تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْمَنْدُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْمَنْدُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ

  • بواسطة

 

كتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي

أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631هـ)

 


 

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْمَنْدُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ]

 

[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هل الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ]

 

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْمَنْدُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ

وَالْمَنْدُوبُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّدْبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ إِلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

(

لَا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ … فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا

) .

وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ قِيلَ: (هُوَ مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ) وَيَبْطُلُ بِالْأَكْلِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ وَاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ وَلَيْسَ مَنْدُوبًا.

وَقِيلَ: (هُوَ مَا يُمْدَحُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ) وَيَبْطُلُ بِأَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا كَذَلِكَ وَلَيْسَتْ مَنْدُوبَةً.

فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: (هُوَ الْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا) ، (فَالْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ) احْتِرَازٌ عَنِ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالْأَخْبَارِ، و (نَفْيُ الذَّمِّ) (1) احْتِرَازٌ عَنِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (2) وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْمَنْدُوبِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

_________

(1) أَيْ: عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا.

(2) فَإِنَّ تَارِكَ جَمِيعِ الْخِصَالِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا، وَتَارِكَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ يُذَمُّ.

(1/119)

________________________________________

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى

ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.

احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِأَنَّ فِعْلَ الْمَنْدُوبِ يُسَمَّى طَاعَةً بِالِاتِّفَاقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِذَاتِ الْفِعْلِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ وَخُصُوصِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا كَانَ طَاعَةً بِتَقْدِيرِ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وَلَا لِصِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْحَوَادِثِ وَإِلَّا كَانَ كُلُّ حَادِثٍ طَاعَةً، وَلَا لِكَوْنِهِ مُرَادًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا كَانَ كُلُّ مُرَادِ الْوُقُوعِ طَاعَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا لِكَوْنِهِ مُثَابًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ طَاعَةً وَإِنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ، وَلَا لِكَوْنِهِ مَوْعُودًا بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَرَدَ فِيهِ وَعْدٌ لَتَحَقَّقَ لِاسْتِحَالَةِ الْخُلْفِ فِي خَبَرِ الشَّارِعِ، وَالثَّوَابُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً لِمَا فِيهِ مِنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ يُسَمَّى طَاعَةً وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ مُطَاعُ الْأَمْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

(

وَلَوْ كُنْتَ ذَا أَمْرٍ مُطَاعٍ لَمَا بَدَا … تَوَانٍ مِنَ الْمَأْمُورِ فِي كُلِّ أَمْرِكَا

) .

كَيْفَ وَقَدْ شَاعَ وَذَاعَ إِطْلَاقُ أَهْلِ الْأَدَبِ قَوْلَهُمْ بِانْقِسَامِ الْأَمْرِ إِلَى أَمْرِ إِيجَابٍ وَأَمْرِ نَدْبٍ.

فَإِنْ قِيلَ: أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ طَاعَةً لِكَوْنِهِ مُقْتَضٍ وَمَطْلُوبًا مِمَّنْ لَهُ الطَّلَبُ وَالِاقْتِضَاءُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا، ثُمَّ لَوْ كَانَ فِعْلُهُ طَاعَةً لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: أُمِرَ فَعَصَى، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

(

أَمَرْتُكَ أَمْرًا جَازِمًا فَعَصَيْتَنِي

) .

وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ” «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» “، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَرِيرَةَ وَقَدْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ: ” «لَوْ رَاجَعْتِيهِ. فَقَالَتْ: بِأَمْرِكَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ» ” نَفَى الْأَمْرَ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ فِيهِمَا مَنْدُوبٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ مَأْمُورًا.

(1/120)

________________________________________

قُلْنَا: أَمَّا الِاقْتِضَاءُ وَالطَّلَبُ فَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَأْتِي، فَتَسْلِيمُهُ تَسْلِيمٌ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ.

قَوْلُهُمْ: لَا يُسَمَّى تَارِكُهُ عَاصِيًا. قُلْنَا: لِأَنَّ الْعِصْيَانَ اسْمُ ذَمٍّ مُخْتَصٌّ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ الْإِيجَابِ وَلَا بِمُخَالَفَةِ مُطْلَقِ أَمْرٍ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِطْلَاقِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَلِمِثْلِ هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَمْرِ الْإِيجَابِ دُونَ النَّدْبِ. وَيُخَصُّ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْمَشَقَّةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ فِي غَيْرِ أَمْرِ الْإِيجَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَأْمُورًا فَهُوَ حَسَنٌ بِجَمِيعِ الِاعْتِبَارَاتِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَهَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْوَاجِبِ؟ فَالْكَلَامُ فِيهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْجَائِزِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.

 

 

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمَنْدُوبَ هَلْ هُوَ مِنْ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ]

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ

اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَنْدُوبِ (1) هَلْ هُوَ مِنْ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ؟ فَأَثْبَتَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ (2) وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْحَقُّ. (3) وَحُجَّةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، وَالْمَنْدُوبُ مُسَاوٍ لِلْمُبَاحِ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ مَعَ زِيَادَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْمُبَاحُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، عَلَى مَا يَأْتِي، فَالْمَنْدُوبُ أَوْلَى.

نَعَم، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَكْلِيفِيٌّ بِاعْتِبَارِ وُجُوبِ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ مَنْدُوبًا، فَلَا حَرَجَ.

فَإِنْ قِيلَ: الْمَنْدُوبُ لَا يَخْلُو عَنْ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلثَّوَابِ، فَإِنْ فَعَلَهُ رَغْبَةً فِي الثَّوَابِ فَفِعْلُهُ مُشِقٌّ كَفِعْلِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ تَرَكَهُ شَقَّ عَلَيْهِ مَا فَاتَهُ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ بِفِعْلِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ الْفِعْلِ بِخِلَافِ تَرْكِ الْمُبَاحِ. قُلْنَا: يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الشَّارِعِ عَلَى الْفِعْلِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلثَّوَابِ حُكْمًا تَكْلِيفِيًّا ; لِأَنَّهُ إِنْ أَتَى بِالْفِعْلِ رَغْبَةً فِي الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ مُسَبِّبُهُ فَهُوَ مُشِقٌّ، وَإِنْ تَرَكَهُ شَقَّ عَلَيْهِ مَا فَاتَهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.

_________

(1) الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي النَّدْبِ، فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ حُكْمًا، هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ وَمَحَلُّهُ.

(2) أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ.

(3) الْخِلَافُ فِي أَنَّ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ وَالْإِبَاحَةَ مِنَ الْأَحْكَامِ أَوْ لَا، اخْتِلَافٌ فِي تَسْمِيَةٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ لَا فَائِدَةَ مِنْ وَرَائِهِ عَمَلِيَّةً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *