تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » المجلس الثالث في ذكر فصل الشتاء.

المجلس الثالث في ذكر فصل الشتاء.

  • بواسطة

خرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الشتاء ربيع المؤمن” وخرجه البيهقي وغيره وزاد فيه: “طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه” إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه كما ترتع البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام وفي المسند والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة” وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى فيقول: الصيام في الشتاء ومعنى كونها غنيمة باردة أنها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوا صفوا بغير كلفة.
وأما قيام ليل الشتاء فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم تقوم.

بعد ذلك إلى الصلاة فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن وقد أخذت نفسه حظها من النوم فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه مع إدراك ورده من القرآن فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه.
ومن كلام يحيى بن معاذ الليل طويل فلا تقصره بمنامك والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك بخلاف ليل الصيف فإنه لقصره وحره يغلب النوم فيه فلا تكاد تأخذ النفس حظها بدون نومه كله فيحتاج القيام فيه إلى مجاهدة وقد لا يتمكن فيه لقصره من الفراغ من ورده من القرآن ويروى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرأوا وقصر النهار لصيامكم فصوموا.

قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف ولهذا بكى معاذ عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر وقال معضد: لولا ثلاث ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ولذاذة التهجد بكتاب الله ما بليت أن أكون يعسوبا القيام في ليل الشتاء يشق على النفوس من وجهين:

أحدهما من جهة تألم النفس بالقيام من الفراش في شدة البرد قال داود بن رشيد: قام بعض إخواني إلى ورده بالليل في ليلة شديدة البرد فكان عليه خلقان فضربه البرد فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم وتبكي علينا خرجه أبو نعيم.

والثاني: بما يحصل بإسباغ الوضوء في شدة البرد من التألم وإسباغ الوضوء في شدة البرد من أفضل الأعمال وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات”؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: “إسباغ الوضوء على الكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط” وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه عز وجل يعني في المنام “فقال له: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: في الدرجات والكفارات”؟ قال: “والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات ونقل الأقدام إلى الجمعات” وفي رواية: “الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته.

أمه” والدرجات: إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام وذكر الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذي وفي بعض الروايات: “إسباغ الوضوء في السبرات” والسبرة: شدة البرد إسباغ الوضوء في شدة البرد من أعلى خصال الإيمان روى ابن سعد بإسناده: أن عمر رضي الله عنه وصى ابنه عند موته فقال له: يا بني عليك بخصال الإيمان قال: وما هي؟ قال: الصوم في شدة الحر أيام الصيف وقتل الأعداء بالسيف والصبر على المصيبة وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي وتعجيل الصلاة في يوم الغيم وترك ردغة الخبال فقال: ما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر.

وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان: قتال أعداء الله بالسيف والصيام في الصيف وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي والتبكير بالصلاة في يوم الغيم وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنك صادق والصبر على المصيبة وقد روي هذا مرفوعا خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: “ست من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان: ضرب أعداء الله بالسيف وابتدار الصلاة في اليوم الدجن وإسباغ الوضوء عند المكاره وصيام الحر وصبر عند المصائب وترك المراء وأنت صادق”.

وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب من هم أهلك الذين هم أهلك تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البرية أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون لجلالي الذين إذا ذكرت ذكروني وإذا ذكرت ذكرت بذكرهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكرى كما تنيب النسور إلى أوكارها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حرب.

وقد روي عن داود بن رشيد قال: قام رجل ليلة باردة ليتوضأ للصلاة فأصاب الماء باردا فبكى فنودي: أما ترضى أنا أنمناهم وأقمناك حتى تبكي علينا خرجه ابن السمعاني.

معالجة الوضوء في جوف الليل للتهجد موجب لرضا الرب ومباهات الملائكة ففي شدة البرد يتأكد ذلك ففي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل فيعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ فإذا وضأ يديه انحلت عقدة وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة وإذا مسح رأسه انحلت عقدة وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة فيقول الرب عز وجل للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له”.

وفي حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور ثم صلى ورجل نام وهو ساجد ورجل في كتيبة منهزمة على فرس جواد لو شاء أن يذهب لذهب” قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلة باردة في المحراب فأقلتني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة فغلبتني عيني فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها قال: فآليت أن لا أعود إلا ويداي خارجتان حرا كان أو بردا قال مالك رحمه الله: كان صفوان بن سليم يصلي يعني بالليل في الشتاء في السطح وفي الصيف في بطن البيت يتيقظ بالحر والبرد حتى يصبح ثم يقول: هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم وإنه لترم رجلاه حتى يعود مثل السقط من قيام الليل ثم يظهر فيها عروق خضر وكان صفوان وغيره من العباد يصلون في الشتاء بالليل في ثوب واحد ليمنعهم البرد من النوم ومنهم من كان إذا نعس ألقى نفسه في الماء ويقول: هذا أهون من صديد جهنم.

كان عطاء الخرساني ينادي أصحابه بالليل يا فلان ويا فلان ويا فلان قوموا فتوضئوا وصلوا فقيام هذا الليل وصيام هذا النهار أهون من شرب الصديد ومقطعات الحديد غدا في النار الوحا الوحا النجا النجا كان قوم من العباد يبيتون في مسجد وكانوا يتهجدون في الليل فاستيقظ واحد منهم ليلة فوجد إخوانه نياما فسمع هاتفا يهتف من جانب المسجد:

أيا عجبا للناس من قرت عيونهم … مطاعم غمض بعدها الموت منتصب
وطول قيام الليل أيسر مؤنة … وأهون من نار تفور وتلتهب

وفي الحديث الصحيح أن ابن عمر رأى في منامه كأن آتيا فانطلق به إلى النار حتى رآها ورأى فيها رجالا يعرفهم معلقين بالسلاسل فأتاه ملك فقال له: لن تراع لست من أهلها فقص ذلك على أخته حفصة فقصته حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل” فكان ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلا قال الحسن: أفضل العبادة الصلاة في جوف.

الليل وقال: هو أقرب ما يتقرب به إلى الله عز وجل وقال: ما وجدت في العبادة أشد منها ورؤي سلمة بن كهيل في المنام فقال: وجدت أفضل الأعمال قيام الليل ما عندهم أشرف منه ورأى بعض السلف خياما ضربت فسأل لمن هي فقيل للمتهجدين بالقرآن فكان بعد ذلك لا ينام.

فما لي بعيد الدار لم أقرب الحمى … وقد نصبت مسافرين خيام
علامة طردي طول ليلي نائم … وغيري يرى أن المنام حرام

ومن الصالحين من كان يلطف به في الحر والبرد كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أن يذهب الله عنه الحر والبرد فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يجد حرا ولا بردا كان بعض التابعين يشتد عليه الطهور في الشتاء فدعا الله عز وجل فكان يؤتى بالماء في الشتاء وله بخار من حره رأى أبو سليمان في طريق الحج في شدة البرد شيخا عليه خلقان وهو يرشح عرقا فعجب منه وسأله عن حاله فقال: إنما الحر والبرد خلقان لله عز وجل فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني وقال: أنا في هذه البرية من ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحا من محبته ويلبسني في الصيف بردا من محبته وقيل لآخر وعليه خرقتان في يوم برد شديد: لو استترت في موضع يكنك من البرد فأنشد:

ومحسن ظني أنني في فنائه … وهل أحد في كنه يجد البردا

وأما من يجد البرد وهم عامة الخلق فإنه يشرع لهم دفع أذاه بما يدفعه لباس وغيره.

وقد امتن الله على عباده بأن خلق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها وأشعارها ما فيه دفء لهم قال الله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل:5] وقال الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وروى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصية إن الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب واتخذوا الصوف شعارا ودثارا فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه وإنما كان يكتب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى ببرد الشام وذلك من تمام نصيحته وحسن نظره وشفقته وحياطته لرعيته رضي الله عنه.

وروي عن كعب قال: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أن تأهب لعدو قد أظلك قال: يا رب من عدوي وليس بحضرتي عدو؟ قال: بلى الشتاء وليس المأمور به أن يتقي البرد حتى لا يصيبه منه شيء بالكلية فإن ذلك يضر أيضا وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد بالكلية حتى لا يحس بهما بدنه فتلف باطنه وتعجل موته فإن الله بحكمته جعل الحر والبرد في الدنيا لمصالح عباده فالحر لتحلل الأخلاط والبرد لجمودها فمتى لم يصب الأبدان شيء من الحر والبرد تعجل فسادها ولكن المأمور به اتقاء ما يؤذي البدن من الحر المؤذي والبرد المؤذي المعدودان من جملة أعداء ابن آدم.

قيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتشدد يعني في العبادة؟ فقال: وكيف لا أشدد وقد ترصد لي أربعة عشر عدوا قيل له: لك خاصة؟ قال بل لجميع من يعقل قيل له: وما هذه الأعداء قال: أما أربعة: فمؤمن يحسدني ومنافق يبغضني وكافر يقاتلني وشيطان يغويني ويضلني وأما العشرة: فالجوع والعطش والحر والبرد والعري والمرض والفاقة والهرم والموت والنار ولا أطيقهن إلا بسلاح تام ولا أجد لهن سلاحا أفضل من التقوى فعد الحر ولبرد من جملة أعدائه.

وقال الأصمعي: كانت العرب تسمي الشتاء: الفاضح فقيل لامرأة منهم أيما أشد عليكم القيظ أم القر؟ قالت: سبحان الله من جعل البؤس كالأذى فجعلت الشتاء بؤسا والقيظ أذى قال بعض السلف: إن الله وصف الجنة بصفة الصيف لا بصفة الشتاء فقال: {فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} [الواقعة: 28, 32] وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً} [الانسان:13] فنفى عنهم شدة الحر والبرد قال قتادة: علم الله أن شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعا.

قال أبو عمرو بن العلاء: إني لأبغض الشتاء لنقص الفروض وذهاب الحقوق وزيادة الكلفة على الفقراء وقد روي في حديث مرفوع: “إن الملائكة تفرح بذهاب الشتاء” لما يدخل فيه على فقراء المؤمنين من الشدة ولكن لا يصح إسناده وروي أيضا مرفوعا: “خير صيفكم أشده حرا وخير شتائكم أشده بردا وإن الملائكة لتبكي في الشتاء رحمة لبني آدم” وإسناده أيضا باطل وقال بعض السلف: البرد عدو الدين يشير إلى أنه يفتر عن كثير من الأعمال ويثبط عنها فتكسل النفوس.

بذلك وقال بعضهم: خلقت القلوب من طين فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه.

قال الحسن: الشتاء ذكر فيه اللقاح والصيف انثى فيه النتاج يشير إلى أن الصيف تنتج فيه المواشي والشجر والصيف عند العرب هو الربيع وأما الذي تسميه الناس: الصيف فالعرب يسمونه القيظ ففي الشتاء تفور الحرارة إلى باطن الشجر فتنعقد مواد الثمر فتظهر في الربيع مباديها فتزهر الشجر ثم تورق ثم إذا ظهرت الثمار قوي حر الشمس لإنضاجها الإيثار في الشتاء للفقراء بما يدفع عنهم البرد له فضل عظيم خرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد فرأى رجلا عاريا فنزع ثوبه وكساه إياه فرأى بعض أهل الشام في منامه أن صفوان بن سليم دخل الجنة بقميص كساه فقدم المدينة فقال: دلوني على صفوان فأتاه فقص عليه ما رأى.
رأى مسعر أعرابيا يتشرق في الشمس وهو يقول:

جاء الشتاء وليس عندي درهم … ولقد يخص بمثل ذاك المسلم
قد قطع الناس الجباب وغيرها … وكأنني بفناء مكة محرم

فنزع مسعر جبته فألبسه إياها رفع إلى بعض الوزراء الصالحين أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع فأمر رجلا أن يمضي إليهم وحمل معه ما يصلحهم من كسوة وطعام ثم نزع ثيابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم فمضى وعاد فأخبره: أنهم اكتسوا وشبعوا وهو يرعد من البرد فلبس حينئذ ثيابه خرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا: “من أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة ومن سقاه على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ومن كساه على عري كساه الله من خضر الجنة” وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط وأجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط فمن كسا لله عز وجل كساه الله ومن أطعم لله أطعمه الله ومن سقا لله سقاه الله ومن عفا لله أعفاه الله.

ومن فضائل الشتاء: أنه يذكر بزمهرير جهنم ويوجب الإستعاذة منها وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا كان يوم شديد البرد فإذا قال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم: اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله تعالى لجهنم: إن عبدا من عبادي استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته” قالوا ما زمهرير جهنم قال: “بيت يلقى فيه الكفر فيتميز من شدة البرد” قام زبيد اليامي ذات ليلة للتهجد فعمد إلى مطهرة له كان يتوضأ منها فغمس يده في المطهرة فوجد الماء باردا شديدا كاد أن يجمد من شدة برده فذكر الزمهرير ويده في المطهرة فلم يخرجها حتى أصبح فجاءته جاريته وهو على تلك الحال فقالت: ما شأنك يا سيدي لم لا تصلي الليلة كما كنت تصلي وأنت قاعد هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحك إني أدخلت يدي في هذه المطهرة فاشتد علي برد الماء فذكرت به الزمهرير فوالله ما شعرت بشدة برده حتى وقفت علي فانطوي لا تحدثي بهذا أحدا ما دمت حيا فما علم بذلك أحد حتى مات رحمه الله في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن لجهنم نفسين في الشتاء ونفسا في الصيف فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها وأشد ما تجدون من الحر من سمومها”.

وروي عن ابن عباس قال: يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر وعن مجاهد قال: يهربون إلى الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض وعن كعب قال: إن في جهنم بردا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم وعن عبد الملك بن عمير قال بلغني: أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوه من البرد وقد قال الله عز وجل: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، جَزَاءً وِفَاقاً} [النبأ: 24, 26] وقال الله تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} [صّ:57] قال ابن عباس: الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده وقيل: إن الغساق: البارد المنتن أجارنا الله تعالى من جهنم بفضله وكرمه يا من تتلى عليه أوصاف جهنم ويشاهد تنفسها كل عام حتى يحس به ويتألم وهو مصر على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام من يندم ألك صبر على سعيرها وزمهريرها؟ قل وتكلم ما كان صلاحك يرجى والله أعلم.

كم يكون الشتاء ثم المصيف … وربيع يمضي ويأتي الخريف
وارتحال من الحرور إلى البرد … وسيف الردى عليك منيف
يا قليل المقام في هذه الدنيا … إلى كم يغرك التسويف
يا طالب الزائل حتى متى … قلبك بالزائل مشغوف
عجبا لامرىء يذل لذي الدنـ … ـيا ويكفيه كل يوم رغيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *