الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُتَأَسًّى بِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُتَّبَعٌ

 

كتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي

أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631هـ)

 


[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُتَأَسًّى بِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُتَّبَعٌ]

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ

إِذَا فَعَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِخِطَابٍ سَابِقٍ، وَلَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَعُلِمَتْ لَنَا صِفَتُهُ مِنَ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ إِمَّا بِنَصِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَتَعْرِيفِهِ لَنَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَمُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّنَا مُتَعَبَّدُونَ بِالتَّأَسِّي بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا.

وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ كَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَلَّادٍ، وَقَالَ بِالتَّأَسِّي فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ غَيْرِهَا.

وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْجُمْهُورِيُّ وَدَلِيلُهُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ.

أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مُتَأَسًّى بِهِ فِي فِعْلِهِ وَمُتَّبَعٌ، لَمَا كَانَ لِلْآيَةِ مَعْنًى، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ هَاهُنَا.

وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَابَعَةَ لَهُ لَازِمَةً مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْمُتَابَعَةُ لَهُ لَازِمَةً لَزِمَ مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُ الْمَحَبَّةِ الْوَاجِبَةِ وَذَلِكَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ (1) .

وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ لَوَازِمِ رَجَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّأَسِّي عَدَمُ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ الرَّجَاءُ لِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ.

وَالْمُتَابَعَةُ وَالتَّأَسِّي فِي الْفِعْلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ: هُوَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ.

_________

(1) انْظُرْ ص 179 مِنَ الْأَصْلِ، وَقَارِنْ بَيْنَ بَيَانِهِ لِوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هُنَا عَلَى مَطْلُوبِهِ وَمُنَاقَشَتِهِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ” فَاتَّبِعُوهُ ” عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي فِعْلِهِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ” عَلَى نَدْبِ اتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي فِعْلِهِ.

________________________________________

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى أَفْعَالِهِ كَرُجُوعِهِمْ إِلَى تَزْوِيجِهِ لِمَيْمُونَةَ، وَهُوَ حَرَامٌ وَفِي تَقْبِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَجَوَازِ تَقْبِيلِهِ وَهُوَ صَائِمٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا تُحْصَى.

فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ الْأُوْلَى وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ وَالْمُتَابَعَةِ فِي التَّزْوِيجِ مِنْ أَزْوَاجِ الْأَدْعِيَاءِ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا، فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ فِي كُلِّ فِعْلٍ.

وَأَمَّا الْأَخِيرَتَانِ فَلَا نُسَلِّمُ عُمُومَ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي فِي كُلِّ شَيْءٍ إِذْ لَا عُمُومَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ.

وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: (لَكَ فِي فُلَانٍ أُسْوَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ) ، وَيُقَالُ: (لَكَ فِي فُلَانٍ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) ، وَلَوْ كَانَ لَفْظُ (الْأُسْوَةِ) عَامًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَكَانَ قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ شَيْءٍ) تَكْرَارًا، وَقَوْلُهُ: (فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) مُنَاقَضَةً بَلْ غَايَتُهَا الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ.

وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِذَلِكَ فِي اتِّبَاعِ أَقْوَالِهِ وَالتَّأَسِّي بِمَا دَلَّ الدَّلِيلُ الْقَوْلِيُّ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ فِي أَفْعَالِهِ، كَقَوْلِهِ: ” «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» “، وَ ” «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ” وَنَحْوِهِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْإِجْمَاعِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُسْتَنَدَهُمْ فِيمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ فِي فِعْلِهِ وَإِنَّمَا كَانَ مُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ، أَمَّا فِيمَا كَانَ مُبَاحًا فَالْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ، أَمَّا فِيمَا كَانَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا فَالْأَقْوَالُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ.

وَالْجَوَابُ عَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى خُصُوصِ مُتَابَعَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْلَا أَنَّ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ لَازِمٌ لَمَا فَهِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ إِبَاحَةِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِبَاحَةَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ فَهْمَ الْإِبَاحَةِ إِنَّمَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِتَعْلِيلِ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنًى لِكَوْنِهِ مَدْفُوعًا بِغَيْرِهِ.

وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي عَلَى الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، أَنَّ مَقْصُودَهُمَا إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ كَوْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْوَةً لَنَا وَمُتَّبَعًا، إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَإِبَانَةً لِخَطَرِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.

فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِمَّا أَنْ

________________________________________

يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا، وَالْقَوْلُ بِالتَّعْيِينِ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِالْإِبْهَامِ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ مِنَ الشَّرْعِ وَلِكَوْنِهِ أَبْعَدَ عَنْ إِظْهَارِ شَرَفِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.

وَإِذَا قَالَ: (لَكَ أُسْوَةٌ فِي فُلَانٍ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ) ، فَهُوَ مُفِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ وَلَيْسَ تَكْرَارًا خَلِيًّا عَنِ الْفَائِدَةِ، وَإِذَا قَالَ: (لَكَ أُسْوَةٌ فِي فُلَانٍ فِي هَذَا الشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ) ، فَلَا يَكُونُ مُنَاقَضَةً لِأَنَّ الْعُمُومَ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ التَّأَسِّي وَالْمُتَابَعَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، بَلِ الْكُلُّ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ مُفِيدَةٌ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمَأْثُورِ عَنْهُمْ عِنْدَ اتِّفَاقِهِمْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّمَسُّكِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَسُؤَالِ زَوْجَاتِهِ، وَالْبَحْثِ عَنْ أَفْعَالِهِ فِي ذَلِكَ وَسُكُونِ أَنْفُسِهِمْ إِلَيْهَا وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا وَاحْتِجَاجِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِهَا.

وَلَوْ كَانَ ثَمَّ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمُتَابَعَةِ وَالتَّأَسِّي غَيْرَ النَّظَرِ إِلَى أَفْعَالِهِ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي فِعْلِهِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي تَرْكِهِ.

 

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفعل غيره]

 

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ

إِذَا فَعَلَ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِعْلًا أَوْ فِي عَصْرِهِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ قَادِرٌ عَلَى إِنْكَارِهِ، فَسَكَتَ عَنْهُ وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ عَرَفَ قُبْحَ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَتَحْرِيمَهُ مِنْ قَبْلُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ إِصْرَارَ ذَلِكَ الْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ، وَعَلِمَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْإِصْرَارَ عَلَى قُبْحِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَتَحْرِيمِهِ كَاخْتِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى كَنَائِسِهِمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَإِبَاحَتِهِ إِجْمَاعًا وَلَا يُوهِمُ كَوْنُهُ مَنْسُوخًا.

وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ إِنْكَارٌ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ

________________________________________

عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ.

وَإِلَّا لَمَا سَاغَ السُّكُوتَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عَنْهُ فَيَقَعَ فِي الْمَحْذُورِ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ.

وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَا عَرَفَ تَحْرِيمَهُ، فَسُكُوتُهُ عَنْ فَاعِلِهِ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ وُجِدَ مِنْهُ اسْتِبْشَارٌ وَثَنَاءٌ عَلَى الْفَاعِلِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ جَائِزًا لَكَانَ تَقْرِيرُهُ لَهُ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِنْكَارِهِ، وَكَانَ اسْتِبْشَارُهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ حَرَامًا عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنَ الصَّغَائِرِ الْجَائِزَةِ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ قَوْمٍ إِلَّا أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْإِنْكَارُ هُوَ الْغَالِبُ، فَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنْهُ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ غَالِبًا.

فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ: إِمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ فَلَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ عَلَيْهِ حَرَامًا إِذْ ذَاكَ أَوْ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بُلُوغَ التَّحْرِيمِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ فِيهِ وَأَصَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مَانِعٌ مِنَ الْإِنْكَارِ.

قُلْنَا: عَدَمُ بُلُوغِ التَّحْرِيمِ إِلَيْهِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْإِنْكَارِ، وَالْإِعْلَامُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلِ حَرَامٌ بَلِ الْإِعْلَامُ بِالتَّحْرِيمِ وَاجِبٌ، حَتَّى لَا يَعُودَ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَإِلَّا كَانَ السُّكُوتُ مِمَّا يُوهِمُ: إِمَّا عَدَمَ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ التَّحْرِيمِ أَوِ النَّسْخَ، وَأَمَّا إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ التَّحْرِيمَ وَأَصَرَّ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا مُتَّبِعًا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْإِنْكَارِ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ.

وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَجْدِيدُ الْإِنْكَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلَى كَنَائِسِهِمْ إِذْ هُمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لَهُ، وَلَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ: يُتَوَهَّمُ نَسْخُ ذَلِكَ بِسُكُوتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ.

وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ احْتِمَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا عَقْلًا غَيْرَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ ظُهُورِ شَوْكَتِهِ وَاسْتِيلَائِهِ وَقَهْرِهِ لِمَنْ سِوَاهُ.

________________________________________

 

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ عدم التَّعَارُضُ بَيْنَ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ]

 

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ

لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْبَعْضُ مِنْهَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ أَوْ مُخَصِّصًا لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا إِمَّا مِنْ قَبِيلِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَكَفِعْلِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا فِي وَقْتَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِمَّا مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلِفَيْنِ.

وَالْفِعْلَانِ الْمُخْتَلِفَانِ، إِمَّا أَنْ يُتَصَوَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ أَوْ لَا يُتَصَوَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا.

وَمَا لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا، إِمَّا أَنْ لَا تَتَنَاقَضَ أَحْكَامُهُمَا كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مَثَلًا، أَوْ تَتَنَاقَضَ كَمَا لَوْ صَامَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَأَكَلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.

فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ، فَلَا خَفَاءَ بِعَدَمِ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَلَا تَعَارُضَ أَيْضًا إِذْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي وَقْتٍ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ جَائِزًا وَفِي وَقْتٍ آخَرَ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا وَلَا مُبْطِلًا لِحُكْمِ الْآخَرِ إِذَا لَا عُمُومَ لِلْفِعْلَيْنِ وَلَا لِأَحَدِهِمَا.

نَعَمْ إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الصَّوْمِ كَانَ يَجِبُ تَكْرِيرُهُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى لُزُومِ وُجُوبِ تَأَسِّي أُمَّتِهِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالتَّلَبُّسِ بِضِدِّهِ، كَالْأَكْلِ مَعَ الذِّكْرِ لِلصَّوْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَكْلَهُ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حُكْمِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى تَكْرَارِ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ لَا نَسْخِ حُكْمِ ذَلِكَ الصَّوْمِ الْمُتَقَدِّمِ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِلتَّكْرَارِ، وَرَفْعُ حُكْمٍ وُجِدَ مُحَالٌ، أَوْ أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ الْأُمَّةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ يَأْكُلُ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ مَعَ الذِّكْرِ لِلصَّوْمِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حُكْمِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِتَعْمِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْأُمَّةِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ تَخْصِيصِهِ لَا نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الرَّسُولِ وَلَا تَخْصِيصِهِ.

وَإِنْ قِيلَ بِنَسْخِ فِعْلِ الرَّسُولِ وَتَخْصِيصِهِ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ زَالَ التَّعَبُّدُ بِمِثْلِهِ عَنِ الرَّسُولِ، أَوِ الْوَاحِدِ مِنَ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ لَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ.

________________________________________

 

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ التَّعَارُضُ بَيْنَ قول النبي وفعله]

 

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ

إِذَا تَعَارَضَ فِعْلُ النَّبِيِّ وَقَوْلُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، وَلَا عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِيهِ أَوْ دَلَّ.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَوْلُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ أَوْ بِنَا أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُ وَلَنَا.

فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا وَتَأَخُّرُ الْآخَرِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْفِعْلَ أَوِ الْقَوْلَ.

فَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْفِعْلَ مِثْلَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فِي وَقْتٍ، وَيَقُولَ بَعْدَهُ إِمَّا عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي: لَا يَجُوزُ لِي مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَمْ يَرْفَعْ حُكْمَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفِعْلِ فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُقْتَضٍ لِلتَّكْرَارِ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْغَرَضُ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ حُكْمِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.

وَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْقَوْلَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: الْفِعْلُ الْفُلَانِيُّ وَاجِبٌ عَلَيَّ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ ثُمَّ يَتَلَبَّسُ بِضِدِّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَنْ جَوَّزَ نَسْخَ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ، قَالَ: إِنَّ الْفِعْلَ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْقَوْلِ.

وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ مَنَعَ كَوْنَ الْفِعْلِ رَافِعًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ، وَقَالَ: لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مَعَ الْعَمْدِ إِنْ لَمْ نُجَوِّزْ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصِيَةٌ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِنَا فَلَا تَعَارُضَ أَيْضًا لِعَدَمِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ عَامًّا لَنَا وَلَهُ فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَقَدِّمًا فَلَا مُعَارَضَةَ أَيْضًا بَيْنَ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ.

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ.

وَأَمَّا (1) إِلَيْنَا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِنَا عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْغَرَضُ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ، فَالْحُكْمُ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فِيمَا إِذَا كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا لِعَدَمِ تَوَارُدِ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ عَلَيْنَا عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْغَرَضُ، هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ وَلَا تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ.

وَأَمَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، أَوْ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ دُونَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، أَوْ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ دُونَ تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، فَالْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ.

_________

(1) فِيهِ سَقْطٌ وَالتَّقْدِيرُ (بِالنِّسْبَةِ) .

________________________________________

فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ أَوْ بِنَا، أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُ وَلَنَا، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ فَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ أُمَّتِهِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْقَوْلِ لَهُمْ.

وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ، فَفِعْلُهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ أَنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِامْتِثَالِ أَوْ قَبْلَهُ، عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَمُوجِبًا لِلْفِعْلِ عَلَى أُمَّتِهِ.

وَأَمَّا إِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ قَوْلِهِ لَهُمْ.

وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْمُعَارَضَةَ وَالْوَقْفَ إِلَى حِينِ قِيَامِ دَلِيلِ التَّارِيخِ، وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَوْلَ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَالْفِعْلُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ بِوَاسِطَةِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلَائِلِ الْغَامِضَةِ الْبَعِيدَةِ.

الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَمَّا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَعْقُولَاتِ الصِّرْفَةِ، وَعَنِ الْمَحْسُوسِ، وَالْفِعْلُ لَا يُنْبِئُ عَنْ غَيْرِ مَحْسُوسٍ، فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْقَوْلِ أَقْوَى وَأَتَمَّ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَابِلٌ لِلتَّأْكِيدِ بِقَوْلٍ آخَرَ وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ، فَكَانَ الْقَوْلُ لِذَلِكَ أَوْلَى.

الرَّابِعُ: أَنَّ الْعَمَلَ هَاهُنَا مِمَّا يُفْضِي إِلَى نَسْخِ مُقْتَضَى الْفِعْلِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دُونَ الْأُمَّةِ، وَالْعَمَلُ بِالْفِعْلِ يُفْضِي إِلَى إِبْطَالِ مُقْتَضَى الْقَوْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى.

فَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْفِعْلُ آكَدُ ; فِي الدَّلَالَةِ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ الْقَوْلَ، وَالْمُبَيِّنُ لِلشَّيْءِ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ.

وَبَيَانُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيَّنَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَبَيْنَ مَوَاقِيتِهَا حَيْثُ صَلَّى بِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَقَالَ: ” «يَا مُحَمَّدُ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» ” وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَيَّنَ الصَّلَاةَ لِلْأُمَّةِ بِفِعْلِهِ، حَيْثُ قَالَ: ” «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ” وَبَيْنَ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} بِفِعْلِهِ حَيْثُ قَالَ: ” «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» “، وَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ: ” «صَلِّ مَعَنَا» “، وَبَيَّنَ الشَّهْرَ بِأَصَابِعِهِ حَيْثُ قَالَ: ” «إِنَّمَا الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» “.

________________________________________

وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَامَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ إِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي إِيصَالِ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ إِلَى فَهْمِهِ اسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِالْإِشَارَةِ بِيَدِهِ وَالتَّخْطِيطِ وَتَشْكِيلِ الْأَشْكَالِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْفِعْلَ أَدَلُّ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.

قُلْنَا: غَايَةُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وُجُودُ الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ، وَكَمَا وُجِدَ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ فَقَدْ وُجِدَ أَغْلَبُ مِنَ الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ.

فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ مُسْتَنَدُهَا إِنَّمَا هُوَ الْأَقْوَالُ دُونَ الْأَفْعَالِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي ذَلِكَ وَيَبْقَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ الْأَوْلَى بِحَالِهَا، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَاصًّا بِنَا دُونَهُ: فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ، أَوِ الْقَوْلِ أَوْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ.

فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ ; فَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ فِي حَقِّنَا دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فَالْحُكْمُ فِي كَوْنِ الْفِعْلِ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّنَا دُونَ النَّبِيِّ فَكَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ.

وَأَمَّا إِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ، وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ لِمَا عُلِمَ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَهُ وَلَنَا فَأَيُّهُمَا تَأَخَّرَ كَانَ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي التَّعْقِيبِ وَالتَّرَاخِي.

وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ، وَالْمُخْتَارُ كَالْمُخْتَارِ.

وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ.

وَأَمَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ دُونَ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ، فَالْقَوْلُ إِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا تَعَارُضَ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ بَيْنَهُمَا.

وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ، فَالتَّعَارُضُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ ; لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي فِعْلِهِ وَلَا يَخْفَى الْحُكْمُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ جُهِلَ التَّارِيخُ.

________________________________________

وَأَمَّا إِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فِي فِعْلِهِ دُونَ تَكَرُّرِهِ فِي حَقِّهِ، فَالْقَوْلُ إِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْفِعْلِ فَلَا مُعَارَضَةَ لَا فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فَالْفِعْلُ الْمُتَأَخِّرُ عَنْهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْصِيلِ دُونَ أُمَّتِهِ.

وَإِنَّ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِأُمَّتِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ.

وَأَمَّا إِنْ تَحَقَّقَتِ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ فَأَيُّهُمَا كَانَ مُتَأَخِّرًا فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْخِلَافُ عَلَى مَا سَبَقَ وَكَذَلِكَ الْمُخْتَارُ.

وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ، فَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّمَا هُوَ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْفِعْلِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ.

وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ لِحُكْمِ الْقَوْلِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَالْأُمَّةِ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ، فَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ وَالْمُخْتَارُ كَالْمُخْتَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *