ، وفيه قولان للسَّلف والخلف : أحدهما : أنَّها تَطلُقُ عليه بمضيِّ هذه المدة ، والثاني : أنَّه يوقف ، فإن فاء ، وإلاَّ أُمِرَ بالطَّلاق ، ولو ترك الوطءَ لقصدِ الإضرار بغيرِ يمينٍ مدَّة أربعة أشهر ، فقال كثيرٌ من أصحابنا : حكمُه حكمُ المُؤلي في ذلك ، وقالوا : هو ظاهرُ كلام أحمد .
 
وكذا قال جماعةٌ منهم : إذا ترك الوطءَ أربعةَ أشهرٍ لغير عذرٍ ، ثم طلبت الفُرقة ، فُرِّق بينهما بناءً على أنَّ الوطءَ عندنا في هذه المدَّة واجبٌ ، واختلفوا : هل يُعتَبر لذلك قصدُ الإضرار أم لا يعتبر ؟ ومذهبُ مالك وأصحابه إذا ترك الوطءَ من غير عُذر ، فإنّه يُفسَخُ نكاحُه ، مع اختلافهم في تقدير المدَّة .
 
ولو أطال السَّفَر مِن غيرِ عذرٍ ، وطلبت امرأتُه قُدومَه ، فأبي ، فقال مالكٌ وأحمد وإسحاق : يفرِّقُ الحاكم بينهما ، وقدَّره أحمد بستة أشهر ، وإسحاق بمضيِّ سنتين .
 
ومنها : في الرضاع ، قال تعالى : } لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ { ([34]) ، قال مجاهد ([35]) في قوله : } لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا { قال : لا يَمنع أمه أن تُرضِعَه ليحزُنَها ، وقال عطاء وقتادة والزُّهري وسفيان والسُّدِّي وغيرهم : إذا رضِيَتْ ما يرضى به غيرُها ، فهي أحقُّ به ، وهذا هو المنصوصُ عن أحمد ، ولو كانت الأُمُّ في حبال الزَّوج . وقيل : إن كانت في حبال الزَّوج ، فله منعُها مِنْ إرضاعه ، إلاَّ أن لا يُمكن ارتضاعُه من غيرها ، وهو قولُ الشَّافعيِّ ، وبعض أصحابنا ، لكن إنَّما يجوزُ ذلك إذا كان قصدُ الزَّوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع ، لا مجرد إدخال الضَّرر عليها .
 
وقوله : } وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ { ([36]) ، يدخلُ فيه أنَّ المطلَّقة إذا طَلبت
 
إرضاع ولدها بأجرة مثلها ، لَزِم الأبَ إجابتها إلى ذلك ، وسواءٌ وُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ . هذا منصوصُ الإمام أحمد ، فإن طلبت زيادةً على أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً ، ووجدَ الأب من يُرضعُه بأجرةِ المثل ، لم يلزمِ الأبَ إجابتُها إلى ما طلبت ، لأنَّها تقصد المضارَّة ، وقد نصَّ عليه الإمام أحمد .
 
ومنها في البيع قد ورد النهيُ عن بيع المضطرِّ ، خرَّجه أبو داود ([37]) من حديث عليِّ بن أبي طالب أنّه خطب الناسَ ، فقال : سيأتي على الناس زمانٌ عَضُوضٌ([38]) يعضُّ الموسرُ على ما في يديه ، ولم يؤمرْ بذلك ، قال الله تعالى : } ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ { ([39]) ويُبايع المضطرُّون ، وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  عن بيع المضطرِّ . وخرَّجه الإسماعيلي ، وزاد فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( إن كان عندكَ خيرٌ تعودُ به على أخيك ، وإلاَّ فلا تزيدنَّه هلاكاً إلى هلاكه )) وخرَّجه أبو يعلي الموصلي ([40]) بمعناه من حديث حُذيفة مرفوعاً أيضاً .
 
وقال عبد الله بن معقِل : بيعُ الضَّرورة ربا .
 
وقال حرب : سئل أحمد عن بيع المضطر ، فكرهه ، فقيل له : كيف هُو ؟ قال : يجيئك وهو محتاج ، فتبيعه ما يُساوي عشرة بعشرين ، وقال أبو طالب : قيل لأحمد : إنَّ ربح بالعشرة خمسة ؟ فكره ذلك ، وإنْ كان المشتري مسترسلاً لا يحسن أنْ يُماكس ، فباعه بغبنٍ كثيرٍ ، لم يجز أيضاً . قال أحمد : الخِلابة : الخداع ، وهو أنْ يَغْبِنه فيما لا يتغابَن الناسُ في مثله ؛ يبيعه ما يُساوي درهماً بخمسة ، ومذهب مالكٍ وأحمد أنّه يثبت له خيارُ الفسخ بذلك .
 
ولو كان محتاجاً إلى نقدٍ ، فلم يجد من يُقرضه ، فاشترى سلعةً بثمن إلى أجل في ذمَّته ، ومقصودُه بيعُ تلك السلعة ، ليأخذ ثمنها ، فهذا فيه قولانِ للسَّلف ، ورخص أحمدُ فيه في رواية ، وقال في رواية : أخشى أنْ يكون مضطَرّاً ؛ فإن باعَ السِّلعة مِن بائعها له ، فأكثرُ السَّلف على تحريمِ ذلك ، وهو مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم .
 
ومن أنواع الضرر في البيوع : التَّفريقُ بين الوالدةِ وولدها في البيع ، فإنْ كان صغيراً ، حَرُمَ بالاتفاق ، وقد رُوي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  أنَّه قال : (( من فرَّق بين والدةٍ وولدِها ، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة )) ([41]) ، فإنْ رضيت الأُمُّ بذلك ، ففي جوازه اختلافٌ ، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جداً ، وإنَّما ذكرنا هذا على وجه المثال .
 
والنوع الثاني : أنْ يكون له غرضٌ آخرُ صحيحٌ ، مثل أنْ يتصرَّف في ملكه بما فيه مصلحةٌ له ، فيتعدَّى ذلك إلى ضرر غيرِه ، أو يمنع غيرَه من الانتفاع بملكه توفيراً له ، فيتضرَّر الممنوعُ بذلك .
 
فأما الأوَّل وهو التصرُّف في ملكه بما يتعدَّى ضررُه إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتادِ ، مثل أنْ يؤجِّجَ في أرضه ناراً في يومٍ عاصفٍ ، فيحترق ما يليه ، فإنَّه متعدٍّ بذلك ، وعليه الضَّمان ، وإنْ كان على الوجه المعتاد ، ففيه للعلماء قولان مشهوران :
 
أحدهما : لا يمنع من ذلك ، وهو قولُ الشَّافعي وأبي حنيفة وغيرهما .
 
والثاني : المنع ، وهو قولُ أحمد ، ووافقه مالكٌ في بعض الصُّور ؛ فمن صُوَر ذَلِكَ : أن يفتح كُوَّةً في بنائه العالي مشرفةً على جاره ، أو يبني بناءً عالياً يُشرف على جاره ولا يسترُه ، فإنَّه يُلزم بستره ، نصَّ عليهِ أحمد ، ووافقه طائفةٌ من أصحاب الشافعي ، قالَ الروياني منهم في كتاب ” الحلية ” : يجتهد الحاكم في ذلك ، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ ، وقصد الفساد ، قال : وكذلك القولُ في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر .
 
وقد خرَّج الخرائطي([42]) وابنُ عدي([43]) بإسنادٍ ضعيف([44]) عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعاً حديثاً طويلاً في حقِّ الجار ، وفيه : (( ولا يستطيل عليهِ بالبناء فيحجبَ عنه الرِّيح إلاَّ بإذنه )) .
 
ومنها أن يحفرَ بئراً بالقرب من بئر جاره ، فيذهب ماؤها ، فإنَّها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد ، وخرّج أبو داود في ” المراسيل ” ([45]) من حديث أبي قلابة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (( لا تَضارُّوا في الحفر ، وذلك أن يحفرَ الرَّجلُ إلى جنبِ الرَّجل ليذهبَ بمائِه )) .
 
ومنها أنْ يحدث في ملكه ما يضرُّ بملك جاره من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما ، فإنَّه يُمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد ، وهو أحدُ الوجوه للشافعية .
 
وكذا إذا كان يضرُّ بالسُّكَّان ، كما له رائحةٌ خبيثة ونحو ذلك .
 
ومنها أنْ يكونَ له ملكٌ في أرض غيره ، ويتضرَّرُ صاحبُ الأرض بدخوله
إلى أرضه ، فإنَّه يُجبرُ على إزالته ليندفعَ به ضررُ الدخول ، وخرّج أبو داود في
” سننه ” ([46]) من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنَّه حدَّث سَمُرة بن جندبٍ أنَّه كانت له عَضُدٌ من نخلٍ في حائطِ رجلٍ من الأنصار ، ومع الرجل أهلُه ، وكان سمرة يدخل إلى نخله ، فيتأذَّى به ويشقُّ عليه ، فطلب إليه أنْ يُناقله ، فأبى ، فأتى النَّبيَّ
 صلى الله عليه وسلم  ، فذكر ذلك له ، فطلب إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  أنْ يَبيعه ، فأبى ، فطلب إليه أنْ يُناقِلَه ، فأبى ، قال : (( فهَبْه له ولك كذا وكذا )) أمراً رغَّبه فيه ، فأبى ، فقال : (( أنت مُضارٌّ )) ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  للأنصاري : (( اذهب فاقلع نخله )) ، وقد روي عن أبي جعفر مرسلاً . قال أحمد في رواية حنبل بعد أنْ ذُكِرَ له هذا الحديثُ : كلُّ ما كان على هذه الجهة ، وفيه ضرر يمنع من ذلك ، فإن أجاب وإلا أجبره السُّلطان ، ولا يضرُّ بأخيه في ذلك ، فيه مِرفَقٌ له .
 
وخرَّج أبو بكر الخلاّل من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سَلِيط بن قيس ، عن أبيه : أنَّ رجلاً من الأنصار كانت له في حائطه نخلةٌ لرجلٍ آخر ، فكان صاحبُ النَّخلة لا يَريمُها غدوةً وعشيةً ، فشقَّ ذلك على صاحب الحائطِ ، فأتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  ، فذكر ذلك له ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  لصاحب النخلة : (( خذ منه نخلةً ممَّا يلي الحائطَ مكان نخلتك )) ، قال : لا والله ، قال : (( فخذ منِّي ثنتين )) قال : لا والله ، قال : (( فهبها لي )) ، قال : لا والله ، قال : فردد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأبى ، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  أن يُعطيه نخلة مكان نخلته ([47]) .
 
وخرّج أبو داود في “المراسيل” ([48]) من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حَبّان ، عن عمِّه واسع بن حبّان ، قال : كان لأبي لُبابَة عَذْقٌ في حائط رجلٍ ، فكلَّمه ، فقال : إنَّك تطأُ حائطي إلى عَذْقِكَ ، فأنا أُعطيكَ مثلَه في حائطك ، وأخرجه عنِّي ، فأبى عليه ، فكلَّم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  فيه ، فقال : (( يا أبا لُبابة ، خذ مثل عَذقك ، فحُزْها إلى مالك ، واكفُفْ عن صاحبك ما يكره )) ، فقال : ما أنا بفاعل ، فقال : (( اذهب ، فأخرج له مثلَ عَذْقِه إلى حائطه ، ثم اضرب فوقَ ذلك بجدارٍ ، فإنه لا ضررَ في الإسلام ولا ضِرار )) .
 
ففي هذا الحديث والذي قبلَه إجبارُه على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضررٌ في تركه ، وهذا مثلُ إيجاب الشُّفعة لدفع ضررِ الشَّريك الطَّارئ .
 
ويُستدلُّ بذلك أيضاً على وجوب العمارة على الشَّريك الممتنع مِنَ العمارة ، وعلى إيجاب البيع إذا تعذَّرَت القسمة ، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر ، عن أبيه مرفوعاً : (( لا تَعْضِية في الميراث إلا ما احتمل القسم )) ([49]) وأبو بكر : هو
 
ابن عمرو بن حزم ، قاله الإمام أحمد ، فالحديث حينئذ مرسل ، والتعضية : هي القسمة . ومتى تعذَّرَتِ القسمةُ ، لكون المقسوم يتضرَّرُ بقسمته ، وطلب أحدُ الشَّريكين البيعَ ، أجبر الآخر ، وقسم الثَّمنُ ، نصَّ عليه أحمدُ وأبو عبيد وغيرهما مِنَ الأئمة .
 
وأما الثاني – وهو منع الجار من الانتفاع بملكه ، والارتفاق به – فإن كان ذلك يضرُّ بمن انتفعَ بملكه ، فله المنعُ ، كمن له جدارٌ واهٍ لا يحتمل أنْ يُطرَحَ عليه خشَبٌ ، وأمَّا إنْ لم يضرَّ به ، فهل يجب عليه التَّمكين ، ويحرم عليه الامتناع أم لا ؟ فمن قال في القسم الأول : لا يمنع المالك مِنَ التَّصرُّف في ملكه ، وإن أضرَّ بجاره ، قال هنا : للجار المنع منَ التصرُّف في ملكه بغير إذنه ، ومن قال هناك بالمنع ، فاختلفوا هاهنا على قولين : أحدهما : المنع هاهنا وهو قول مالك . والثاني : أنَّه لا يجوزُ المنع ، وهو مذهبُ أحمد في طرح الخشب على جدار جاره ، ووافقه الشافعيّ في القديم وإسحاق وأبو ثور ، وداود ، وابنُ المنذر ، وعبدُ الملك بن حبيب المالكي ، وحكاه مالكٌ عن بعض قُضاة المدينة .
 
وفي الصحيحين ([50]) عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( لا يمنعنَّ أحدُكُم جارَه أنْ يَغرِزَ خشبة ([51]) على جِداره )) قال أبو هريرة : مالي أراكم عنها مُعرِضين ،
 
والله لأَرمِينَّ بها بَيْنَ أكتافِكُم ([52]).
 
وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يُجري ماء جاره في أرضه ، وقال : لتمرنّ به ولو على بطنِكَ ([53]) .
 
وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد ، ومذهبُ أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جارِه إذا أجراه في قناة في باطن أرضه ، نقله عنه حربٌ الكرمانيُّ .
 
ومما يُنهى عن منعه للضَّرر منعُ الماء والكلأ ، وفي ” الصحيحين ” ([54]) عن أبي هريرةَ ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  : (( لا تمنعوا فضلَ الماء لتمنعوا به الكلأ )) .
 
وفي ” سنن أبي داود ” ([55]) أنَّ رجلاً قال : يا نبيَّ الله ، ما الشَّيء الذي لا
يحلُّ منعه ؟ قال : (( الماء )) ، قال : يا نبيَّ الله ، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه ؟
قال : (( الملح )) قال : ما الشيء الذي لا يحلّ منعه ، قال : (( أن تفعل الخيرَ خيرٌ
لك )) .
 
وفيه أيضاً ([56]) أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  ، قال : (( النَّاس شركاء في ثلاث : الماء والنار والكلأ )) .
 
وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يُمنَعُ فضلُ الماء الجاري والنَّابعِ مطلقاً ، سواء قيل : إنَّ الماء ملك لمالك أرضه أم لا ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم ، والمنصوص عن أحمد وجوبُ بذلِه مجاناً بغيرِ عِوَضٍ للشُّربِ ، وسقي البهائم ، وسقي الزروع ، ومذهب أبي حنيفة والشافعي : لا يجب بذلُه للزُّروع .
 
واختلفوا : هل يجبُ بذلُه مطلقاً ، أو إذا كان بقرب الكلأ ، وكان منعه مُفضِياً إلى منع الكلأ ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، وفي كلام أحمد ما يدلُّ على اختصاصِ المنع بالقُرب من الكلأ ، وأما مالكٌ ، فلا يجبُ عندَه بذلُ فضلِ الماء المملوك بملك منبعِه ومجراه إلا للمضطرّ كالمُحاز في الأوعية ، وإنما يجب عندَه بذلُ فضل الماء الذي لا يملك .
 
وعند الشافعي ([57]) : حكم الكلأ كذلك يجوزُ منعُ فضله إلاَّ في أرض الموات . ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنّه لا يمنعُ فضل الكلأ مطلقاً ، ومنهم من قال : لا يمنع أحدٌ الماء والكلأ إلاّ أهلَ الثغور خاصَّة ، وهو قولُ الأوزاعي ، لأنَّ أهلَ الثُّغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدِرُوا أن يتحوَّلوا من مكانهم من وراء بَيضَةِ الإسلام وأهله .
 
وأما النَّهي عن منع النار ، فحملَه طائفةٌ من الفُقهاء على النَّهي عن الاقتباس منها دُونَ أعيانِ الجمر ، ومنهم من حمله على منع الحجارة المُورِيَة للنَّارِ ، وهو بعيدٌ ، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنَّار ، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها ، أو يُنضجُ عليها طعاماً ونحوه ، لم يبعد .
 
وأما الملح ، فلعلَّه يُحمل على منع أخذِهِ مِنَ المعادن المُباحَة ، فإنَّ الملحَ منَ المعادن الظَّاهرة ، لا يُملَكُ بالإحياء ، ولا بالإقطاع ، نصّ عليه أحمد ، وفي ” سنن أبي دواد ” ([58]) : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  أقطع رجلاً الملحَ ، فقيل له : يا رسول الله إنّه بمنْزلة الماء العدِّ ، فانتزعه منه .
 
ومما يدخل في عمومِ قوله صلى الله عليه وسلم  : (( لا ضرَرَ )) أنّ الله لم يكلِّف عبادَه فعلَ ما يَضُرُّهم البتَّة ، فإنَّ ما يأمرهم به هو عينُ صلاحِ دينهم ودنياهم ، وما نهاهم عنه هو عينُ فساد دينهم ودنياهم ، لكنَّه لم يأمر عبادَه بشيءٍ هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضاً ، ولهذا أسقط الطَّهارة بالماء عَنِ المريض ، وقال : } مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ { ([59]) ، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر ، وقال : } يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ { ([60]) ، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام ، كالحلق ونحوه عمن كان مريضاً ، أو به أذى من رأسه ، وأمرَ بالفدية . وفي ” المسند ” ([61]) عن ابن عباس ، قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم  : أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله ؟ قال : (( الحنيفيَّةُ السَّمحةُ )) . ومن حديث عائشة ([62]) ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم  قال : (( إنِّي أرسلتُ بحنيفيَّةٍ سَمحَةٍ )) .
 
ومن هذا المعنى ما في ” الصحيحين ” ([63]) عن أنسٍ : أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم  : رأى رجلاً يمشي ، قيل : إنّه نذرَ أن يحجَّ ماشياً ، فقال : (( إنَّ الله لغنيٌّ عن مشيه ، فليركب )) ، وفي رواية : (( إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه )) .
 
وفي ” السنن ” ([64]) عن عُقبة بن عامر أنَّ أختَه نذرت أنْ تمشي إلى البيت ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  : (( إنَّ الله لا يَصنَعُ بشقاءِ أختك شيئاً فلتَرْكَبْ )) .
 
وقد اختلفَ العلماءُ في حكم من نذَر أن يحجَّ ماشياً ، فمنهم من قال : لا يلزمُه المشيُ ، وله الرُّكوبُ بكلِّ حالٍ ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ . وقال أحمد : يصومُ ثلاثة أيَّام ، وقال الأوزاعي : عليه كفَّارةُ يمين ، والمشهور أنَّه يلزمُه ذلك إن أطاقه ، فإن عجز عنه ، فقيل : يركبُ عند العجز ، ولاشيءَ عليه ، وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ ([65]) .
 
وقيل : بل عليه – مع ذلك – كفارةُ يمين ، وهو قول الثَّوري وأحمد في رواية .
 
وقيل : بل عليه دمٌ ، قاله طائفةٌ مِنَ السَّلف ، منهم عطاءٌ ومُجاهدٌ والحسنُ واللَّيثُ وأحمدُ في رواية .
 
وقيل : يتصدَّقُ بكراء ما ركبَ ، وروي عن الأوزاعيِّ ، وحكاه عن عطاء ، وروي عن عطاء : يتصدَّقُ بقدر نفقته عند البيت .
 
وقالت طائفة من الصَّحابة وغيرهم : لا يُجزئُه الرُّكوبُ ، بل يَحُجُّ من قابِلٍ ، فيمشي ما رَكِبَ ، ويركبُ ما مشى ، وزاد بعضُهم : وعليه هديٌ ، وهو قول مالكٍ إذا كان ما ركبه كثيراً .
 
وممَّا يدخل في عمومه أيضاً أنَّ من عليه دينٌ لا يُطالَبُ به مع إعساره ، بل يُنظَرُ إلى حال إيساره ، قال تعالى : } وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ { ([66]) ، وعلى هذا جمهورُ العلماء خلافاً لشريح في قوله : إنَّ الآية مختصَّةٌ بديون الرِّبا في الجاهلية ([67]) ، والجمهورُ أخذُوا باللَّفظ العام ، ولا يُكلَّفُ المدينُ أن يقضيَ مما عليه في خروجه من ملكه ضررٌ ، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه ، وخادمه كذلك ، ولا ما يحتاجُ إلى التجارة به لِنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد .
 

 
([1]) أخرجه : الدارقطني 3/77 و4/228 ، والحاكم 2/57 ، والبيهقي 6/69 وفي ” المعرفة ” ، له ( 3764 ) .
 
وأخرجه : ابن عبد البر في ” التمهيد ” 20/159 .
 
([2]) ” الموطأ ” ( 2171 ) برواية الليثي .
 
وأخرجه : الشافعي ( 1493 ) بتحقيقي ، والبيهقي 6/70 عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، مرسلاً .
 
لكن لم ترد عبارة : (( عن أبيه )) في ” الأم ” 8/639 .
 
([3]) انظر : التمهيد 20/158 .
 
([4]) أخرجه : ابن ماجه ( 2213 ) و( 2340 ) و( 2483 ) و( 2488 ) و( 2643 ) من حديث عبادة بن الصامت ، به .
 
وأخرجه : عبد الله بن أحمد في ” زوائده ” 5/326 – 327 .
 
([5]) انظر : الجرح والتعديل 2/168 .
 
([6]) انظر : سنن الدارقطني 4/202 .
 
([7]) انظر : سنن الدارقطني 3/176 .
 
([8]) انظر : الكامل 1/552 .
 
([9]) في ” سننه ” ( 2341 ) .
 
وأخرجه : ابن ماجه ( 2337 ) و( 2339 ) من طرق عن عكرمة ، عن ابن عباس ، به .
 
([10]) في ” سننه ” 4/228 .
 
([11]) في ” سننه ” 4/227 .
 
([12]) في ” الأوسط ” ( 270 ) و( 1037 ) عن القاسم ، عن عائشة ، به .
 
([13]) في ” الأوسط ” ( 5193 ) .
 
([14]) المراسيل : 207 .
 
([15]) في ” سننه ” 4/228 .
 
([16]) انظر : التمهيد 20/157 .
 
([17]) انظر : السنن الكبرى للبيهقي 6/65 .
 
([18]) انظر : الرسالة ( 1266 ) و( 1267 ) .
 
([19]) انظر : مسند الإمام أحمد 5/326 .
 
([20]) أخرجه : أبو داود ( 3635 ) ، وابن ماجه ( 2342 ) ، والترمذي ( 1940 ) عن أبي حرمة ، به .
 
ولعل الترمذي حسّنه لمال له من شواهد ، وإلاّ فإنَّ في سنده لؤلؤة مولاة الأنصار لم يرو عنها غير محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري . 
 
([21]) في ” جامعه ” ( 1941 ) .
 
وأخرجه : أبو يعلى ( 96 ) ، وابن أبي حاتم في ” العلل ” 2/287 ، وابن عدي في ” الكامل ” 7/140 و141 ، وأبو نعيم في ” الحلية ” 3/49 و4/164 .
 
والترمذي ضعفه بقوله : (( غريب )) ، وإنما ضعفه لضعف أبي سلمة الكندي وشيخه فرقد السبخي .
 
([22]) ضِرار : بدون همزة بمعنى : أي لا يدخِلُ الضرر على الذي ضرَّهُ ولكن يعفو عنه . انظر :
لسان العرب 8/44 . 
 
([23]) إضرار : بمثل معنى أن يتزوج الرجلُ على ضَرَّةٍ . انظر : الصحاح 2/721 .
 
([24]) انظر : النهاية 3/81 – 82 .
 
([25]) سقطت من ( ص ) .
 
([26]) النساء : 12 .
 
([27]) النساء : 13 – 14 .
 
([28]) في ” جامعه ” ( 2117 ) ، وقال : (( حسن غريب )) ، وفي إسناد الحديث شهر بن حوشب ضعيف عند التفرد ، وقد تفرد .
 
وأخرجه : عبد الرزاق ( 16455 ) ، وإسحاق بن راهويه ( 147 ) ، وأحمد 2/278 ، وأبو داود ( 2867 ) ، وابن ماجه ( 2704 ) ، والطبراني في ” الأوسط ” ( 3026 ) ، والبيهقي 6/271 من حديث أبي هريرة ، به مرفوعاً . 
 
([29]) أخرجه : عبد الرزاق ( 16456 ) ، وسعيد بن منصور ( 343 ) و( 344 ) ، وابن أبي شيبة ( 30933 ) ، والطبري في ” تفسيره ” ( 6980 ) موقوفاً ، وهو الصحيح إليه .
 
وأخرجه : الطبري في ” تفسيره ” ( 6981 ) ، والبيهقي 6/271 مرفوعاً ، وهو ضعيف .
 
([30]) أخرجه : ابن ماجه ( 2714 ) ، والدارقطني 4/70 ، والبيهقي 6/264 من حديث أنس بن مالك ، به مرفوعاً ، وإسناده صحيح .
 
([31]) أخرجه : الحميدي ( 521 ) ، وأحمد 1/230 و233 ، والبخاري 4/3 ( 2743 ) ، ومسلم 5/72 ( 1629 ) ( 10 ) ، وابن ماجه ( 2711 ) ، والنسائي 6/244 وفي
” الكبرى ” ، له ( 6461 ) ، والطبراني ( 10719 ) ، والبيهقي 6/269 من حديث ابن عباس .
 
([32]) البقرة : 231 .
 
([33]) البقرة : 228 .
 
([34]) البقرة : 233 .
 
([35]) أخرجه : الطبري في ” تفسيره ” ( 3929 ) ، وابن أبي حاتم في ” تفسيره ” 2/430
( 2277 ) .
 
([36]) البقرة : 233 .
 
([37]) في ” سننه ” ( 3382 ) .
 
وأخرجه : أحمد 1/116 ، والبيهقي 6/17 من طريق أبي عامر المزني ، عن شيخ من بني تميم ، قال : خطب علي … ، وإسناده ضعيف لضعف أبي عامر المزني – وهو صالح بن رستم – ، ولجهالة الشيخ من بني تميم .
 
([38]) الزمان العضوض : هو الزمان الشديد الذي يكون فيه الناس في فاقةٍ وحاجةٍ .
 
([39]) البقرة : 237 .
 
([40]) لم أجده في المطبوع من ” مسند أبي يعلى ” وجاء في ” مسنده ” ( 7083 ) من حديث عمران بن حذيفة ، عن ميمونة لكنَّ المعنى ليس قريباً .
 
([41]) أخرجه : أحمد 5/412 و414 ، والدارمي 2/227 – 228 ، والترمذي ( 1283 )
و( 1566 ) ، والطبراني ( 4080 ) ، والدارقطني 3/67 ، والحاكم 2/55 ، والقضاعي في
” مسند الشهاب ” ( 456 ) عن أبي أيوب ، به ، قال الترمذي : (( حسن غريب )) .
 
وفي الباب عن علي ، به
 
تنبيه : أخرجه البيهقي 9/126 منقطعاً .
 
([42]) أخرجه : الخرائطي في ” مكارم الأخلاق ” : 59 .
 
([43]) في ” الكامل ” 6/292 .
 
وأخرجه : ابن أبي حاتم في ” العلل ” ( 639 ) و( 2357 ) ، والبيهقي في ” شعب الإيمان ” 7/83 – 84 .
 
([44]) وقد قال عنه أبو حاتم : (( خطأ )) ، والحديث ساقه ابن عدي ضمن منكرات عثمان بن عطاء الخراساني الضعيف .
 
([45]) أخرجه : أبو داود في ” المراسيل ” : 207 . 
 
([46]) ( 3636 ) .
 
وأخرجه : البيهقي 6/157 ، وإسناده ضعيف لانقطاعه ؛ فإنَّ أبا جعفر محمد بن علي الباقر لم يسمع من سمرة .
 
([47]) ذكره ابن أبي حاتم في ” الجرح والتعديل ” 4/264 ( 1227 ) ، وابن عبد البر في
” الاستيعاب ” 2/206 .
 
ورواه ابن منده كما في ” الإصابة ” 2/382 ( 3421 ) ، وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن محمد بن عقيل عند التفرد .
 
([48]) المراسيل ( 407 ) ، وهو مع إرساله فيه محمد بن إسحاق مدلس ، وقد عنعن .
 
([49]) أخرجه : الدارقطني 4/219 ، والبيهقي 10/133 مرفوعاً بسند ضعيف ، وظاهر كلام ابن رجب أنَّ فيه الإرسال حسب ، والواقع أنَّ في سند الحديث عنعنة ابن جريج ، وهو يدلس تدليساً قبيحاً كما ذكر الدارقطني .
 
([50]) صحيح البخاري 3/173 ( 2463 ) ، وصحيح مسلم 5/57 ( 1609 ) ( 136 ) .
 
([51]) هذه اللفظة في كثير من كتب التخريج : (( خشبةً )) بالإفراد ، وفي بعضها : (( خشبه )) بالجمع ، وانظر شرح صحيح مسلم 6/124 .
 
([52]) أي : لأشيعن هذه المقالة فيكم ، فلا يمكن لكم أن تعرضوا عن العمل يومها ، أو الضمير للخشبة ، والمعنى : إن رضيتم بهذا الحكم ، وإلاّ لأجعلن الخشبة بين رقابكم كارهين ، والمراد المبالغة في إجراء الحكم فيهم إن ثقل عليهم .
 
([53]) أخرجه : مالك في ” الموطأ ” ( 2173 ) برواية الليثي ، والشافعي في ” المسند ” ( 1495 ) بتحقيقي ، والبيهقي 6/157 وفي ” المعرفة ” ، له ( 3769 ) ، ولفظة : (( عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ؛ أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له في العُريض ، فأراد أن يُمرَّ به في أرض محمد بن سلمة ، فأبى محمدٌ ، فقال له الضحاك : لم تمنعني وهو لك منفعةٌ ، تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك ؟ فأبى محمدٌ ، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب ، فدعا عمرُ بن الخطاب محمد بن مسلمة فأمره أن يُخلي سبيله . فقال محمدٌ : لا . فقال عمر : لم تمنع أخاك ما ينفعه ، وهو لك نافعُ ، تسقي به أولاً وآخراً ، وهو لا يضرك ؟ فقال محمدٌ : لا والله . فقال عمرُ : واللهِ ليمرُّن به ولو على بطنك فأمره عمرُ أن يمرُّ به . ففعل الضحاك )) .
 
([54]) صحيح البخاري 3/144 ( 2353 ) ، وصحيح مسلم 5/34 ( 1566 ) ( 36 ) .
 
([55]) برقم ( 3476 ) عن بهيسة ، عن أبيها ، به .
 
وفي إسناده مجاهيل ، سيار وأبوه مقبولان ، وبهيسة وأبوها مجهولان .
 
وأخرجه : أحمد 3/480 ، والدارمي 2/269 – 270 ، والروياني ( 1525 ) .
 
([56]) برقم ( 3476 ) عن بهيسة ، عن أبيها ، به .
 
وأخرجه : ابن ماجه ( 2472 ) ، والطبراني في ” الكبير ” ( 11105 ) ، وابن عدي في
” الكامل ” 5/348 – 349 عن ابن عباس ، به ، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن خراش .
 
([57]) انظر : الأم 5/81 .
 
([58]) برقم ( 3064 ) من حديث أبيض بن حمال ، وهو حديث ضعيف .
 
وأخرجه : الدارمي ( 2611 ) ، وابن ماجه ( 2475 ) ، والترمذي ( 1380 ) ، وابن حبان
( 4499 ) ، والدارقطني 4/221 .
 
([59]) المائدة : 6 .
 
([60]) البقرة : 185 .
 
([61]) مسند الإمام أحمد 1/236 .
 
وأخرجه : عبد بن حميد ( 569 ) ، والبخاري في ” الأدب المفرد ” ( 287 ) ، والبزار كما في ” كشف الأستار ” ( 78 ) ، والطبراني ( 11571 ) و( 11572 ) عن ابن عباس ، به ، وهو صحيح بشواهده .
 
([62]) مسند الإمام أحمد 6/116 و233 وفي سنده عبد الرحمان بن أبي الزناد ، وهو ضعيف ؛ لكن للحديث شواهد يتقوى بها .
 
([63]) صحيح البخاري 3/25 ( 1865 ) و8/177 ( 6701 ) ، وصحيح مسلم 5/79
( 1642 ) ( 9 ) .
 
([64]) أخرجه : أبو داود ( 3293 ) ، وابن ماجه ( 2134 ) ، والترمذي ( 1544 ) ، والنسائي 7/20 وفي ” الكبرى ” ، له ( 4757 ) عن عقبة بن عامر ، به .
 
وأخرجه: أبو داود ( 3304 ) ، وابن خزيمة ( 3045 ) عن ابن عباس ، عن عقبة بن عامر ، به.
 
وأصل الحديث في الصحيحين ( البخاري 3/25 ( 1866 ) ، ومسلم 5/78 ( 1644 ) ) ، ولفظه عن عقبة بن عامر أنَّه قال : نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ، وأمرتني أن استفتي النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : (( لتمشِ ولتركب )) .
 
([65]) انظر : الأم 3/661 .
 
([66]) البقرة : 280 .
 
([67]) أخرجه : عبد الرزاق ( 15309 ) وسعيد بن منصور في ” سننه ” ( 453 ) تحقيق سعد الحميد ، والطبري في ” تفسيره ” ( 4916 ) ، وطبعة التركي 5/58 .
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *