تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي دُخُول مؤمنيهم الْجنَّة

الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي دُخُول مؤمنيهم الْجنَّة

  • بواسطة

آكام المرجان في أحكام الجان

محمد بن عبد الله الشبلي الدمشقيّ الحنفي، أبو عبد الله، بدر الدين ابن تقي الدين (المتوفى: 769هـ)


الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي دُخُول مؤمنيهم الْجنَّة

اخْتلف الْعلمَاء فِي مؤمني الْجِنّ هَل يدْخلُونَ الْجنَّة على أَرْبَعَة أَقْوَال

احدها أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة وَعَلِيهِ جُمْهُور الْعلمَاء وَحَكَاهُ ابْن حزم فِي الْملَل عَن أبن أبي ليلى وَأبي يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس قَالَ وَبِه نقُول ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ بِهَذَا القَوْل إِذا دخلُوا الْجنَّة هَل يَأْكُلُون فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَسَاقه مُنْذر بن سعد فِي تَفْسِيره فَقَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحسن حَدثنَا عبد الله ابْن الْوَلِيد الْعَدنِي عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك فَذكره

وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا أَحْمد بن بجير حَدثنَا عبد الله بن ضرار ابْن عمر وَحدثنَا أبي عَن مُجَاهِد أَنه سُئِلَ عَن الْجِنّ الْمُؤمنِينَ أيدخلون الْجنَّة قَالَ يدْخلُونَهَا وَلَكِن لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون يُلْهمُون من التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَا يجده أهل الْجنَّة من لَذَّة الطَّعَام وَالشرَاب وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَن الْجِنّ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة نراهم فِيهَا وَلَا يروننا عكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا

القَوْل الثَّانِي أَنهم لَا يدْخلُونَهَا بل يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرونهم وَهَذَا القَوْل مأثور عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد حَكَاهُ ابْن تَيْمِية فِي جَوَاب ابْن مرى وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي يُوسُف

وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا الْوَلِيد بن الْحسن بن أَحْمد بن اللَّيْث حَدثنَا اسماعيل بن مهرام حَدثنَا الْمطلب بن زِيَاد أَظُنهُ قَالَ عَن لَيْث بن أبي سليم قَالَ مسلمو الْجِنّ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا النَّار وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أخرج أباهم من الْجنَّة فَلَا يُعِيدهُ وَلَا يُعِيد بنيه

القَوْل الثَّالِث أَنهم على الْأَعْرَاف وَفِيه حَدِيث مُسْند سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى

القَوْل الرَّابِع الْوَقْف وَاحْتج أهل القَوْل الأول بِوُجُوه

أَحدهَا العمومات كَقَوْلِه تَعَالَى {وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين غير بعيد} وَقَوله تَعَالَى {وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا دخل الْجنَّة فَكَمَا أَنهم يخاطبون بعمومات الْوَعيد بِالْإِجْمَاع فَكَذَلِك يكونُونَ مخاطبين بعمومات الْوَعْد بطرِيق الأولى وَمن أظهر حجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى {وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} إِلَى آخر السُّورَة

وَالْخطاب للجن وَالْإِنْس فامتن عَلَيْهِم سُبْحَانَهُ بجزاء الْجنَّة ووصفها لَهُم وشوقهم إِلَيْهَا فَدلَّ ذَلِك على أَنهم ينالون مَا امتن عَلَيْهِم بِهِ إِذا آمنُوا وَقد جَاءَ فِي حَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأَصْحَابه لما تَلا علهيم هَذِه السُّورَة الْجِنّ كَانُوا أحسن ردا وجوابا مِنْكُم مَا تَلَوت عَلَيْهِم من آيَة إِلَّا قَالُوا وَلَا بِشَيْء من آلَائِكَ رَبنَا نكذب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ

الْوَجْه الثَّانِي مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن حزم من قَوْله {أعدت لِلْمُتقين} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى حاكيا عَنْهُم ومصدقا لمن قَالَ ذَلِك مِنْهُم {وَأَنا لما سمعنَا الْهدى آمنا بِهِ} وَقَوله تَعَالَى {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ} وَقَوله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة جزاؤهم عِنْد رَبهم جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار} إِلَى آخر السُّورَة

قَالَ صفة تعم الْجِنّ وَالْإِنْس عُمُوما لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يخص مِنْهَا أحد النَّوْعَيْنِ وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى يخبرنا بِخَبَر عَام وَهُوَ لَا يُرِيد إِلَّا بعض مَا أخبرنَا بِهِ ثمَّ لَا يبين ذَلِك وَهُوَ ضد الْبَيَان الَّذِي ضمنه الله تَعَالَى لنا فَكيف وَقد نَص على أَنهم من جملَة الْمُؤمنِينَ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا بُد

الْوَجْه الثَّالِث روى مُنْذر وَابْن أبي حَاتِم فِي تفسيريهما عَن مُبشر ابْن اسماعيل قَالَ تَذَاكرنَا عِنْد ضَمرَة بن حبيب أَيَدْخُلُ الْجِنّ الْجنَّة قَالَ نعم وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى {لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان} للجنيات وَالْإِنْس للإنسيات

قَالَ الْجُمْهُور فَدلَّ على تَأتي الطمث من الْجِنّ لِأَن طمث الْحور الْعين إِنَّمَا يكون فِي الْجنَّة

الْوَجْه الرَّابِع قَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا اسحاق بن أَحْمد حَدثنَا عبد الله بن عمرَان حَدثنَا مُعَاوِيَة حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن عبيد عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْخلق أَرْبَعَة فخلق فِي الْجنَّة كلهم وَخلق فِي النَّار كلهم وخلقان فِي الْجنَّة وَالنَّار فَأَما الَّذِي فِي الْجنَّة كلهم فالملائكة وَأما الَّذِي فِي النَّار كلهم فالشياطين وَأما الَّذين فِي الْجنَّة وَالنَّار فالإنس وَالْجِنّ لَهُم الثَّوَاب وَعَلَيْهِم الْعقَاب

الْوَجْه الْخَامِس إِن الْعقل يقوى ذَلِك وَإِن لم يُوجِبهُ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قد أوعد من كفر مِنْهُم وَعصى النَّار فَكيف لَا يدْخل من أطَاع مِنْهُم الْجنَّة وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الحكم الْعدْل الْحَلِيم الْكَرِيم فَإِن قيل قد أوعد الله تَعَالَى من قَالَ من الْمَلَائِكَة إِنَّه إِلَه من دونه وَمَعَ هَذَا لَيْسُوا فِي الْجنَّة فَالْجَوَاب من وُجُوه

أَحدهَا أَن المُرَاد بذلك إِبْلِيس لَعنه الله قَالَ ابْن جريج فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه} فَلم يقلهُ إِلَّا إِبْلِيس لَعنه الله دَعَا إِلَى عبَادَة نَفسه فَنزلت هَذِه الْآيَة فِيهِ يَعْنِي إِبْلِيس لَعنه الله وَقَالَ قَتَادَة هِيَ خَاصَّة بعدو الله إِبْلِيس لَعنه الله لما قَالَ مَا قَالَ لَعنه الله وَحَوله شَيْطَانا رجيما قَالَ {فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين} حكى ذَلِك عَنْهُمَا الطَّبَرِيّ

الْوَجْه الثَّانِي أَن ذَلِك وَإِن سلمنَا إِرَادَة الْعُمُوم مِنْهُ فَهَذَا لَا يَقع من الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام بل هُوَ شَرط وَالشّرط لَا يلْزم وُقُوعه وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك} وَالْجِنّ يُوجد مِنْهُم الْكَافِر وَيدخل النَّار

الْوَجْه الثَّالِث أَن الْمَلَائِكَة وَإِن كَانُوا لَا يجازون بِالْجنَّةِ إِلَّا أَنهم يجازون بنعيم يناسبهم على أصح قولى الْعلمَاء وَاحْتج أهل القَوْل الثَّانِي بقوله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا لقومهم {يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله وآمنوا بِهِ يغْفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عَذَاب أَلِيم} قَالُوا فَلم يذكر دُخُول الْجنَّة فَدلَّ على أَنهم لَا يدْخلُونَهَا لِأَن الْمقَام مقَام تبجح وَالْجَوَاب عَن هَذَا من وُجُوه

أَحدهَا أَنه لَا يلْزم من سكوتهم أَو عدم علمهمْ بِدُخُول الْجنَّة نقيه

الْوَجْه الثَّانِي إِن الله أخبر أَنهم ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين فالمقام مقَام إنذار لَا مقَام بِشَارَة

الْوَجْه الثَّالِث أَن هَذِه الْعبارَة لَا تَقْتَضِي نفي دُخُول الْجنَّة بِدَلِيل مَا أخبر الله تَعَالَى عَن الرُّسُل الْمُتَقَدّمَة أَنهم كَانُوا ينذرون قَومهمْ الْعَذَاب وَلَا يذكرُونَ لَهُم دُخُول الْجنَّة كَمَا أخبر عَن نوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله تَعَالَى {إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم أَلِيم} وَهود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {عَذَاب يَوْم عَظِيم} وَشُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام {عَذَاب يَوْم عَظِيم} وَكَذَلِكَ غَيرهم وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مؤمنهم يدْخل الْجنَّة

الْوَجْه الرَّابِع إِن ذَلِك يسْتَلْزم دُخُول الْجنَّة لِأَن من غفر ذَنبه وأجير من عَذَاب الله تَعَالَى وَهُوَ مُكَلّف بشرائع الرُّسُل فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة وَقد ورد فِي القَوْل الثَّالِث حَدِيث سَاقه الْحَافِظ أَبُو سعيد عَن مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن الكنجرودي فِي أَمَالِيهِ فَقَالَ حَدثنَا أَبُو الْفضل نصر بن مُحَمَّد الْعَطَّار نَا أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْأَزْهَر بِمصْر حَدثنَا يُوسُف بن يزِيد القراطيسي حَدثنَا الْوَلِيد بن مُوسَى حَدثنَا مُنَبّه عَن عُثْمَان عَن عُرْوَة بن رُوَيْم عَن الْحسن عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن مؤمني الْجِنّ لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب فسألنا عَن ثوابهم وَعَن مؤمنيهم فَقَالَ على الْأَعْرَاف وَلَيْسوا فِي الْجنَّة فَقَالُوا مَا الاعراف قَالَ حَائِط الْجنَّة تجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَار وتنبت فِيهِ الاشجار وَالثِّمَار قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ تغمده الله تَعَالَى برحمته هَذَا مُنكر جدا وَالله تَعَالَى أعلم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *