تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الْأَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْعَالُ الْمُكَلَّفُ بِهَا

الْأَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْعَالُ الْمُكَلَّفُ بِهَا

  • بواسطة

 

كتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي

أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631هـ)

 


[الْأَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْعَالُ الْمُكَلَّفُ بِهَا]

 
 

[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ]

 
الْأَصْلُ الثَّالِثُ
فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَفْعَالُ الْمُكَلَّفُ بِهَا وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (4) اخْتَلَفَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَذَلِكَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَقَلْبِ الْأَجْنَاسِ (5) وَإِيجَادِ الْقَدِيمِ وَإِعْدَامِهِ وَنَحْوِهِ، وَمَيْلُهُ فِي أَكْثَرِ أَقْوَالِهِ إِلَى الْجَوَازِ (6) وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي اعْتِقَادِ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ
_________
(1) أَيْ مَجَازًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ السَّعَةِ إِذَا قُوبِلَتْ حَالُنَا فِي التَّكْلِيفِ بِحَالِهِمْ.
(2) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُحَرِّمِ لِتَرْكِهِ عِلَّةٌ لِمَنْعِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ رُخْصَةً حَقِيقِيَّةً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ فِي حَقِّنَا دَلِيلٌ يُحَرِّمُ عَلَيْنَا تَرْكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ دُونَنَا.
(3) فِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ قَدْ يُسَمَّى بَعْضُ صُوَرِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ رُخْصَةً كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ آيَاتِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَمَا مَعَهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَا خُتِمَتْ بِهِ مِنْ حِلِّهَا لِلْمُضْطَرِّ.
(4) انْظُرْ ص 318 ج 7 مِنْ مَجْمُوعَةِ الْفَتَاوَى، وَشَرْحَ الطَّحَاوِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ. إِلَخْ.
(5) مِثَالُ قَلْبِ الْأَجْنَاسِ جَعْلُ الشَّجَرِ فَرَسًا، أَوِ الْفَرَسِ إِنْسَانًا، أَوِ الْحَيَوَانَ نَبَاتًا، انْظُرْ مَبْحَثَ قَلْبِ الْجَوْهَرِ عَرَضًا، مِنْ مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ، لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ.
(6) أَيْ: الْعَقْلِيِّ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَلَى شَرْحِ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ.
________________________________________
الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ لِلْمَقْدُورِ بِهَا مَعَ تَقَدُّمِ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْفِعْلِ (1) ، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي مَقْدُورِهَا، بَلْ مَقْدُورُهَا مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلِ الْغَيْرِ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ (2) ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ حَيْثُ قَالُوا بِجَوَازِ تَكْلِيفِ الْعَبْدِ بِفِعْلٍ فِي وَقْتٍ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا عَنْهُ.
وَالْبَكْرِيَّةُ (3) حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْخَتْمَ وَالطَّبْعَ عَلَى الْأَفْئِدَةِ مَانِعَانِ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ التَّكْلِيفِ بِهِ.
غَيْرَ أَنَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَوَافَقَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّفْيِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ.
وَأَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَقْلًا، وَعَلَى وُقُوعِهِ شَرْعًا كَالتَّكْلِيفِ بِالْإِيمَانِ لِمَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ كَأَبِي جَهْلٍ خِلَافًا لِبَعْضٍ الثَّنَوِيَّةِ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ (4) كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَنَحْوِهِ، وَجَوَازُهُ فِي الْمُسْتَحِيلِ بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْغَزَالِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
_________
(1) الصَّحِيحُ أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوْعَانِ: الْأُولَى بِمَعْنَى تَوَفُّرِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَهِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، فَبِهَا يَتْمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، مُطِيعٍ أَوْ عَاصٍ، وَتَكُونُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، وَقَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ، وَهَذِهِ مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ وَمَوْجُودَةٌ فِيمَنْ أَطَاعَ دُون مَنْ عَصَى، وَلَيْسَتْ مَنَاطًا لِلتَّكْلِيفِ. وَقَدْ أَثْبَتَ الْجَبْرِيَّةُ الْقُدْرَةَ بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ، وَنَفَوُا الْقُدْرَةَ بِمَعْنَى تَوَفُّرِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى الْعَكْسِ.
(2) مُتَعَلِّقُ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ، وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِيهَا بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَهَا، وَإِقْدَارِهِ لِعَبْدِهِ عَلَيْهَا. أَمَّا تَرْتِيبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَيْهَا فَمِنَ اللَّهِ، فَهُوَ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُجْرِي الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا، لَا عِنْدَهَا كَمَا يَقُولُ الْأَشْعَرِيَّةُ، فَمَثَلًا: حَزَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ بِالسِّكِّينِ فِي رَقَبَةِ وَلَدِهِ، وَضَرَبَ مُوسَى الْكَلِيمُ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، وَرَمَى مُحَمَّدٌ الْخَلِيلُ الْحَصَى، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْمَخْلُوقِ. أَمَّا أَنْ تَنْقَطِعَ الرَّقَبَةُ، أَوْ يَنْفَلِقَ الْبَحْرُ، أَوْ يُصِيبَ الْحَصَى جَمِيعَ مَنْ رُمِيَ بِهِ، فَإِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ رَتَّبَ ذَلِكَ فَحَصَلَ، كَمَا فِي الْأَخِيرَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْصُلْ كَمَا فِي قِصَّة الذَّبِيحِ مَعَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَبِذَلِكَ يَكُونُ مُتَعَلِّقُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ التَّسَبُّبُ وَالْكَسْبُ غَيْرَ مُتَعَلِّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ تَمْكِينُ الْعَبْدِ وَإِقْدَارُهُ وَتَرْتِيبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْلِيفٌ بِفِعْلِ الْغَيْرِ، حَتَّى يَكُونَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ.
(3) الْبَكْرِيَّةُ أَتْبَاعُ بَكْرِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ. انْظُرْ مَذْهَبَهُ فِي كِتَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِرَقِ، وَتَرْجَمَتُهُ فِي الْمِيزَانِ لِلذَّهَبِيِّ.
(4) وَكَذَا الْمُسْتَحِيلُ عَادَةً، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حِكْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.
________________________________________
وَلْنَفْرِضِ الْكَلَامَ فِي الطَّرَفَيْنِ: أَمَّا الطَّرَفُ الْأَوَّلُ وَهُوَ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّكْلِيفَ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَالطَّلَبُ يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا مُتَصَوَّرًا فِي نَفْسِ الطَّالِبِ، فَإِنَّ طَلَبَ مَا لَا تَصَوُّرَ لَهُ فِي النَّفْسِ مُحَالٌ، وَالْمُسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَنَحْوِهِ، لَا تَصَوُّرَ لَهُ فِي النَّفْسِ. وَلَوْ تُصُوِّرَ فِي النَّفْسِ لَمَا كَانَ وُقُوعُهُ فِي الْخَارِجِ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، وَكَمَا يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي طَرَفِ الْوُجُودِ فَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي طَرَفِ السَّلْبِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ كَالتَّكْلِيفِ بِسَلْبِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ; لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ لِذَاتَيْهِمَا، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ تَوَسَّطَ مَزْرَعَةً مَغْصُوبَةً فَلَا يُقَالُ لَهُ: لَا تَمْكُثْ وَلَا تَخْرُجْ (1) ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو هَاشِمٍ. وَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكْثِ وَالْخُرُوجِ إِفْسَادُ زَرْعِ الْغَيْرِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ التَّكْلِيفُ بِالْخُرُوجِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الضَّرَرِ وَتَكْثِيرِهِ فِي الْمُكْثِ، كَمَا يُكَلَّفُ الْمُولِجُ فِي الْفَرْجِ الْحَرَامِ بِالنَّزْعِ وَإِنْ كَانَ بِهِ مَاسًّا لِلْفَرْجِ الْمُحَرَّمِ ; لِأَنَّ ارْتِكَابَ أَدْنَى الضَّرَرَيْنِ يَصِيرُ وَاجِبًا نَظَرًا إِلَى رَفْعِ أَعْلَاهُمَا، كَإِيجَابِ شُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى مَنْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ وَنَحْوِهِ. وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِمَا يُفْسِدُهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ لَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ، كَمَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُضْطَرِّ فِي الْمَخْمَصَةِ بِمَا يُتْلِفُهُ بِالْأَكْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ وَاجِبًا، وَإِنْ قُدِّرَ انْتِفَاءُ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا سَقَطَ إِنْسَانٌ مِنْ شَاهِقٍ عَلَى صَدْرِ صَبِيٍّ مَحْفُوفٍ بِصِبْيَانٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنِ اسْتَمَرَّ قَتَلَ مَنْ تَحْتَهُ وَإِنِ انْتَقَلَ قَتَلَ مَنْ يَلِيهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَخْلُو مِثْلُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ عَنْ حُكْمِ الشَّارِعِ (2) ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَكْلِيفِهِ طَلَبَ مَا لَا تَصَوُّرَ لَهُ فِي نَفْسِ الطَّالِبِ عَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مُحَالًا بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُمْكِنًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، فَكَانَ مُتَصَوَّرًا فِي نَفْسِ الطَّالِبِ وَهُوَ وَاضِحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
_________
(1) رَاجِعٌ لِمَدْخُولِ النَّفْيِ، لَا لِلنَّفْيِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ أَبِي هَاشِمٍ ص 74.
(2) فَرَضَ الْمُؤَلِّفُ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَبَقَهُ سُقُوطَ إِنْسَانٍ مِنْ شَاهِقٍ عَلَى الصَّدْرِ خَاصَّةً مِنْ صَغِيرٍ لَا كَبِيرٍ، وَقَدَّرَ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوفًا بِصِبْيَانٍ خَاصَّةً حَتَّى لَا تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى التَّحَمُّلِ، ثُمَّ قَدَّرَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُمْ فَرَاغٌ يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ يُنْقِذُ الْمَوْقِفَ، وَهَذَا فَرْضٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ بِالْهَيْئَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَمَا إِخَالُهُ وُجِدَ فِيمَا مَضَى، فَهُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَأَنْكَرُ مِنْهُ قَوْلُهُ بِاحْتِمَالِ خُلُوِّ مَا قَدْ يَكُونُ وَاقِعَةً فِي ظَنِّهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ.
________________________________________
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ إِحَالَةِ طَلَبِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَصَوُّرِهِ فِي نَفْسِ الطَّالِبِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَصَوَّرًا فِي نَفْسِ الطَّالِبِ لَمَا عُلِمَ إِحَالَتُهُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ دَلَالَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِلَّا أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَوُقُوعِهِ شَرْعًا، وَبَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِنُوحٍ: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ غَيْرُ (1) مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُكَلَّفِينَ بِتَصْدِيقِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ تَكْلِيفُهُمْ بِأَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ تَصْدِيقًا (2) لَهُ فِي خَبَرِهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ أَبَا لَهَبٍ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَخْبَارِهِ. وَمِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ لَا يُصَدِّقُهُ لِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ بِذَلِكَ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بِتَصْدِيقِهِ فِي إِخْبَارِهِ بِعَدَمِ تَصْدِيقِهِ لَهُ وَفِي ذَلِكَ تَكْلِيفُهُ بِتَصْدِيقِهِ وَعَدَمِ تَصْدِيقِهِ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
قُلْنَا: أَمَّا الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ فَمُنْدَفِعٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمَعْلُومَ الْمُتَصَوَّرَ الْمَحْكُومَ بِنَفْيِهِ عَنِ الضِّدَّيْنِ إِنَّمَا هُوَ الْجَمْعُ الْمَعْلُومُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَضَادَّةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا عَنِ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ ثَابِتًا لَهُمَا، وَهُوَ دَقِيقٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ، فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ فِي الْآيَتَيْنِ مُطْلَقًا.
أَمَّا فِي قِصَّةِ أَبِي لَهَبٍ فَغَايَةُ مَا وَرَدَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ تَصْدِيقِهِ لِلنَّبِيِّ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ تَعْذِيبُ الْمُؤْمِنِ، وَبِتَقْدِيرِ امْتِنَاعِ ذَلِكَ أَمْكَنَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إِيمَانِهِ.
وَكَذَلِكَ التَّأْوِيلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} أَيْ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يُدْلِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ مُطْلَقًا، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا أَخْبَرَ مِنْ عَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِتَكْذِيبِهِ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ نُفَاةُ التَّكْلِيفِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
_________
(1) كَلِمَةُ (غَيْرُ) زَائِدَةٌ.
(2) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ وَقَعَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ: تَكْلِيفُهُمْ.
________________________________________
وَأَمَّا الطَّرَفُ الثَّانِي: وَهُوَ بَيَانُ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُسْتَحِيلِ لِغَيْرِهِ، فَقَدِ احْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} سَأَلُوا دَفْعَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لَكَانَ مُنْدَفِعًا بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَى سُؤَالِ دَفْعِهِ عَنْهُمْ حَاجَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى سُؤَالِ دَفْعِ مَا لَا يُطَاقُ، أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ السُّؤَالُ بِدَفْعِ مَا لَا إِمْكَانَ لِوُقُوعِهِ، كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَإِمْكَانُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَوْنِ الْآيَةِ ظَاهِرَةً فِيهِ فَيَكُونُ دَوْرًا.
سَلَّمْنَا كَوْنَهَا ظَاهِرَةً فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَلَكِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُهَا بِالْحَمْلِ عَلَى سُؤَالِ دَفْعِ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُطَاقُ وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ بَعْدَ هَذَا.
سَلَّمْنَا إِرَادَةَ دَفْعِ مَا لَا يُطَاقُ لَكِنَّهُ حِكَايَةُ حَالِ الدَّاعِينَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
سَلَّمْنَا صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ الدَّاعِينَ، لَكِنْ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ غَيْرُ مُطَاقَةٍ، أَوِ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ، الْأَوَّلُ يُوجِبُ إِبْطَالَ فَائِدَةِ تَخْصِيصِهِمْ بِذِكْرِ مَا لَا يُطَاقُ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُكَلِّفُنَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَهُوَ خِلَافُ أَصْلِكُمْ.
سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْبَابِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وَلَا حَرَجَ أَشَدُّ مِنَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ.
وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْآيَةَ بِوَضْعِهَا ظَاهِرَةٌ فِيمَا لَا يُطَاقُ فَيَجِبُ تَقْدِيرُ إِمْكَانِ التَّكْلِيفِ بِهِ ضَرُورَةَ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى مَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِيهِ، حَذَرًا مِنَ التَّأْوِيلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ تَرْكُ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. (1)
_________
(1) الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ، فَتَأَمَّلْ.
________________________________________
وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا وَرَدَتْ فِي مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ لَهُمْ وَالْحَثِّ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ، فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ بِذَلِكَ لَا بِقَوْلِهِمْ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ تَكْلِيفٍ عِنْدَنَا تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ (1) ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيلُ السُّؤَالِ عَلَى مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَا يَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِهِ مُطْلَقًا فِي عُرْفِهِمْ دُونَ مَا لَا يَتَعَذَّرُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِجْرَاءِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَمُوَافَقَةُ أَهْلِ الْعُرْفِ فِي عُرْفِهِمْ غَايَتُهُ إِخْرَاجُ مَا لَا يُطَاقُ مِمَّا هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي نَفْسِهِ لِذَاتِهِ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنِ اسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ وَامْتِنَاعِ سُؤَالِ الدَّفْعِ لِلتَّكْلِيفِ بِمَا لَا تَكْلِيفَ بِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَخْصِيصٌ وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنَ التَّأْوِيلِ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ بِالْآيَتَيْنِ أَنَّ غَايَتَهُمَا الدَّلَالَةُ عَلَى نَفْيِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْجَوَازِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ مِنْ جَانِبِنَا، كَيْفَ وَإِنَّ التَّرْجِيحَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ لِاعْتِضَادِهَا بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَى مَا يَأْتِي (2) ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا خُرُوجَ لَهَا عَنِ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ.
 
وَرُبَّمَا احْتَجَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِالسُّجُودِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ أَنْ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ فِي الْآخِرَةِ بِمَعْنَى التَّكْلِيفِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ إِنَّمَا هِيَ دَارُ مُجَازَاةٍ لَا دَارُ تَكْلِيفٍ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ، فَقَدِ احْتَجَّ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِحُجَجٍ وَاهِيَةٍ:
الْأُولَى مِنْهَا: هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُكَلَّفَ بِهِ إِنْ كَانَ مَعَ اسْتِوَاءِ دَاعِي الْعَبْدِ إِلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ كَانَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا لِامْتِنَاعِ حُصُولِ الرُّجْحَانِ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ التَّرْجِيحِ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَانَ الرَّاجِحُ وَاجِبًا وَالْمَرْجُوحُ مُمْتَنِعًا، وَالتَّكْلِيفُ بِهِمَا يَكُونُ مُحَالًا.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْفِعْلَ الصَّادِرَ مِنَ الْعَبْدِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ فَالتَّكْلِيفُ لَهُ بِالْفِعْلِ يَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ فَإِمَّا أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ تَرَجُّحُ فِعْلِهِ عَلَى تَرْكِهِ عَلَى مُرَجِّحٍ
_________
(1) لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُمْ مَجْبُورٌ بَاطِنًا، مُخْتَارٌ ظَاهِرًا.
(2) سَيَأْتِي التَّعْلِيقُ أَيْضًا عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
________________________________________
أَوْ يَتَوَقَّفَ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ وَإِلَّا كَانَ كُلُّ مَوْجُودٍ حَادِثًا هَكَذَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ سَدُّ بَابِ إِثْبَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ، فَذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ عَادَ التَّقْسِيمُ، وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ وُقُوعُ الْفِعْلِ أَوْ لَا يَجِبُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ كَانَ مُمْتَنِعًا أَوْ جَائِزًا، وَالْأَوَّلُ مُحَالٌ وَإِلَّا كَانَ الْمُرَجِّحُ مَانِعًا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ عَادَ التَّقْسِيمُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْوُجُوبِ، وَالْعَبْدُ إِذْ ذَاكَ يَكُونُ مَجْبُورًا لَا مُخَيَّرًا، وَهُوَ عَيْنُ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي فِعْلِهِ (1) وَإِلَّا كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فِيهِ حَالَ وُجُودِهِ، وَفِيهِ إِيجَادُ الْمَوْجُودِ أَوْ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ الْقُدْرَةِ فِي الْمَقْدُورِ مُغَايِرًا لَهُ لِتَحَقُّقِ التَّأْثِيرِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ دُونَهُ. وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ التَّأْثِيرِ وَتَأْثِيرِ مُؤَثِّرِهِ فِيهِ كَالْأَوَّلِ، وَهُوَ تَسَلْسُلٌ مُمْتَنِعٌ وَالْقُدْرَةُ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ بِالْفِعْلِ قَبْلَ وُجُودِ الْفِعْلِ، وَالْقُدْرَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ الْفِعْلِ (2) ; لِأَنَّهَا لَوْ وُجِدَتْ لَكَانَ لَهَا مُتَعَلِّقٌ وَمُتَعَلِّقُهَا لَا يَكُونُ عَدَمًا لِأَنَّهُ نَفْيٌ مَحْضٌ فَلَا يَكُونُ أَثَرًا لَهَا، فَكَانَ وَجُودًا وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ الْعَبْدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ انْظُرُوا} وَالنَّظَرُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقَضَايَا الضَّرُورِيَّةِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى تَصَوُّرِ مُفْرَدَاتِهَا، وَهِيَ غَيْرُ مَقْدُورَةِ التَّحْصِيلِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا فَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا فَطَلَبُهَا مُحَالٌ، فَالنَّظَرُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ التَّحْصِيلِ.
وَهَذِهِ الْحُجَجُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا.
أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْفِعْلِ مَعَ رُجْحَانِ الدَّاعِي إِلَى الْفِعْلِ، قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ صَارَ الْفِعْلُ وَاجِبًا. قُلْنَا: صَارَ وَاجِبًا بِالدَّاعِي إِلَيْهِ وَالِاخْتِيَارِ لَهُ أَوْ لِذَاتِهِ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَعَلَى هَذَا خَرَجَ الْعَبْدُ عَنْ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُ الرَّبِّ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ بِعَيْنِ مَا ذَكَرُوهُ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، فَمَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ أَفْعَالِ اللَّهِ يَكُونُ مُشْتَرِكًا.
_________
(1) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ ص 134.
(2) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ ص 134.
________________________________________
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ بِعَيْنِهَا أَيْضًا لَازِمَةٌ عَلَى أَفْعَالِ اللَّهِ ; إِذْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: فِعْلُ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ أَوْ يَكُونَ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَى مُرَجِّحٍ أَوْ لَا، وَإِنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ: فَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ عَادَ التَّقْسِيمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ وُقُوعُ الْفِعْلِ مَعَهُ أَوْ لَا يَجِبُ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى آخِرِهِ، وَالْجَوَابُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا.
وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ أَيْضًا لَازِمَةٌ عَلَى أَفْعَالِ اللَّهِ مَعَ أَنَّهَا مَقْدُورَةٌ لَهُ إِجْمَاعًا. (1) وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَيَلْزَمُ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ قُدْرَةُ الرَّبِّ تَعَالَى حَادِثَةً مَوْجُودَةً مَعَ فِعْلِهِ لَا قَبْلَهُ، وَهُوَ مَعَ إِحَالَتِهِ فَقَائِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ غَيْرُ قَائِلٍ بِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: لَوْ وُجِدَتْ قُدْرَةُ الرَّبِّ قَبْلَ وُجُودِ فِعْلِهِ لَكَانَ لَهَا مُتَعَلِّقٌ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقَهَا الْعَدَمُ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْوُجُودِ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ قَبْلَ الْفِعْلِ، بِعَيْنِ مَا ذَكَرُوهُ.
وَأَمَّا الْخَامِسَةُ: فَأَشَدُّ ضَعْفًا مِمَّا قَبْلَهَا ; إِذْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى امْتِنَاعِ اكْتِسَابِ التَّصَوُّرَاتِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي كِتَابِ ” دَقَائِقِ الْحَقَائِقِ ” إِبْطَالًا لَا رِيبَةَ فِيهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْكِتَابُ، فَعَلَى النَّاظِرِ بِمُرَاجَعَتِهِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا تَكُونَ التَّصَوُّرَاتُ مُكْتَسَبَةً، فَالْعِلْمُ بِهَا يَكُونُ حَاصِلًا بِالضَّرُورَةِ. وَالتَّكْلِيفُ بِالنَّظَرِ الْمُسْتَنِدِ إِلَى مَا يَنْقَطِعُ التَّسَلْسُلُ عِنْدَهُ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَانِ:
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ خَالِقٍ لِفِعْلِهِ فَكَانَ مُكَلَّفًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ (2) وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرُ خَالِقٍ لِفِعْلِهِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ فَلَيْسَ خَالِقًا لَهُ بِالذَّاتِ وَالطَّبْعِ إِجْمَاعًا بَلْ بِالِاخْتِيَارِ، وَالْخَالِقُ بِالِاخْتِيَارِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِمَخْلُوقِهِ بِالْإِرَادَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُرِيدًا لَهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ ضَرُورَةً، وَالْعَبْدُ غَيْرُ عَالِمٍ
_________
(1) أَجَابَ عَنِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِالنَّقْضِ ; حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الدَّلِيلَيْنِ وُجِدَ فِي غَيْرِ مَحِلِّ النِّزَاعِ فَتَخَلَّفَتْ عَنْهُ النَّتِيجَةُ إِجْمَاعًا.
(2) تَقَدَّمَ فِي ص 134 بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِفِعْلِ غَيْرِهِ.
________________________________________
بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ حَرَكَاتِهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَالَةِ إِسْرَاعِهِ فَلَا يَكُونُ خَالِقًا لَهَا. (1) الْمَسْلَكُ الثَّانِي: إِنَّ إِجْمَاعَ السَّلَفِ مُنْعَقِدٌ قَبْلَ وُجُودِ الْمُخَالِفِينَ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُكَلِّفٌ بِالْإِيمَانِ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ كَمَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُ الْبَارِي تَعَالَى جَهْلًا وَهُوَ مُحَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعَبْدَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا يَخْلُقُهُ مِنْ أَفْعَالِهِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ، الْأَوَّلُ لَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ خَالِقٍ لِفِعْلِهِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى خَلْقِهِ لَهُ، وَدَلِيلُهُ: الْمَعْقُولُ وَالْمَنْقُولُ.
أَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنَّا وَمِنْكُمْ عَلَى فِعْلِهِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْمُؤَثِّرَةَ فِيهِ لَانْتَفَى الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقْدُورِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ الْمُؤَثِّرُ غَيْرَ الْعَبْدِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ (2) وَلَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَلَجَازَ أَنْ تكُونَ مُتَعَلِّقَهُ (3) بِالْجَوَاهِرِ وَالْأَلْوَانِ كَمَا فِي الْعِلْمِ، وَلَكَانَ الْعَبْدُ مُضْطَرًّا بِمَا خُلِقَ فِيهِ مِنَ الْفِعْلِ لَا مُخْتَارًا،
_________
(1) هَذَا حِجَاجٌ مَعَ الْمُخَالِفِينَ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْعَبْدِ لِفِعْلِ نَفْسِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَلَا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّة بِمَنْعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ، وَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً، أَوْ لِطَارِئٍ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تَقْعُدُ بِالْمُكَلَّفِ عَنِ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ خَالِقٍ لِفِعْلِهِ لَكِنَّهُ كَاسِبٌ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ ص 134، وَيَكْفِي فِي تَحْصِيلِهِ لِمُتَعَلِّقِ قُدْرَتِهِ وَكَسْبِهِ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ وَالْقَصْدُ إِلَيْهِ إِجْمَالًا فِيمَا صَارَ مِنَ الْأَفْعَالِ عَادَةً لَهُ، أَمَّا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً لَهُ فَهُوَ عَالِمٌ بِتَفْصِيلِ فِعْلِهِ، مُرِيدٌ لِأَجْزَائِهِ وَآحَادِهِ فِي حُدُودِ طَاقَتِهِ ; وَلِذَا يَكُونُ فِي فِعْلِهِ مِنَ النَّقْصِ وَالْخَلَلِ بِقَدْرِ قُصُورِهِ فِي عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَغَفْلَتِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ، بِخِلَافِ الْخَالِقِ لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتِقْلَالًا عَلَى وَجْهِ الْإِحْكَامِ وَتَمَامِ الْإِبْدَاعِ، لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
(2) قُدْرَةُ الْعَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإِقْدَارِ اللَّهِ لَهُ، وَتَمْكِينِهِ إِيَّاهُ مِنَ الْفِعْلِ لَا اسْتِقْلَالًا، فَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقْدُورِ وَغَيْرِهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِي فِعْلِهِ غَيْرَهُ، فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ قُدْرَتِهِ الْكَسْبُ وَالتَّسَبُّبُ، وَمُتَعَلِّقَ قُدْرَةِ اللَّهِ إِقْدَارُ الْعَبْدِ وَتَمْكِينُهُ، وَتَرْتِيبُ الْآثَارِ عَلَى فِعْلِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ وُقُوعُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ، وَبِمَا ذُكِرَ يُعْرَفُ مَنْعُ بَقِيَّةِ اللَّازِمَاتِ الَّتِي فِي الْمُعَارَضَةِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ.
(3) صَوَابُهُ: مُتَعَلِّقَةً.
________________________________________
وَلَجَازَ أَنْ يَصْدُرَ عَنِ الْعَبْدِ أَفْعَالٌ مَحْكَمَةٌ بَدِيعَةٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهَا، وَلَمَا انْقَسَمَ فِعْلُهُ إِلَى طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَكَانَ الرَّبُّ تَعَالَى أَضَرَّ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ إِبْلِيسَ ; حَيْثُ إِنَّهُ خَلَقَ فِيهِ الْكُفْرَ وَعَاقَبَهُ عَلَيْهِ وَإِبْلِيسُ دَاعٍ لَا غَيْرُ، وَلَمَا حَسُنَ شُكْرُ الْعَبْدِ وَلَا ذَمُّهُ عَلَى أَفْعَالِهِ وَلَا أَمْرُهُ وَلَا نَهْيُهُ وَلَا عِقَابُهُ وَلَا ثَوَابُهُ، وَلَكَانَ الرَّبُّ تَعَالَى آمِرًا لِلْعَبْدِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ قَبِيحٌ مَعْدُودٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْجَهْلِ وَالْحُمْقِ، وَلَكَانَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا: فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْكُفْرُ حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْإِيمَانُ بَاطِلٌ. وَلَكَانَ الرَّبُّ تَعَالَى إِمَّا رَاضِيًا بِهِ رَاضٍ أَوْ غَيْرَ رَاضٍ، وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَالثَّانِي يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الرِّضَا بِالْإِيمَانِ، وَالْكُلُّ مُحَالٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ” «اعْمَلُوا وَقَارِبُوا وَسَدِّدُوا» “، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ” «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ” إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى نِسْبَةِ الْعَمَلِ إِلَى الْعَبْدِ.
وَالْعُقَلَاءُ مُتَوَافِقُونَ عَلَى إِطْلَاقِ إِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ بِقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
وَأَمَّا الْمَسْلَكُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ الْبَارِي تَعَالَى بِالْفِعْلِ أَوْ بِعَدَمِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِوُجُودِ مَا عَلِمَ وُجُودَهُ وَامْتِنَاعِ وُجُودِ مَا عَلِمَ عَدَمَهُ، أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَيَلْزَمُهُ مُحَالَاتٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ هُوَ الْقُدْرَةَ، أَوْ أَنْ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنِ الْقُدْرَةِ، وَلَا يَكُونُ الرَّبُّ قَادِرًا عَلَى إِيجَادِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلرَّبِّ اخْتِيَارٌ، وَلَا لِلْعَبْدِ فِي وُجُودِ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا بِالْعِلْمِ أَوْ مُمْتَنِعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْوُجُودِ وَلَا لِلْعَدَمِ فَقَدْ بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ، وَإِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ أَوَّلًا عَنِ الْمَسْلَكِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمَخْلُوقَ لِلْعَبْدِ بِتَقْدِيرِ خَلْقِهِ لَهُ مَخْلُوقٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ مَخْلُوقٌ لَهُ بِانْفِرَادِهِ، فَيَجِبُ أَنْ
________________________________________
يَكُونَ عَالِمًا بِهِ لِمَا سَبَقَ، وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ بِالتَّفْصِيلِ، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ لِمَا حَقَّقْنَاهُ (1) .
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِلْزَامِ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقْدُورِ وَغَيْرِهِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قَادِرَيْنِ خَالِقَيْنِ أَوْ مُكْتَسِبَيْنِ، أَمَّا بَيْنَ خَالِقٍ وَمُكْتَسِبٍ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. (2) وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ إِنَّمَا هُوَ وَاقِعٌ فِي كَثْرَةِ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ فِي أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، لَا فِي التَّأْثِيرِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِيهَا (3) ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُضْطَرًّا أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُكْتَسَبًا لَهُ وَمَقْدُورًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّأْثِيرِ عَدَمُ الِاكْتِسَابِ. (4) وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَلَازُمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْعِلْمِ بِهِ. (5) وَعَنِ السَّابِعِ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِانْقِسَامِ فِعْلِ الْعَبْدِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ غَيْرَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهَذَا وَمَنْهِيًّا عَنْ هَذَا لِكَسْبِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَعَنِ الثَّامِنِ: أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِمْ أَيْضًا فَإِنَّ التَّمَكُّنَ (6) مِنَ الْكُفْرِ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَضَرُّ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْعَبْدِ، فَمَا هُوَ جَوَابٌ لَهُمْ هُوَ جَوَابُنَا.
وَعَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالشُّكْرِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْأَمْرِ لِلْعَبْدِ بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، بِالْمَنْعِ مِنْ تَقْبِيحِ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، كَيْفَ وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. (7) وَعَنِ الْإِلْزَامِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، أَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَالْأَمْرِ وَالِاخْتِرَاعِ، وَانْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ، وَتَوْفِيَةِ الْحُقُوقِ، وَالْإِرَادَةِ، لُغَةً.
_________
(1) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ ص 141
(2) تَقَدَّمَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْقُدْرَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ
(3) الْعِلْمُ بِالْأَمْرِ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَبِأَحْوَالِهِ وَكَشْفُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ صِفَةَ تَأْثِيرٍ.
(4) إِنْ أَرَادَ عَدَمَ التَّأْثِيرِ اسْتِقْلَالًا فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ التَّأْثِيرِ مُطْلَقًا لَزِمَ نَفْيُ الِاكْتِسَابِ.
(5) لَعَلَّ فِيهِ سُقُوطًا، وَالتَّقْدِيرُ: لَا مَانِعَ مِنْ عَدَمِ تَلَازُمِ إِلَخْ. إِذْ هُوَ تَسْلِيمٌ لِلْمُلَازَمَةِ السَّادِسَةِ.
(6) صَوَابُهُ: التَّمْكِينُ، وَهَذَا جَوَابٌ إِلْزَامِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ الْخَصْمِ.
(7) تَقَدَّمَ مَا فِيهِمَا فِي مَبْحَثِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ.
________________________________________
وَعَلَى هَذَا فَالْإِيمَانُ مِنْ قَضَائِهِ بِجَمِيعِ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ وَهُوَ حَقٌّ، وَأَمَّا الْكُفْرُ فَلَيْسَ مِنْ قَضَائِهِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بَلْ بِمَعْنَى خَلْقِهِ وَإِرَادَةِ وُقُوعِهِ، وَهُوَ حَقٌّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا. (1) وَعَنِ الْإِلْزَامِ بِالرِّضَا أَنَّهُ رَاضٍ بِالْإِيمَانِ، وَغَيْرُ رَاضٍ بِالْكُفْرِ.
وَعَنِ الْمَنْقُولِ بِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَايَتُهُ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ حَقِيقَةً، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ عِنْدَنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ مَنْ وَقَعَ الْفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ (2) ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُوجِدِ.
وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْمَسْلَكِ الثَّانِي بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ بِمُلَازَمَةِ الْوُجُودِ الْمَقْدُورِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُعْلَمُ وَجُودُهُ مَقْدُورًا لَا غَيْرَ مَقْدُورٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَدَمِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سَلْبَ اخْتِيَارِهِ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عُلِمَ وُقُوعُ فِعْلِ الْعَبْدِ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، وَالْمُعَارَضَاتُ فَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهَا.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *