تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » المجلس الثاني في ذكر الحج وفضله والحث عليه.

المجلس الثاني في ذكر الحج وفضله والحث عليه.

  • بواسطة

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حج مبرور”.
هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:

أحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بذلك في سؤال جبريل وفي غيره من الأحاديث وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه كأول البقرة ووسطها وآخرها.

والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [الصف: 10, 11] الآية وفي قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15] وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه: أن أفضل الأعمال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله فالإيمان المجرد يدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول وخصوصا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلها بالأعمال الصالحة واللسان بالكلام الطيب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكل عليه قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكنه بما وقر في الصدور وصدقته الأعمال ويشهد لذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الأنفال: 2, 4] وفي هذا يقول بعضهم:

ما كل من زوق لي قوله … يغرني يا صاح تزويقه
من حقق الإيمان في قلبه … لا بد أن يظهر تحقيقه

فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه وسرعت الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حب الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حره للظمآن الشديد عطشه ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمر عليها من الصبر ذكر ابن المبارك عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه دخل المدينة فقال لهم: ما لي لا أرى عليكم يا أهل المدينة حلاوة الإيمان والذي نفسي بيده لو أن دب الغابة وجد طعم الإيمان لرؤي عليه حلاوة الإيمان.

لو ذاق طعم الإيمان رضوى … لكاد من جوده يميد
قد حملوني تكليف عهد … يعجز عن حمله الحديد

فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللسان ثم يتبعهما عمل الجوارح وأفضلها الجهاد في سبيل الله وهو نوعان: أفضلهما: جهاد المؤمن بعدوه الكافر وقتاله في سبيل الله: فإن فيه دعوة له إلى الإيمان بالله ورسوله ليدخل في الإيمان قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] قال أبو هريرة رضي الله عنه في هذه الآية: يجيئون بهم في السلاسل حتى يدخلونهم الجنة وفي الحديث المرفوع: “عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل” فالجهاد في سبيل الله دعاء الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله بالسيف واللسان بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لا يقاتل قوما حتى يدعوهم فالجهاد به تعلو كلمة الإيمان وتتسع رقعة الإسلام ويكثر الداخلون فيه وهو وظيفة الرسل وأتباعهم وبه تصير كلمة الله هي العليا والمقصود منه أن يكون الدين كله لله والطاعة له كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] والمجاهد في سبيل الله هو المقاتل لتكون كلمة الله هي العليا خاصة.

والنوع الثاني من الجهاد: جهاد النفس في طاعة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المجاهد من جاهد نفسه في الله” وقال بعض الصحابة لمن سأله عن الغزو؟: ابدأ بنفسك فاغزها وابدأ بنفسك فجاهدها وأعظم مجاهدة النفس على طاعة الله عمارة بيوته بالذكر والطاعة قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18] وفي حديث أبي سعيد الخدري المرفوع: “إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان” ثم تلا الآية خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ*رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 36, 37] الآية.

والنوع الأول من الجهاد أفضل من هذا الثاني قال الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 19, 20] وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 19] إلى آخر الآية فهذا الحديث الذي فيه ذكر سبب نزول هذه الآية يبين أن المراد أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى من أعمال النوافل والتطوع الجهاد وإن الآية تدل على أن أفضل ذلك الجهاد مع الإيمان فدل على التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وعلى مثل هذا يحمل حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا وأن الجهاد أفضل من الحج المتطوع به فإن فرض الحج تأخر عند كثير من العلماء إلى السنة التاسعة،

ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام قبل أن يفرض الحج بالكلية فكان حينئذ تطوعا.

وقد قيل: إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين فلا إشكال في هذا على تقديمه على الحج قبل افتراضه فأما بعد أن صار الجهاد فرض كفاية والحج فرض عين فإن الحج المفترض حينئذ يكون أفضل من الجهاد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات وروي ذلك مرفوعا من وجوه متعددة في أسانيدها مقال وقال الصبي بن معبد: كنت نصرانيا فأسلمت فسألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: الجهاد أفضل أم الحج؟ فقالوا: الحج والمراد والله أعلم: أن الحج أفضل لمن لم يحج حجة الإسلام مثل الذي أسلم وقد يكون المراد بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين صار ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد وإلا فالجهاد أفضل والله أعلم.
وقد دل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على أن أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله جنس عمارة المساجد بذكر الله وطاعته فيدخل في ذلك الصلاة والذكر والتلاوة والإعتكاف وتعليم العلم النافع واستماعه وأفضل من ذلك عمارة أفضل المساجد وأشرفها وهو المسجد الحرام بالزيارة والطواف فلهذا خصه بالذكر وجعل قصده للحج أفضل الأعمال بعد الجهاد وقد خرجه ابن المنذر ولفظه: “ثم حج مبرور أو عمرة”.

وقد ذكر الله تعالى هذا البيت في كتابه بأعظم ذكر وأفخم تعظيم وثناء قال الله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] الآيات وقال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 96, 97] وقال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27] فعمارة سائر المساجد سوى المسجد الحرام وقصدها للصلاة فيها وأنواع العبادات من الرباط في سبيل الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط” فأما المسجد الحرام بخصوصه فقصده لزيارته وعمارته بالطواف الذي خصه الله به من نوع الجهاد في سبيل الله عز وجل.

وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد فقال: “لكن أفضل الجهاد حج مبرور” يعني أفضل جهاد النساء ورواه بعضهم: “لكن أفضل الجهاد حج مبرور” فيكون صريحا في هذا المعنى وقد خرجه البخاري بلفظ آخر وهو: “جهادكن الحج” وهو كذلك وفي المسند وسنن ابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي قال: “الحج جهاد كل ضعيف” وخرج البيهقي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة” وفي حديث مرسل الحج جهاد والعمرة تطوع وفي حديث آخر مرسل خرجه عبد الرزاق أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني جبان لا أطيق لقاء العدو قال: “ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه” قال: بلى قال: “عليك بالحج والعمرة” وخرج أيضا من مراسيل علي بن الحسين أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال “ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه الحج” وفيه عن عمر أنه قال: إذا وضعتم السروج يعني من سفر الجهاد فشدوا الرحال إلى الحج والعمرة فإنه أحد الجهادين وذكره البخاري تعليقا وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنما سرج ورحل فالسرج في سبيل الله والرحل والحج خرجه الإمام أحمد في مناسكه.

وإنما كان الحج والعمرة جهادا لأنه يجهد المال والنفس والبدن كما قال أبو الشعثاء نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن دون المال والصيام كذلك والحج يجهدهما فرأيته أفضل وروى عبد الرزاق بإسناده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلا سأله عن الحج قال: إن الحاج يشفع في أربعمائة بيت من قومه ويبارك في أربعين من أمهات البعير الذي حمله ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فقال له رجل: يا أبا موسى إني كنت أعالج الحج وقد كبرت وضعفت فهل من شيء يعدل الحج فقال له: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل فأما الحل والرحيل: فلا أجد له عدلا أو قال مثلا وبإسناده عنه طاوس أنه سئل هل الحج بعد الفريضة أفضل أم الصدقة؟ قال: فأين الحل والرحيل والسهر والنصب والطواف بالبيت والصلاة عنده والوقوف بعرفة وجمع ورمي الجمار كأنه يقول الحج أفضل.

وقد اختلف العلماء في تفضيل الحج تطوعا أو الصدقة فمنهم من رجح.

الحج كما قال طاوس وأبو الشعثاء وقال الحسن أيضا ومنهم من رجح الصداقة وهو قول النخعي ومنهم من قال: إن كان ثم رحم محتاجه أو زمن مجاعة فالصدقة وإلا فالحج وهو نص أحمد وروي عن الحسن معناه وإن صلة الرحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوع بالحج وفي كتاب عبد الرزاق بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل حج فأكثر أيجعل نفقته في صلة أو عتق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “طواف سبع لا لغو فيه يعدل رقبة” وهذا يدل على تفضيل الحج.

واستدل من رأى ذلك أيضا بأن النفقة في الحج أفضل من النفقة في سبيل الله وفي مسند الإمام أحمد عن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف” وخرجه الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “النفقة في سبيل الله الدرهم فيه بسبعمائة” ويدل عليه قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 195, 196] ففيه دليل على أن النفقة في الحج والعمرة تدخل في جملة النفقة في سبيل الله وقد كان بعض الصحابة جعل بعيره في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج عليه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: “حجي عليه فإن الحج في سبيل الله” وقد خرجه أهل المسانيد والسنن من وجوه متعددة وذكره البخاري تعليقا وهذا يستدل به على أن الحج يصرف فيه من سهم سبيل الله المذكور في آية الزكاة كما هو أحد قولي العلماء فيعطى من الزكاة من لم يحج ما يحج به في اعطائه لحج التطوع اختلاف بينهم أيضا.

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال ما بين مطلع الشمس إلى مغربها” وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه” فمغفرة الذنوب بالحج ودخول الجنة به مرتب على كون الحج مبرورا.
وإنما يكون مبرورا باجتماع أمرين قيه:

أحدهما: الإتيان فيه بأعمال

البر والبر يطلق بمعنيين:

أحدهما: بمعنى الإحسان إلى الناس كما يقال البرو الصلة وضده العقوق وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البر؟ فقال: “حسن الخلق” وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن البر شيء هين: وجه طليق وكلام لين وهذا يحتاج إليه في الحج كثيرا أعني معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل قال بعضهم: إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” قالوا: وما بر الحج يا رسول الله؟ قال: “إطعام الطعام وإفشاء السلام” وفي حديث آخر: “وطيب الكلام” وسئل سعيد بن جبير: أي الحج أفضل؟ قال: من أطعم الطعام وكف لسانه قال الثوري: سمعت أنه من بر الحج وفي مراسيل خالد بن معدان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما يصنع من يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاثة: ورع يحجزه عما حرم الله وحلم يضبط به جهله وحسن صحابة لمن يصحب وإلا فلا حاجة لله بحجه” وقال أبو جعفر الباقر: ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاثة: ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يكف به غضبه وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار خصوصا في سفر الحج فمن كملها فقد كمل حجه وبر.

ومن أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أبا جزي الهجيمي فقال: “لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تعطي صلة الحبل ولو أن تعطي شسع النعل ولو أن تنحي الشي من طريق الناس يؤذيهم ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق ولو أن تلقى أخاك المسلم عليه فتسلم عليه ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض” وفي الجملة: فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] والحاج يحتاج إلى مخالطة الناس والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم قال ربيعة: المروءة في السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله عز وجل وجاء رجلان إلى ابن عون يودعانه ويسألانه أن يوصيهما فقال لهما: عليكما بكظم الغيظ وبذل الزاد فرأى أحدهما في المنام: أن ابن عون أهدى إليهما حلتين.

والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد ومعه من هو صائم ومفطر فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “ذهب المفطرون اليوم بالأجر” وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى رجلا صائما فقال له: “ما حملك على الصوم في السفر”؟ فقال: معي ابناي يرحلان بي ويخدماني فقال له “ما زال لهما الفضل عليك” وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة رضي الله عنه قال: قدم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر يثنون على صاحب لهم قالوا: ما رأينا مثل فلان قط ما كان في مسير إلا كان في قراءة ولا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة قال: “فمن كان يكفيه ضيعته”؟ حتى ذكر ومن كان يعلف دابته؟ قالوا: نحن قال: ” فكلكم خير منه”.

وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك منهم: عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره فيشترط عليهم أن يخدمهم فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي فيغسله وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال: هذا من شرطي فيغسله فلما مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب من أهل الجنة فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم.
وترافق بهيم العجلي وكان من العبادين البكائين ورجل تاجر موسر في الحج فلما كان يوم خروجهم للسفر بكى بهيم حتى قطرت دموعه على صدره ثم قطرت على الأرض وقال: ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله ثم علا صوته بالنحيب فكره رفيقه التاجر منه ذلك وخشي أن يتنغص عليه سفره ومعه بكثرة بكائه فلما قدما من الحج جاء الرجل الذي رافق بينهما إليه ليسلم عليهما فبدأ بالتاجر فسلم عليه وسأله عن حله مع بهيم فقال له: والله ظننت إن في هذا الخلق مثله كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معسر وأنا موسر ويتفضل علي في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شاب ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر فسأله عما كان يكرهه من كثرة بكائه فقال: والله ألفت ذلك البكاء وأشرب حبه قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذى بنا الرفقة ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا والمصير واحد فجعلوا والله يبكون ونبكي ثم خرج من عنده فدخل على بهيم فسلم عليه وقال له: كيف رأيت صاحبك قال: خير صاحب كثير الذكر لله طويل التلاوة للقرآن سريع الدمعة متحمل لهفوات الرفيق فجزاك الله عني خيرا.

وكان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطيب الطعام وهو صائم وكان إذا أراد الحج من بلده مر وجمع أصحابه وقال: من يريد منكم الحج فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة ويطعمهم أطيب الطعام ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف ثم يرجع بهم إلى بلده فإذا وصلوا صنع لهم طعاما ثم جمعهم عليه ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته.

المعنى الثاني: مما يراد بالبر: فعل الطاعات كلها وضده الإثم وقد فسر الله تعالى البر بذلك في قوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177] الآية فتضمنت الآية: أن أنواع البر ستة أنواع من استكملها فقد استكمل البر:

أولها: الإيمان بأصول الإيمان الخمسة.

وثانيها: إيتاء المال المحبوب لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب.

وثالثها: إقام الصلاة.

ورابعها: إيتاء الزكاة.

وخامسها: الوفاء بالعهد.

وسادسها: الصبر على البأساء والضراء وحين البأس.

وكلها يحتاج الحاج إليها فإنه لا يصح حجه بدون الإيمان ولا يكمل حجه ويكون مبرورا بدون إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإن أركان الإسلام بعضها مرتبطة ببعض فلا يكمل الإيمان والإسلام حتى يؤتي بها كلها ولا يكمل بر الحج بدون الوفاء بالعهود في المعاقدات والمشاركات المحتاج إليها في سفر الحج وإيتاء المال المحبوب لمن يحب الله إيتاءه ويحتاج مع ذلك إلى الصبر على ما يصيبه من المشاق في السفر فهذه خصال البر ومن أهمها للحاج: إقام الصلاة فمن حج من غير إقام الصلاة لا سيما إن كان حجه تطوعا كان بمنزلة من سعى في ربح درهم وضيع رأس ماله وهو ألوف كثيرة وقد كان السلف يواظبون في الحج على نوافل الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها ويؤثر عليها وحج مسروق فما نام إلا ساجدا وكان محمد بن واسع يصلي في طريق مكة ليله أجمع في محمله يومىء إيماء ويأمر حاديه أن يرفع صوته خلفه حتى يشغل عنه بسماع صوت الحادي فلا يتفطن له وكان المغيرة بن الحكيم الصنعاني يحج من اليمن ماشيا وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده ثم يلحق بالركب متى لحق فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار سلام الله على تلك الأرواح رحمة الله على تلك الأشباح ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:

نزلوا بمكة في قبائل هاشم … ونزلت بالبيداء أبعد منزل

فنحن ما نأمر إلا بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها ولو بالجمع بين الصلاتين المجموعتين في وقت إحداهما بالأرض فإنه لا يرخص لأحد أن يصلي صلاة الليل في النهار ولا صلاة النهار في الليل ولا أن يصلي على ظهر راحلته المكتوبة إلا من خاف الإنقطاع عن رفقته أو نحو ذلك مما يخاف على نفسه فأما المريض ومن كان في ماء وطين ففي صلاته على الراحلة اختلاف مشهور للعلماء وفيه روايتان عن الإمام أحمد وأن يكون بالطهارة الشرعية بالوضوء بالماء مع القدرة عليه والتيمم عند العجز حسا أو شرعا ومتى علم الله من عبد حرصه على إقام الصلاة على وجهها أعانه.

قال بعض العلماء: كنت في طريق الحج وكان الأمير يقف للناس كل يوم لصلاة الفجر فينزل فنصلي ثم نركب فلما كان ذات يوم قرب طلوع الشمس ولم يقفوا للناس فناديتهم فلم يلتفتوا إلى ذلك فتوضأت على المحمل ثم نزلت للصلاة على الأرض ووطنت نفسي على المشي إلى وقت نزولهم للضحى وكانوا لا ينزلون إلى قريب وقت الظهر مع علمي بمشقة ذلك علي وإني لا قدرة لي عليه فلما صليت وقضيت صلاتي نظرت إلى رفقتي فإذا هم وقوف وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه فسألتهم عن سبب وقوفهم؟ فقالوا: لما نزلت تعرقلت مقاود الجمال بعضها في بعض فنحن في تخليصها إلى الآن قال: فجئت وركبت وحمدت الله عز وجل وعلمت أنه ما قدم أحد حق الله على هوى نفسه وراحتها إلا رأى سعادة الدنيا والآخرة ولا عكس أحد ذلك فقدم حظ نفسه على حق ربه إلا ورأى الشقاوة في الدنيا والآخرة واستشهد بقول القائل:

والله ما جئتكم زائرا … إلا وجدت الأرض تطوى لي
ولا ثنيت العزم عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي

ومن أعظم أنواع بر الحج كثرة ذكر الله تعالى فيه وقد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الحاج أفضل؟ قال: “أكثرهم لله ذكرا” خرجه الإمام أحمد وروي مرسلا من وجوه متعددة وخصوصا كثرة الذكر في حال الإحرام بالتلبية والتكبير وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل الحج العج والثج” وفي حديث جبير بن مطعم المرفوع: “عجو التكبير عجا وثجوا الإبل ثجا” فالعج رفع الصوت في التكبير والتلبية الثج إراقة دماء الهدايا والنسك والهدي من أفضل الأعمال قال الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج: 36] الآية وقال الله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] وقال تعالى {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: من الآية32] وأهدى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مائة بدنة وكان يبعث الهدي إلى منى فتنحر عنه وهو مقيم بالمدينة.

الأمر الثاني: مما يكمل ببر الحج اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي قال الله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] . وفي الحديث الصحيح: “من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” وقد سبق حديث: “من لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله فليس لله حاجة في حجه” فما تزود حاج ولا غيره أفضل من زاد التقوى ولا دعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ودع غلاما للحج فقال له: “زودك الله التقوى” قال بعض السلف لمن ودعه: اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه وقال آخر: لمن ودعه للحج أوصيك بما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين ودعه: “اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن” وهذه وصية جامعة لخصال البر كلها ولأبي الدرداء رضي الله عنه:

يريد المرء أن تؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أراد
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفاد

ومن أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه من الحرام وأن يطيب نفقته في الحج وأن لا يجعلها من كسب حرام وقد خرج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور”.

مات رجل في طريق مكة فحفروا له فدفنوه ونسوا الفأس في لحده فكشفوا عنه التراب ليأخذوا الفاس فإذا رأسه وعنقه قد جمعا في حلقة الفاس فردوا عليه التراب ورجعوا إلى أهله فسألوهم عنه فقالوا: صحب رجلا فأخذ ماله فكان منه يحج ويغزو.

إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل طيبة … ما كل من حج بيت الله مبرور

وما يجب اجتنابه على الحاج وبه يتم بر حجه أن لا يقصد بحجه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخرا ولا خيلاء ولا يقصد به إلا وجه الله ورضوانه ويتواضع في حجه ويستكين ويخشع لربه روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل رث وقطيفة ما تساوي أربعة دراهم وقال: “اللهم اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة” وقال عطاء: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمنى غداة عرفة ثم غدا إلى عرفات وتحته قطيفة اشتريت له بأربعة دراهم وهو يقول: “اللهم اجعلها حجة مبرورة متقبلة لا رياء فيها ولا سمعة” وقال عبد الله بن الحارث: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلا فاهتز به فتواضع لله عز وجل وقال: “لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة” قال رجل لابن عمر: ما أكثر الحاج فقال: ابن عمر: ما أقلهم ثم رأى رجلا على بعير على رحل رث خطامه حبال فقال: لعل هذا وقال شريح: الحاج قليل والركبان كثير ما أكثر من يعمل الخير ولكن ما أقل الذين يريدون وجهه.

خليلي قطاع الفيافي إلى الحمى … كثير وأما الواصلون قليل

كان بعض المتقدمين يحج ماشيا على قدميه كل عام فكان ليلة نائما على فراشه فطلبت منه أمه شربة ماء فصعب على نفسه القيام من فراشه لسقي أمه الماء فتذكر حجه ماشيا كل عام وأنه لا يشق عليه فحاسب نفسه فرأى أنه لا يهونه عليه إلا رؤية الناس له ومدحهم إياه فعلم أنه كان مدخولا قال بعض التابعين: رب محرم يقول: لبيك اللهم لبيك فيقول الله: لا لبيك ولا سعديك هذا مردود عليك قيل له: لم؟ قال: لعله اشترى ناقة بخمسمائة درهم ورحلا بمائتي درهم ومفرشا بكذا وكذا ثم ركب ناقته ورجل رأسه ونظر في عطفيه فذلك الذي يرد عليه ومن هنا استحب للحاج أن يكون شعثا أغبر وفي حديث المباهاة يوم عرفة أن الله تعالى يقول لملائكته: “انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين اشهدوا أني قد غفرت لهم” قال عمر يوما وهو بطريق مكة: تشعثون وتغبرون وتتفلون وتضحون لا تريدون بذلك شيئا من عرض الدنيا ما نعلم سفرا خيرا من هذا يعني الحج وعنه قال: إنما الحاج الشعث التفل وقال ابن عمر لرجل رآه: قد استظل في إحرامه أضح لمن أحرمت له أي أبرز للضحى وهو حر الشمس.

أتاك الوافدون إليك شعثا … يسوقون المقلدة الصواف
فكم من قاصد للرب رغبا … ورهبا بين منتعل وحاف

سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنا يترددون إليه ويرجعون عنه ولا يرون أنهم قضوا منه وطرا لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله عز وجل لخليله: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج: 26] تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنوا وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا.

لا يذكر الرمل الأحن مغترب … له بذي الرمل أوطار وأوطان
تهفو إلى البان من قلبي نوازعه … وما بي البان بل من داره البان

رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجهم فوقف يبكي ويقول: واضعفاه وينشد على أثر ذلك:

فقلت دعوني واتباعي ركابكم … أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد

ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن”.

يا سائق العيس ترفق واستمع … مني وبلغ السلام عني
عرض بذكري عندهم لعلهم … إن سمعوك سألوك عني
قل ذلك المحبوس عن قصدكم … معذب القلب بكل فني
يقول أملت بأن أزوركم … في جملة الوفد فخاب ظني
أقعدني الحرمان عن قصدكم … ورمت أن أسعى فلم يدعني

ينبغي للمنقطعين طلب الدعاء من الواصلين لتحصل المشاركة كما روي عن.

النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما أراد العمرة: “يا أخي أشركنا في دعائك” وفي مسند البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: “اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج” وفي الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول في الطواف: “اللهم اغفر لفلان بن فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من هذا؟ ” قال: رجل حملني أن أدعو له بين الركن والمقام فقال: “قد غفر لصاحبك”.

ألا قل لزوار دار الحبيب … هنيئا لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا … فنحن عطاش وأنتم ورود

لئن سار القوم وقعدنا وقربوا وبعدنا فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله أتباعهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

لله در ركائب سارت بهم … تطوي القفار الشاسعات على الدجا
رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا … قلب المتيم منهمو ما قد شجا
نزلوا بباب لا يخيب نزيله … وقلوبهم بين المخافة والرجا

على أن المتخلف لعذر شريك للسائر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك: “إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم خلفهم العذر”.

يا سائرين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا … ومن أقام على عذر كمن راحا

وربما سبق بعض من سار بقلبه وهمته وعزمه بعض السائرين ببدنه رأى بعض الصالحين في منامه عشية عرفة بعرفة قائلا يقول له: ترى هذا الزحام بالموقف قال: نعم قال: ما حج منهم إلا رجل واحد تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب الله له أهل الموقف ما الشأن فيمن سار ببدنه إنما الشأن فيمن قعد بدنه وسار بقلبه حتى سبق الركب.

من لي بمثل سيرك المذلل … تمشي رويدا وتجي في الأول

يا سائرين إلى دار الأحباب قفوا للمنقطعين تحملوا معكم رسائل المحصرين. خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى”.

يا سائرين إلى الحبيب ترفقوا … فالقلب بين رحالكم خلفته
مالي سوى قلبي وفيك أذبته … مالي سوى دمعي وفيك سكبته

كان عمر بن عبد العزيز إذا رأى من يسافر إلى المدينة النبوية يقول له: أقرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وروي أنه كان يبرد عليه البريد من الشام.

هذه الخيف وهاتيك مني … فترفق أيها الحادي بنا
واحبس الركب علينا ساعة … نندب الربع ونبكي الدمنا
فلذا الموقف أعددنا البكا … ولذا اليوم الدموع تقتني
أتراكم في النقا والمنحنا … أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا … واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا … بفضول الربح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم … غير أن العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلا وقد … جئته أسعى بأقدام المنى
آه وأشواقي إلى ذاك الحمى … شوق محروم وقد ذاق العنا
سلموا عني على أربابه … أخبروهم أنني خلف الضنا
أنا مذ غبتم على تذكاركم … أترى عندكم ما عندنا
بيننا يوم أثيلات النقا … كان عن غير تراض بيننا
زمنا كان وكنا جيرة … فأعاد الله ذاك الزمنا

من شاهد تلك الديار وعاين تلك الآثار ثم انقطع عنها لم يمت إلا بالأسف عليها والحنين إليها.

ما أذكر عيشنا الذي قد سلفا … إلا وجف القلب وكم قد وجفا
واها لزماننا الذي كان صفا … وا أسفا وهل يرد فائتا وا أسفا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *