تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » المجلس الأول في فضل عشر ذي الحجة.

المجلس الأول في فضل عشر ذي الحجة.

  • بواسطة

وظائف شهر ذي الحجة

المجلس الأول: في فضل عشر ذي الحجة

الفصل الأول: في فضل العمل فيه


وظائف شهر ذي الحجة.

ويشتمل على مجالس.

المجلس الأول في فضل عشر ذي الحجة.

خرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله لم رجع من ذلك بشيء” الكلام في فضل عشر ذي الحجة في فصلين: في فضل العمل فيه وعليه دل هذا الحديث وفي فضله في نفسه.

الفصل الأول: في فضل العمل فيه.

وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده وقد ورد

هذا الحديث بلفظ: “ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر” وروي بالشك في لفظه: “أحب أو أفضل” وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: “ولا الجهاد” ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد فإنه صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل قال: “من عقر جواده وأهريق دمه وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله”.

سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال: “إذن يعقر جوادك وتستشهد” فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل منها وكذلك سائر الأعمال وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره وقد روي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: هذا زيادة والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة وفي إسنادها ضعف وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعددة مختلفة فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بسنة وكل ليلة منها بقيام ليلة القدر” والنهاس بن قهم ضعفوه وذكر الترمذي عن البخاري أن الحديث يروى عن قتادة عن سعيد مرسلا وروى ثوير بن أبي فاخته ـ وفيه ضعف ـ عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر فإن العمل فيها يعدل عمل سنة وروى أبو عمر والنيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك فروى هارون بن موسى النحوي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم ويوم عرفة عشرة آلاف قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى في المضاعفة أقل من سنة قال حميد بن زنجويه: حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صيام كل يوم من أيام من أيام العشر كصيام شهر” وهذا مرسل ضعيف الإسناد.

وروى عبد الرزاق في كتابه عن جعفر عن هشام عن الحسن قال: صيام يوم العشر يعدل شهرين وقال عبد الكريم عن مجاهد: العمل في العشر يضاعف وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة لكنها موضوعة فلذلك أعرضنا عنها وعما أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر وهي كثيرة.

وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها وقد روي في خصوص صيام أيامه وقيام لياليه وكثرة الذكر فيه ما يذكر مما يحسن ذكره دون ما لا يحسن لعدم صحته وقد سبق حديث أبي هريرة في ذلك ومرسل راشد بن سعد وما روي عن الحسن وابن سيرين وقتادة في صومه وفي المسند والسنن عن حفصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر وفي إسناده اختلاف وروي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وقد تقدم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما العشر قط وفي رواية في العشر قط وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روى خلافه وذكر حديث حفصة وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علما خفي على النافي وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملا يعني وحفصة أرادت انه كان يصوم غالبه فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه وهذا الجمع يصح في رواية من روى ما رأيته صائما العشر وأما من روى ما رأيته صائما في العشر فيبعد أو يتعذر هذا الجمع فيه وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه وإنما يقال: صام التسع ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه وقد سبق حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم العشر ولو نذر صيام العشر فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضا فلا يلزم بفطر يوم النحر قضاء ولا كفارة فإنه غلب استعماله عرفا في التسع ويحتمل أن يخرج في لزوم القضاء والكفارة خلاف فإن أحمد قال فيمن نذر صوم شوال فأفطر يوم الفطر وصام باقيه: أنه يلزمه قضاء يوم وكفارة وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صوم جميعه فأما إن أطلق لم يلزمه شيء لأنه يوم الفطر مستثنى شرعا وهذا قاعدة من قواعد الفقه وهي أن العموم هل يخص بالشرع أم لا؟ ففي المسألة خلاف مشهور.

وأما قيام ليالي العشر فمستحب وقد سبق الحديث في ذلك وقد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصح وورد إجابة الدعاء فيهما واستحبه الشافعي وغيره من العلماء وكان سعيد بن جبير وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه وروي عنه أنه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة وأما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله عز وجل: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج: 28] فإن الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” فإن قيل: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها؟ وإن كان ذلك العمل أفضل في نفسه مما عمل في العشر لفضيلة العشر في نفسه؟ فيصير العمل المفضول فيه فاضلا حتى يفضل على الجهاد الذي هو أفضل الأعمال كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة وهو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد لأن الحج مخصوص بالعشر وهو من أفضل ما عمل في العشر أو أفضل ما عمل فيه؟ فكيف كان الجهاد أفضل من الحج؟ فإنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله” قال: ثم ماذا؟ قال: “جهاد في سبيل الله” قال: ثم ماذا؟ قال: “حج مبرور”.

قيل التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بالحج عند جمهور العلماء وقد نص عليه الإمام أحمد وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي فيه أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال وحديث أبي هريرة هذا صريح في ذلك ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عباس بوجهين:

أحدهما: أن حديث ابن عباس قد صرح فيه بأن جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر فيمكن أن يقال: الحج أفضل من الجهاد

إلا جهاد من لم يرجع من نفسه بشيء ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة ويجتمع حينئذ الحديثان.

والثاني: وهو الأظهر: أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصير أفضل من الفاضل في نفسه كما تقدم وحينئذ فقد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد حينئذ أفضل منه فإن كان الحج مفروضا فهو أفضل من التطوع بالجهاد فإن فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء وقد روي هذا في الحج والجهاد بخصوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي مرفوعا من وجوه متعددة في أسانيدها لين وقد دل على ذلك ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال: “ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه” وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجه أفضل من جهاده كالمرأة.

وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: “أفضل الجهاد حج مبرور” وفي رواية له: “جهادكن الحج” وفي رواية له: “نعم الجهاد الحج” وكذلك إذا استغرق العشر كله عمل الحج وأتى به على أكمل وجوه البر من أداء الواجبات واجتناب المحرمات وانضم إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل السلام وإطعام الطعام وضم إليه كثرة ذكر الله عز وجل والعج والثج وهو رفع الصوت بالتلبية وسوق الهدي فإن هذا الحج على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ولم يؤت به على الوجه المبرور فالجهاد أفضل منه وقد روي عن عمر وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد ما يدل على تفضيل الحج على الجهاد وسائر الأعمال وينبغي حمله على الحج المبرور الذي كمل بره واستوعب فعله أيام العشر والله أعلم.

فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” هل يقتضي تفضيل كل عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها وإن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر والله أعلم أن المراد أن العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها فكل عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلا للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره.

وقد قيل: إنما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقا لأيام العشر فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيام من غير العشر وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيام العشر فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العمل الدائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أي وقت كان فإذا وقع ذلك العمل الدائم في العشر كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه لفضل العشر وشرفه ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: أجده قال “لا هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر” قال: ومن يستطيع ذلك ولفظه للبخاري ولمسلم معناه وزاد ثم قال: “مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله” وللبخاري: “مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم” وللنسائي: “كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد” ويدل على أن المراد تفضيله على جهاد في مثل أيامه خاصة: ما في صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة” فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال: “هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله” فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقا.

وأما ما تقدم من أن كل يوم منه يعدل سنة أو سنتين أو ألف يوم فكلها من أحاديث الفضائل وليست بقوية ثم إن أكثر ما ورد ذلك في صيامها والصيام له خصوصية في المضاعفة فإنه لله والله يجزي به فإن قيل: إنه لا يختص بالصوم بل يعم سائر الأعمال فإنما يدل على تفضيل كل عمل في العشر على مثل ذلك العمل في غيره سنة فلا يدخل فيه إلا تفضيل من جاهد في العشر على من جاهد في غيرها سنة.

وإذا قيل يلزم من تفضيل العمل في هذا العشر على كل عشر غيره أن يكون صيام هذا العشر أفضل من صوم عشر رمضان وقيام لياليه أفضل من قيام لياليه؟ قيل: أما صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شك فإن صوم الفرض أفضل من النفل بلا تردد وحينئذ فيكون المراد أن ما فعل في العشر في فرض فهو أفضل مما فعل في عشر غيره من فرض غيره من فرض فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضان وما فعل فيه من نفل فهو أفضل مما فعل في غيره من نفل وقد اختلف عمر وعلي رضي الله عنهما في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة فكان عمر يحتسبه أفضل أيامه فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره وهذا يدل على مضاعفة الفرض فيه على النفل وكان علي ينهي عنه وعن أحمد في ذلك روايتان وقد علل قول علي: بأن القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوعا وبهذا علله الإمام أحمد وغيره وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوع بها وهذا على قول من يقول: إن نذر صيام شهر فصام رمضان أجزاءه عن فرضه ونذره متوجه وقد علل بغير ذلك وأما قيام لياليه وتفضيل قيامه على قيام عشر رمضان فيأتي الكلام فيه إن شاء الله.

الفصل الثاني: في فضل عشر ذي الحجة على غيره من أعشار الشهور.

قد سبق حديث ابن عمر المرفوع: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر” وفي صحيح ابن حيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة” وقد تقدم ورويناه من وجه آخر بزيادة وهي: “ولا ليالي أفضل من ليالهين” قيل: يا رسول الله هي أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: ” هي أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله إلا من عُفّرَ وجهه تعفيرا وما من يوم أفضل من يوم عرفة” خرجه الحافظ أبو موسى المديني من جهة أبي نعيم الحافظ بالإسناد الذي خرجه به ابن حبان وخرج البزار وغيره من حديث جابر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر” قالوا: يا رسول الله ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: “ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عُفّرَ وجهه بالتراب” وروي مرسلا وقيل: إنه أصح وقد سبق ما روي عن ابن عمر قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر ويدل على أن أيام العشر أفضل من أيام الجمعة الذي هو أفضل الأيام.

وقال سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: اختار الله الزمان وأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول ورواه بعضهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ورفعه ولا يصح ذلك وقال مسروق في قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر:2] هي أفضل أيام السنة خرجه عبد الرزاق وغيره وأيضا فأيام هذا العشر يشتمل على يوم عرفة وقد روي أنه أفضل أيام الدنيا كما جاء في حديث جابر الذي ذكرناه وفيه يوم النحر وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر” خرجه الإمام أحمد وأبو دواد وغيرهما وهذا كله يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء هذا في أيامه.

فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر وهذا بعيد جدا.

ولو صح حديث أبي هريرة “قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر” لكان صريحا في تفصيل لياليه على ليالي عشر رمضان فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة فيه وهذا جميع لياليه متساوية لها في القيام على هذا الحديث ولكن حديث جابر الذي خرجه أبو موسى صرح في تفضيل لياليه كتفضيل أيامه أيضا والأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعا وكذلك الليالي تدخل أيامها تبعا.

وقد أقسم الله تعالى بلياليه فقال {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1, 2] وهذا يدل على فضيلة لياليه لكن لم يثبت أن لياليه ولا شيئا منها يعدل ليلة القدر.

وقد زعم طوائف من أصحابنا أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر ولكن لا يصح ذلك عن أحمد فعلى قول هؤلاء لا يستبعد تفضيل هذا العشر على ليلة القدر.
والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها والله أعلم.

وما تقدم عن كعب يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم الأربعة وكذا قال سعيد بن جبير راوي الحديث عن ابن عباس “ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة”.

وفي مسند البزار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سيد الشهور رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة” وفي إسناد ضعف.

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع في خطبته يوم النحر “ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ألا وإن أحرم الشهور شهركم هذا ألا وإن أحرم البلاد بلدكم هذا”.

رورى ذلك أيضا عن جابر ووابصة بن معبد ونبيط بن شريط وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم حيث كان أشدها حرمة وقد روى عن الحسن أن أفضلها المحرم وسنذكره عند ذكر شهر المحرم إن شاء الله تعالى.

وأما من قال أفضلها رجب فقوله مردود.

ولعشر ذي الحجة فضائل أخر غير ما تقدم فمن فضائله أن الله تعالى أقسم به جملة وببعضه خصوصا قال تعالى {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1, 2] فأما الفجر فقيل إنه أراد جنس الفجر وقيل: المراد طلوع الفجر أو صلاة الفجر أوالنهار كله فيه اختلاف بين المفسرين وقيل بل أريد فجر معين ثم قيل إنه أريد به فجر أول يوم من عشر ذي الحجة وقيل: بل أريد به فجر آخر يوم منه وهو يوم النحر وعلى جميع هذه الأقوال فالعشر يشتمل على الفجر الذي أقسم الله به.

وأما الليالي العشر فهي عشر ذي الحجة هذا الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين من السلف وغيرهم وهو الصحيح عن ابن عباس روي عنه من غير وجه والرواية عنه “انه عشر رمضان” إسنادها ضعيف.

وفيه حديث مرفوع خرجه الإمام أحمد والنسائي في التفسير من رواية زيد بن الحباب حدثنا عياش بن عقبة حدثنا خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “العشر عشر الضحى والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر” وهو إسناد حسن.

وكذا فسر الشفع والوتر ابن عباس في رواية عكرمة وغيره وفسرهما أيضا بذلك عكرمة والضحاك وغير واحد وقد قيل في الشفع والوتر أقوال كثيرة وأكثرها لا يخرج عن أن يكون العشر أو بعضه مشتملا على الشفع والوتر أو أحدهما كقول من قال: هي الصلاة منها شفع ومنها وتر وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقول

من قال هي المخلوقات منها شفع ومنها وتر يدخل فيها أيام العشر وقول من قال: الشفع الخلق كله والوتر الله فإن أيام العشر من جملة المخلوقات.

ومن فضائله ايضا: أنه من جملة الأربعين التي واعدها الله عز وجل لموسى عليه السلام قال الله تعالى {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] لكن هل عشر ذي الحجة خاتمة الأربعين فيكون هو العشر الذي أتم به الثلاثون أم هو الأول الأربعين فيكون من جملة الثلاثين التي أتمت بعشر فيه اختلاف بين المفسرين.

روى عبد الرزاق عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة وهي العشر التي اتمها الله لموسى عليه السلام.

ومن فضائله: انه خاتمة الأشهر المعلومات اشهر الحج التي قال الله فيها {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وروي عن عمر وابنه عبد الله وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم وهو قول أكثر التابعين ومذهب الشافعين وأحمد وابي حنيفة وأبي يوسف وأبي ثور وغيرهم لكن الشافعي وطائفة أخرجوا منه يوم النحر وأخله فيه الأكثرون لأنه يوم الحج الأكبر وفيه يقع أكثر أفعال مناسك الحج وقالت طائفة: ذو الحجة كله من اشهر الحج وهو قول مالك والشافعي في القديم ورواه عن ابن عمر أيضا وروي عن طائفة من السلف وفيه حديث مرفوع خرجه الطراني لكنه لا يصح والكلام في هذه المسألة يطول وليس هذا موضعه.

ومن فضائله: أنه الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام قال الله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 27, 28] .

وجمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة منهم ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنخعي وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه.

وروي عن أبي موسى الأشعري أي الأيام المعلومات هي تسع ذي الحجة غير يوم النحر وأنه قال لا يرد فيهن الدعاء خرجه جعفر الفريابي وغيره.

وقالت طائفة: هي أيام الذبح وروي عن طائفة من السلف وهو قول مالك وأبي يوسف وجعلوا ذكر الله فيها ذكره على الذبح وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما ونقل المروذي عن أحمد أنه استحسنه والقول الأول أظهر.

وذكر الله على بهيمة الأنعام لا يختص بحال ذبحها كما قال تعالى {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج: 37] وقال تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34] وأيضا فقد قال الله تعالى بعد هذا {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 28, 29] فجعل هذا كله بعد ذكره في الأيام المعلومات وقضاء التفث وهو شعث الحج وغباره ونصبه والطواف بالبيت إنما يكون في يوم النحر وما بعده ولا يكون قبله وقد جعل الله يبحانه هذا مرتبا على ذكره في الأيام المعلومات بلفظة “ثم” فدل على أن المراد بالأيام المعلومات ما قبل يوم النحر وهو عشر ذي الحجة.

وأما قوله تعالى {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28] فقيل إن المراد ذكره عند ذبحها وهو حاصل بذكره في يوم النحر فإنه أفضل أيام النحر والأصح أنه إنما أريد ذكره شكرا على نعمة تسخير بهيمة الأنعام لعباده فإن الله تعالى على عباده في بهيمة الأنعام نعما كثيرة قد عدد بعضها في مواضع من القرآن والحاج لهم خصوصية في ذلك عن غيرهم فإنهم يسيرون عليها إلى الحرم لقضاء نسكهم كما قال تعالى {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] وقال تعالى {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7] ويأكلون من لحومها ويشربون من ألبانها وينتفعون بأصوافها واوبارها وأشعارها.

ويختص عشر ذي الحجة في حق الحاج بأنه زمن سوقهم للهدي الذي به يكمل فضل الحج ويأكلون من لحومه آخر العشر وهو يوم النحر وأفضل سوق الهدي من الميقات ويشعر ويقلد عند الإحرام وتقارنه التلبية وهي من الذكر لله في الأيام المعلومات.

وفي الحديث “أفضل الحج العج والثج” وفي حديث آخر “عجوا التكبير عجا وثجوا الإبل ثجا”.

فيكون كثرة ذكر الله في أيام العشر شكرا على هذه النعمة المختصة ببهيمة الأنعام التي بعضها يتعلق بدين الحاج وبعضها بدنياهم وأفضل الأعمال ما كثر

ذكر الله تعالى منها خصوصا الحج وقد أمر الله تعالى بذكره كثيرا في أيام الحج قال تعالى {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 198, 199] فهذا الذكر يكون في عشر ذي الحجة ثم قال تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} [البقرة: 200] وهذا يقع في يوم النحر وهو خاتمة العشر أيضا ثم أمر بذكره بعد العشر في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق.

وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله عز وجل”.

وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أعظم أجرا؟ قال: “أكثرهم لله ذكرا” قال فأي الصائمين أعظم أجرا؟ قال: “أكثرهم لله ذكرا” قال: ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل [ذلك] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اكثرهم لله ذكرا” فقال أبو بكر يا ابا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أجل”.

وقد خرجه ابن المبارك وابن أبي الدنيا من وجوه أخر مرسلة وفي بعضها: أي الحجاج خير؟ قال “أكثرهم ذكرا لله” وفي بعضها أي الحجاج أعظم جرا؟ قال: “أكثرهم لله ذكرا” وذكر بقية الأعمال بمعنى ما تقدم فهذا كله بالنسبة إلى الحاج.

فأما أهل الأمصار فإنهم يشاركون الحاج في عشر ذي الحجة في الذكر وإعداد الهدي فأما إعداد الهدي فإنه العشر تعد فيه الأضاحي كما يسوق أهل الموسم الهدي ويشاركونهم في بعض إحرامهم فإن من دخل عليه العشر وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا كما روت ذلك أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حديها مسلم وأخذ بذلك الشافعي وأحمد وعامة فقهاء الحديث.

ومنهم من شرط أن يكون قد اشترى هديه قبل العشر وأكثرهم لم يشرطوا ذلك.

وخالف فيه مالك وأبو حنيفة وكثير من الفقهاء وقالوا: لا يكره شيء من ذلك واستدلوا بحديث عائشة كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرم عليه شيء أحله الله له.

وأجاب كثير من أهل القول الأول: بأنه يجمع بين الحديثين فيؤخذ بحديث أم سلمة فيمن يريد أن يضحي في مصره ويبحديث عائشة فيمن أرسل بهديه مع غيره وأقام في بلده وكان ابن عمر إذا ضحى يوم النحر حلق رأسه ونص أحمد على ذلك.

واختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشية عرفة وكان الإمام أحمد لا يفعله ولا ينكر على من فعله لأنه روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة وأما مشاركتهم لهم في الذاكرة في الأيام المعلومات فإنه يشرع للناس كلهم الإكثار من ذكر الله في أيام العشر خصوصا وقد سبق حديث ابن عمر المرفوع: “فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” واختلف العلماء هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر؟ فأنكره طائفة واستحبه أحمد والشافعي لكن الشافعي خصه بحال رؤية بهيمة الأنعام وأحمد يستحبه مطلقا.

وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ورواه أبو داود حدثنا سلام أبو المنذر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال كان أبي هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس معهما ولا يأتيان لشيء إلا لذلك وروى جعفر الفريابي في كتاب العيدين: حدثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد قال رأيت سعيد بن جبير ومجاهدا وعبد الرحمن بن أبي ليلى أو اثنين من هؤلاء الثلاثة وما رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

لما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام وليس كل أحد قادرا على مشاهدته في كل عام فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.

“ليالي العشر أوقات الإجابة … فبادر رغبة تلحق ثوابه
ألا لا وقت للعمال فيه … ثواب الخير أقرب للإصابة
من أوقات الليالي العشر حقا … فشمر واطلبن فيها الإنابة

احذروا المعاصي فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة وروى المروذي في

كتاب الورع بإسناده عن عبد الملك بن عمير عن رجل ـ إما من الصحابة أو من التابعين ـ: أن آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة فقال: ما من مسلم إلا يغفر له في هذه الأيام كل يوم خمس مرارا إلا أصحاب الشاء يقولون: مات ما موته يعني أصحاب الشطرنج فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعا من المغفرة فما الظن بالإصرار على الكبائر المجمع عليها.

طاعة الله خير ما لزم العبـ … ـد فكن طائعا ولا تعصينه
ما هلاك النفوس إلا المعاصي … فاجتنب ما نهاك لا تقربنه
إن شيئا هلاك نفسك فيه … ينبغي أن تصون نفسك عنه

المعاصي سبب البعد والطرد كما أن الطاعات أسباب القرب والود.

أيضمن لي فتى ترك المعاصي … وأرهنه الكفالة بالخلاص
أطاع الله قوم فاستراحوا … ولم يتجرعوا غصص المعاصي

إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام وقصدوا البيت الحرام وملؤا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام لقد ساروا وقعدنا وقربوا وبعدنا فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا.

أتراكم في النقا والمنحنى … أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا … واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا … بفضول الريح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم … غير أن العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلا وقد … جئته أسعى بأقدام المنى
أنا مذ غبتم على تذكاركم … أترى عندكمو ما عندنا

القاعد لعذر شريك للسائر وربما سبق السائر بقلبه السائرين بأبدانهم رأى بعضهم في المنام عشية عرفة في الموقف قائلا يقول له: أترى هذا الزحام على هذا الموقف فإنه لم يحج منهم أحد إلا رجل تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب له أهل الموقف.

يا سائرين إلى البيت العتيق … لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا … ومن أقام على عذر كمن راحا

الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة فما منها عوض ولا لها قيمة المبادرة المبادرة بالعمل والعجل العجل قبل هجوم الأجل قبل أن يندم المفرط على ما فعل قبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدم من عمل.

ليس للميت في قبره … فطر ولا أضحى ولا عشر
ناء عن الأهل على قربه … كذاك من مسكنه القبر

يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين يا من ذنوبه بعدد الشفع والوتر أما تستحي من الكرام الكاتبين؟ أم أنت ممن يكذب بيوم الدين؟ يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين تعرض لنفحات مولاك في هذا العشر فإن فيه لله نفحات يصيب بها من يشاء فمن أصابته سعد بها آخر الدهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *