تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الْأَصْلُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

الْأَصْلُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

  • بواسطة

 

كتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي

أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631هـ)   


[الْأَصْلُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ]

[الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ]

الْأَصْلُ الثَّانِي
فِي السُّنَّةِ
وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّرِيقَةِ، فَسُنَّةُ كُلِّ أَحَدٍ مَا عُهِدَتْ مِنْهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْحَمِيدَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ نَافِلَةً مَنْقُولَةً عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَا صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا لَيْسَ بِمَتْلُوٍّ، وَلَا هُوَ مُعْجِزٌ وَلَا دَاخِلٌ فِي الْمُعْجِزِ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ هَاهُنَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَفْعَالُهُ وَتَقَارِيرُهُ.
أَمَّا الْأَقْوَالُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّخْيِيرِ وَالْخَبَرِ وَجِهَاتِ دَلَالَتِهَا فَسَيَأْتِي إِيضَاحُهَا فِي الْأَصْلِ الرَّابِعِ الْمَخْصُوصِ بِبَيَانِ مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَدِلَّةُ الْمَنْقُولَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَلْيَكُنِ الْبَيَانُ هَاهُنَا مَخْصُوصًا بِمَا يَخُصُّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالتَّقَارِيرِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ وَخَمْسِ مَسَائِلَ.
 
الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى (1) .
 
فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَشَرْحِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْهُ مِنَ الْمَعَاصِي وَمَا فِيهِ الِاخْتِلَافُ أَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، بَلْ وَلَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا إِرْسَالُ مَنْ أَسْلَمَ وَآمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.
وَذَهَبَتِ الرَّوَافِضُ إِلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ هَضْمَهُمْ فِي النُّفُوسِ وَاحْتِقَارَهُمْ وَالنُّفْرَةَ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ مِنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَّا فِي الصَّغَائِرِ.
_________
(1) انْظُرْ كِتَابَ النُّبُوَّاتِ ص 166 وج 2 مِنْ مِنْهَاجِ السُّنَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ
________________________________________
وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ لَا سَمْعَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ يَدُلُّ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَالْعَقْلُ دَلَالَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَوُجُوبِ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا أَبْطَلْنَاهُ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ.
وَأَمَّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَالِاتِّفَاقُ مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ قَاطِبَةً عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ تَعَمُّدِ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِصِدْقِهِمْ فِيمَا دَلَّتِ الْمُعْجِزَةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِهِمْ فِيهِ مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَالتَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ، فَمَنَعَ مِنْهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ الْقَاطِعَةِ.
وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ النِّسْيَانِ وَفَلَتَاتِ اللِّسَانِ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ التَّصْدِيقِ الْمَقْصُودِ بِالْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْمَعَاصِي الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لَا دَلَالَةَ لِلْمُعْجِزَةِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا كُفْرًا فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ فِي عِصْمَتِهِمْ عَنْهُ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْأَزَارِقَةِ (1) . مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِجَوَازِ بَعْثَةِ نَبِيٍّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْفَضْلِيَّةِ (2) . مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ قَضَوْا بِأَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ يُوجَدُ فَهُوَ كُفْرٌ مَعَ تَجْوِيزِهِمْ صُدُورَ الذُّنُوبِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَانَتْ كُفْرًا.
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَوْ لَيْسَ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ سِوَى الْحَشْوِيَّةِ (3) . وَمَنْ جَوَّزَ الْكُفْرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ تَعَمُّدِهِ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ وَلَا تَأْوِيلٍ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ مُدْرِكَ الْعِصْمَةِ السَّمْعُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَوِ الْعَقْلُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ نِسْيَانٍ أَوْ تَأْوِيلٍ خَطَأٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى جَوَازِهِ سِوَى الرَّافِضَةِ.
_________
(1) الْأَزَارِقَةُ فِرْقَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، نُسِبُوا إِلَى رَئِيسِهِمْ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ الْحَرُورِيِّ، خَرَجَ آخَرَ أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقُتِلَ سَنَةَ: 65 هـ
(2) طَائِفَةٌ تُنْسَبُ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشِيِّ، وَقَدْ عَدَّهُ الشِّهْرَسْتَانِيُّ فِي رِجَالِ الْخَوَارِجِ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي لِسَانِ الْمِيزَانِ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا لِجَمْعِهِ بَيْنَ أُصُولِ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ
(3) أَوَّلُ مَنِ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ: الْحَشْوِيَّةِ، عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَشْوِيًّا. يُرِيدُ بِالْحَشْوِيَّةِ الْأُمِّيِّينَ، ثُمَّ صَارَ مَنْ يُقَدِّسُ الْعَقْلَ وَيُؤْثِرُهُ عَلَى النَّقْلِ كَالْمُعْتَزِلَةِ يَرْمُونَ بِهَا عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ
________________________________________
 
وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى فَاعِلِهِ بِالْخِسَّةِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ، كَسَرِقَةِ حَبَّةٍ أَوْ كِسْرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْكَبِيرَةِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، كَنَظْرَةٍ أَوْ كَلِمَةِ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى جَوَازِهِ عَمْدًا وَسَهْوًا، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ مُطْلَقًا وَخِلَافًا لِلْجِبَائِيِّ (1) وَالنَّظَّامِ (2) . وَجَعْفَرٍ (3) . بْنِ مُبَشِّرٍ فِي الْعَمْدِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْكَلَامُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ التَّفَاصِيلِ غَيْرُ بَالِغٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ.
وَالِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى مَا يُسَاعِدُ فِيهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
وَقَدْ أَتَيْنَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا تَزْيِيفًا وَاخْتِيَارًا بِأَبْلَغِ بَيَانٍ، وَأَوْضَحِ بِرِهَانٍ فِي كُتُبِنَا الْكَلَامِيَّةِ، فَعَلَى النَّاظِرِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا.
_________
(1) الْجُبَّائِيَّةُ أَتْبَاعُ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْجُبَّائِيِّ نِسْبَةً إِلَى بَلَدِهِ، وَتُسَمَّى جِبَى تَابِعَةٌ لِخُوزِسْتَانَ كَانَ رَأْسًا فِي الِاعْتِزَالِ مَاتَ سَنَةَ 303 هـ.
(2) النَّظَّامُ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَيَّارٍ الْمُعْتَزِلِيُّ رَأْسُ الْفِرْقَةِ النَّظَّامِيَّةِ مَاتَ مَا بَيْنَ: 221، 223 هـ
(3) أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ عَدَّهُ الشَّهْرَسْتَانِيُّ مِنْ رِجَالِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ وَجَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ زَعِيمَا الْجَعْفَرِيَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ
________________________________________
 

[الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَعْنَى التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ]

 
الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ
فِي مَعْنَى التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ إِذِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ فِيمَا نَرُومُهُ مِنَ النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ الْأَفْعَالِ.
أَمَّا التَّأَسِّي بِالْغَيْرِ: فَقَدْ يَكُونُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
أَمَّا التَّأَسِّي فِي الْفِعْلِ: فَهُوَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ.
فَقَوْلُنَا: (مِثْلَ فِعْلِهِ) لِأَنَّهُ لَا تَأَسِّيَ مَعَ اخْتِلَافِ صُورَةِ الْفِعْلِ، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ.
وَقَوْلُنَا: (عَلَى وَجْهِهِ) مَعْنَاهُ الْمُشَارَكَةُ فِي غَرَضِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَنِيَّتِهِ ; لِأَنَّهُ لَا تَأَسِّيَ مَعَ اخْتِلَافِ الْفِعْلَيْنِ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا وَاجِبًا وَالْآخِرِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنِ اتَّحَدَتِ الصُّورَةُ.
وَقَوْلُنَا: (مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ) لِأَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَ فِعْلُ شَخْصَيْنِ فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَجْلِ الْآخَرِ، كَاتِّفَاقِ جَمَاعَةٍ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ بِتَأَسِّي الْبَعْضِ بِالْبَعْضِ.
وَعَلَى هَذَا، فَلَوْ وَقَعَ فِعْلُهُ فِي مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي.
وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اخْتِصَاصِ الْعِبَادَةِ بِهِ، كَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِعَرَفَاتٍ، وَاخْتِصَاصِ الصَّلَوَاتِ بِأَوْقَاتِهَا وَصَوْمِ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا التَّأَسِّي فِي التَّرْكِ، فَهُوَ تَرْكُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ مِثْلَ مَا تَرَكَ الْآخَرُ مِنَ الْأَفْعَالِ عَلَى وَجْهِهِ وَصِفَتِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَ.
وَلَا يَخْفَى وَجْهُ مَا فِيهِ مِنَ الْقُيُودِ.
وَأَمَّا الْمُتَابَعَةُ، فَقَدْ تَكُونُ فِي الْقَوْلِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَاتِّبَاعُ الْقَوْلِ هُوَ امْتِثَالُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْقَوْلُ.
وَالِاتِّبَاعُ فِي الْفِعْلِ هُوَ التَّأَسِّي بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْمُوَافَقَةُ، فَمُشَارَكَةُ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ لِلْآخَرِ فِي صُورَةِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ أَوِ اعْتِقَادِ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْآخَرِ أَوْ لَا مِنْ أَجْلِهِ.
وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ، فَقَدْ تَكُونُ فِي الْقَوْلِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَالْمُخَالَفَةُ فِي الْقَوْلِ تَرْكُ امْتِثَالِ مَا اقْتَضَاهُ الْقَوْلُ.
وَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فِي الْفِعْلِ، فَهُوَ الْعُدُولُ عَنْ فِعْلِ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ الْغَيْرُ مَعَ وُجُوبِهِ.
 
وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا وَلَمْ يُجِبْ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ لَا يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الْفِعْلِ، بِتَقْدِيرِ التَّرْكِ.
وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الْحَائِضُ مُخَالِفَةً بِتَرْكِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِهَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى وُجُوهُ الْمُخَالَفَةِ فِي التَّرْكِ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *