تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » جواب المعتزلة عمن سأل عن قدرة الله على الظلم

جواب المعتزلة عمن سأل عن قدرة الله على الظلم

  • بواسطة

 

كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين

المؤلف: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري
(المتوفى: 324هـ)


المعتزلة

135 – جوابهم عمن سأل عن قدرة الله على الظلم؟

واختلفت المعتزلة في الجواب عمن سأل عن البارئ – سبحانه – لو فعل ما يقدر عليه من الظلم والجور على سبعة أقاويل:

1 – فقال أبو الهذيل في جواب من سأله: إن فعل البارئ ما يقدر عليه من الجور والظلم كيف كان يكون الأمر فقال: محال أن يفعل البارئ ذلك لأن ذلك لا يكون إلا عن نقص ولا يجوز النقص على البارئ.

2 – وقال أبو موسى المردار في الجواب عن ذلك: إطلاق هذا الكلام على البارئ -عز وجل- قبيح لا يستحسن إطلاقه في رجل من المسلمين فكيف يطلق في الله فمنع أن يقال: لو فعل البارئ الظلم لقبح ذلك لا لاستحالته.

وكان أبو موسى إذا جدد الكلام عليه قال: لو فعل الله الظلم لكان ظالماً رباً إلهاً قادراً ولو ظلم مع وجود الدلائل على أنه لا يظلم لكان يدل بدلائل على أنه يظلم.

3 – وكان بشر المعتمر يقول: أن الله يقدر أن يعذب الأطفال فإذا قيل له: فلو عذب الطفل قال: لو عذبه لكان يكون بالغاً كافراً مستحقاً للعذاب.

4 – وكان محمد بن شبيب يزعم أن الله يقدر أن يظلم ولكن الظلم لا يكون إلا ممن به آفة فعلمت أنه لا يكون من الله – سبحانه – فلا معنى لقول من قال: لو فعله.

5 – وكان بعضهم يزعم أن الله يقدر أن يفعل العدل وخلافه والصدق وخلافه ولا يقول: يقدر أن يظلم ويكذب قال صاحب هذا الجواب: إن قال قائل: هل معكم أمان من أن يفعله؟ قال: نعم هو ما أظهر من أدلته على أنه لا يفعله فإذا قيل له: أفيقدر أن يفعله مع الدليل على أن لا يفعله أجاب بأنه قادر على أن يفعله مع الدليل مفرداً من الدليل لئلا يتوهم الدليل دليلاً والظلم واقعاً وكذلك إذا قيل له: لو فعله مع الدليل على أنه لا يفعله وفعل الظلم وزعم أن الظلم لو وقع لكانت العقول بحالها وكانت الأشياء التي يستدل بها أهل العقول غير هذه الأشياء الدالة في يومنا هذا وكانت تكون هي هي ولكن على خلاف هيئاتها ونظمها واتساقها التي هي اليوم عليه وهذا قول جعفر بن حرب.

6 – وكان الإسكافي يقول: يقدر الله على الظلم إلا أن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم بها على خلقه على أن الله لا يظلم والعقول تدل بأنفسها على أن الله ليس بظالم وليس يجوز أن يجامع الظلم ما دل لنفسه على أن الظلم لا يقع من الله.

وكان إذا قيل له: فلو وقع الظلم منه كيف كانت تكون القصة قال: يقع والأجسام معراة من العقول التي دلت بأنفسها وأعينها على أن الله لا يظلم.

7 – وكان هشام الفوطي وعباد بن سليمان إذا قيل لهما: لو فعل الله – سبحانه – الظلم كيف كانت تكون القصة؟ أحالا هذا القول وقالا: إن أراد القائل بقوله لو الشك فليس عندنا شك في أن الله لا يظلم وإن أراد بقوله لو النفي فقد قال أن الله لا يجور ولا يظلم فليس يسوغ أن يقال لو ظلم البارئ جل جلاله.

136 – القول في أن الله قادر على ما علم أنه لا يكون

اختلفت المعتزلة في ذلك على أربعة أقاويل: فقال أبو الهذيل ومن اتبعه وجعفر بن حرب ومن وافقه: البارئ قادر على ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون ولو كان ما علم أنه لا يكون مما يكون كان عالماً أنه يفعله لكان الخبر بأنه يكون سابقاً.

2 – وكان علي الأسواري يحيل أن يقرن القول: “أن الله يقدر على الشيء أن يفعله” بالقول: “أنه عالم أنه لا يكون وأنه قد أخبر أنه لا يكون” وإذا أفرد أحد القولين من الآخر كان الكلام صحيحاً وقيل: أن الله – سبحانه – قادر على ذلك الشيء أن يفعله.

3 – وقال عباد بن سليمان: ما علم أنه لا يكون لا أقول أنه قادر على أن يكون ولكن أقول: قادر عليه كما أقول: الله عالم به ولا أقول أنه عالم بأنه يكون لأن إخباري بأن الله قادر على أن يكون ما علم أنه لا يكون إخبار أنه يقدر وأنه يكون وكان إذا قيل له: فهل يفعل الله ما علم أنه لا يفعله أحال القول.

4 – وكان الجبائي إذا قيل له: لو فعل القديم ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون كيف كان يكون العلم والخبر أحال ذلك وكان يقول مع هذا أنه لو آمن من علم الله أنه لا يؤمن لأدخله الجنة وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بمقدور صح الكلام كقوله: لو آمن الإنسان لأدخله الله الجنة وإنما الإيمان خير له {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} [الأنعام: 28] فالرد مقدور عليه فقال: لو كان الرد مقدوراً منهم لكان عود مقدور.

وكان يزعم أنه إذا وصل محال بمحال صح الكلام كقول القائل: لو كان الجسم متحركاً ساكناً في حال لجاز أن يكون حياً ميتاً في حال وما أشبه ذلك وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بما هو مستحيل استحال الكلام كقول القائل: لو آمن من علم الله وأخبر أنه لا يؤمن كيف كان يكون العلم والخبر وذلك أنه إن قال: كان لا يكون الخبر عن أنه يؤمن سابقاً بأن لا يكون كان الخبر الذي قد كان بأنه لا يؤمن وبأن لا يكون لم يزل عالماً استحال الكلام لأنه يستحيل أن لا يكون ما قد كان بأن لا يكون كان.

ويستحيل أن لا يكون البارئ عالماً بما لم يزل عالماً به بأن لا يكون لم يزل عالماً وإن قال: كان يكون الخبر عن أنه لا يكون والعلم بأنه لا يكون ثابتاً صحيحاً وإن كان الشيء الذي علم وأخبر أنه لا يكون استحال الكلام وإن قال: كان الصدق ينقلب كذباً والعلم ينقلب جهلاً استحال الكلام فلما كان المجيب على هذه الوجوه على أي وجه أجاب عن السؤال استحال كلامه لم يكن الوجه في الجواب إلا نفس إحالة سؤال السائل.

137 – قولهم في وجود ما علم الله أنه لا يكون

واختلفت المعتزلة في جواز كون ما علم الله أنه لا يكون على أربعة أقاويل:

1 – فقال أكثر المعتزلة: ما علم الله – سبحانه – أنه لا يكون لاستحالته أو العجز عنه فلا يجوز كونه مع استحالته ولا مع العجز عنه ومن قال: يجوز أن يكون المعجوز عنه بأن يرتفع العجز عنه وتحدث القدرة عليه فيكون الله عالماً بأنه يكون يذهب هذا القائل بقوله: “يجوز” إلى أن الله قادر على ذلك فقد صدق وما علم الله – سبحانه – أنه لا يكون لترك فاعله له فمن قال: يجوز أن يكون بأن لا يتركه فاعله ويفعل آخذه بدلاً من تركه ويكون الله عالماً بأنه يفعله يريد بقوله يجوز يقدر فذلك صحيح.

2 – وقال علي الأسواري: ما علم الله – سبحانه – أنه لا يكون لم نقل أنه يجوز أن يكون إذا قرنا ذلك بالعلم بأنه لا يكون.

3 – وقال عباد: قول من قال يجوز أن يكون ما علم الله – سبحانه – أنه لا يكون فهو كقوله: يكون ما علم الله أنه لا يكون أو من قال: يجوز أن يكون ما علم الله أنه لا يكون لأن معنى يجوز عنده معنى الجواز.

4 – وقال الجبائي: ما علم الله – سبحانه – أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون فلا يجوز أن يكون عند من صدق بأخبار الله وما علم أنه لا يكون ولم يخبر بأنه لا يكون فجائز عندنا أن يكون وتجويزنا لذلك هو الشك في أن يكون أو لا يكون لأن يجوز عنده في اللغة على وجهين: بمعنى الشك وبمعنى يحل.

138 – اتفقوا على أنه ليس لله علم حادث

واتفقت المعتزلة على أن البارئ – سبحانه – ليس بذي علم محدث يعلم به ولا يجوز أن تبدو له البدوات1 ولا يجوز على أخباره النسخ لأن النسخ لو جاز على الأخبار لكان إذا أخبرنا أن شيئاً يكون ثم نسخ ذلك بأن أخبر أنه لا يكون لكان لا بد من أن يكون أحد الخبرين كذباً قالوا: وإنما الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي.

__________

1 البدوات: جمع بداة -بفتح الباء والدال جميعا- بزنة: قناة وقنوات هي ما بدا من الرأي وقد ورد في الحديث: “السلطان ذو بدوات” وقد يقال في معنى الذم لأن البداء هو ظهور الرأي بعد أن لم يكن ظاهرا وقال محمد بن بشير:

لعلك والموعود حق لقائه … بدا لك في تلك القلوص بداء

139 – اتفقوا على إنكار القول بالماهية

وأجمعت المعتزلة على إنكار القول بالماهية وأن لله ماهية لا يعلمها العباد وقالوا: اعتقاد ذلك في الله – سبحانه! – خطأ وباطل.

شرح اختلاف الناس في التجسيم

هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم

قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون أن البارئ جل ثناؤه ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية ونحن الآن نخبر أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم.

140 – أقوال المجسمة

اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم وهل للبارئ تعالى قدر من الأقدار؟ وفي مقداره على ست عشرة مقالة:

1 – فقال هشام بن الحكم: أن الله جسم محدود عريض عميق طويل طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يثبت لوناً غيره وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد.

2 – وحكى عنه أبو الهذيل أنه أجابه إلى أن جبل أبي قبيس أعظم من معبوده.

وحكى عنه ابن الراوندي أنه زعم أن الله – سبحانه – يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلت عليه

وحكي عنه أنه قال: هو جسم لا كالأجسام ومعنى ذلك أنه شيء موجود.

وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارئ ملوناً ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة وأن يكون طويلاً وعريضاً وعميقاً وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق.

وقال قائلون: أن البارئ جسم وأنكروا أن يكون موصوفاً بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه.

141 – اختلاف المجسة في مقدار البارئ تعالى عن ذلك

واختلفوا في مقدار البارئ بعد أن جعلوه جسماً.

فقال قائلون: هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء.

وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم.

وقال بعضهم: أن البارئ جسم له مقدار في المساحة وقال بعضهم: هو في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء.

وحكي عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار: أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه.

وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف والفوق والتحت.

قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب.

وقال قوم أن معبودهم هو الفضاء وهو جسم تحل الأشياء فيه ليس بذي غاية ولا نهاية.

وقال بعضهم: هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمة به.

وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان أن الله جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم وذم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه. وحكي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك.

وكثير من الناس يقولون: هو مصمت ويتأولون قول الله: {الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] المصمت الذي ليس بأجوف.

وقال هشام بن سالم الجواليقي: أن الله على صورة الإنسان وأنكر أن يكون لحماً ودماً وأنه نور ساطع يتلألأ بياضاً وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم وأن له وفرة سوداء .

وممن قال بالصورة من ينكر أن يكون البارئ جسماً.

وممن قال بالتجسيم من ينكر أن يكون البارئ صورة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *