تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » صفحة الإحكام في أصول الأحكام

صفحة الإحكام في أصول الأحكام

  • بواسطة

كتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي

أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي (المتوفى: 631هـ)


[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ورود صِيغَةُ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ]

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
إِذَا وَرَدَتْ صِيغَةُ ” افْعَلْ ” بَعْدَ الْحَظْرِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لِلْوُجُوبِ قَبْلَ الْحَظْرِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِسَبْقِ الْحَظْرِ تَأْثِيرًا كَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا لِلْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَجْرِ لَا غَيْرُ وَهُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ، وَمَوْقُوفَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، إِلَّا أَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلْإِبَاحَةِ وَلِلْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا وَرَدَتْ بَعْدَ الْحَظْرِ احْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إِلَى الْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَجْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} ، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} ، وَقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَادَّخِرُوا» ” وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إِلَى الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ: إِذَا زَالَ عَنْكِ الْحَيْضُ فَصَلِّي وَصُومِي.
وَعِنْدَ هَذَا فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِتَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ، أَوْ بِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ بِالتَّسَاوِي امْتَنَعَ الْجَزْمُ بِأَحَدِهِمَا وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ.
وَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ التَّرْجِيحِ وَامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَيْسَ اخْتِصَاصُ الْوُجُوبِ بِهِ أَوْلَى مِنَ الْإِبَاحَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ، كَيْفَ وَأَنَّ احْتِمَالَ الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَرْجَحُ؟ نَظَرًا إِلَى غَلَبَةِ وُرُودِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ إِلَى الْوُجُوبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) إِذَا وَرَدَتْ مُطْلَقَةً هَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوْ مَوْقُوفَةٌ؟
وَقَدْ تَقَرَّرَ مَأْخَذُ كُلِّ فَرِيقٍ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .

[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ فَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ]

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ فَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ فُعِلَتْ فِيهِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ، اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ قَضَائِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ هَلْ هُوَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ؟
الْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقِيَاسِ الشَّرْعِ.
وَإِنْ وَرَدَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ فَمَنْ قَالَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْإِخْلَالُ بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَوْ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ؟
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَهْمَا قُيِّدَ الْأَمْرُ بِوَقْتٍ فَالْقَضَاءُ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ.
وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ مُشْعِرًا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ” صُمْ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ أَوْ صَلِّ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ ” فَإِنَّهُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لُغَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الْفِعْلَ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمُكَلِّفِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ.
وَسَوَاءٌ ظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ أَمْ لَمْ تَظْهَرْ، وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً مِنَ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ غَيْرَ حَاصِلَةٍ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ، وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَاصِلَةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِثْلًا لَهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَوْ أَزْيَدَ، لَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ أَزْيَدَ وَإِلَّا كَانَ الْحَثُّ عَلَى إِيجَادِ الْفِعْلِ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلًا فَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِالذِّكْرِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الْفِعْلَ فِي الْوَقْتِ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أَدَاءً، وَقَدْ قَالَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – (1) : ” «لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إِلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» “.
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً فِي الْوَقْتِ الثَّانِي حَسَبَ حُصُولِهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لَهُ فِيمَا بَعْدَهُ.
وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ أَمَرَ الطَّبِيبُ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ فِي وَقْتٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَ الْأَمْرَ بِشَرْطٍ مُعَيَّنٍ كَاسْتِقْبَالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ كَالْأَمْرِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْوُجُوهِ الْأُوَلِ: هُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ فِيمَا فُرِضَ مِنَ الصُّوَرِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ” أَمَرَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَتْ فَائِدَةُ الْخَبَرِ التَّأْكِيدَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ لَكَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسَ، وَهُوَ أَوْلَى لِعِظَمِ فَائِدَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ” وَمَنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي.
الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ إِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ، فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَهُوَ الْفِعْلُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ الْقَضَاءُ بِتَقْدِيرِ فَوَاتِ أَوْقَاتِهَا الْمُعَيَّنَةِ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُقْتَضٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ كُلِّ مَا سِوَى الْأَمْرِ السَّابِقِ، فَكَانَ هُوَ الْمُقْتَضَى.


(1) أَيْ عَنْ رَبِّهِ – سُبْحَانَهُ – وَهَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ أَوَّلُهُ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ. . . الْحَدِيثَ

الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ لَكَانَ أَدَاءً كَمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمَا كَانَ لِتَسْمِيَتِهِ قَضَاءً مَعْنًى.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْوَقْتُ الْمَفْرُوضُ كَالْأَجَلِ لَهَا، فَفَوَاتُ أَجَلِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَهَا كَمَا فِي الدَّيْنِ لِلْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ وُجُوبُ الْفِعْلِ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ لَسَقَطَ الْمَأْثَمُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ وُجُوبِ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوُجُوبِ، فَالْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ بِفَوَاتِ الْأَجَلِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْخَبَرَ دَلِيلُ وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِمَا اسْتُطِيعَ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنْ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي دَاخِلًا تَحْتَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ اقْتَضَى مُطْلَقَ الْفِعْلِ أَوْ فِعْلًا مَخْصُوصًا بِصِفَةِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ.
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ الْقَضَاءَ فِيمَا قِيلَ بِقَضَائِهِ إِنَّمَا كَانَ بِنَاءً عَلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى، لَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُمُ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، قُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلَالَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، كَيْفَ وَقَدْ بَيَّنَّا عَدَمَ دَلَالَتِهِ؟
وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ قَضَاءً لِكَوْنِهِ مُسْتَدْرِكًا لِمَا فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوَّلًا، أَوْ مَصْلَحَةِ وَصْفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.
وَعَنِ الْخَامِسِ بِمَنْعِ كَوْنِ الْوَقْتِ أَجَلًا لِلْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِذِ الْأَجَلُ عِبَارَةٌ عَنْ وَقْتِ مُهْلَةٍ وَتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، كَمَا فِي الْحَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
وَلِذَلِكَ لَا يَأْثَمُ بِإِخْرَاجِ وَقْتِ الْأَجَلِ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِخْرَاجِ الْحَوْلِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَقْتُ الْمُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ، بَلْ هُوَ صِفَةُ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ.
وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ بِصِفَةٍ لَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا لَهُ دُونَ تِلْكَ الصِّفَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى الْكَلَامُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ إِذَا كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْفَوْرِ، وَلَمْ يُؤْتَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ.

[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَمْرِ الْمُكَلِّفِ لِغَيْرِهِ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ]

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَمْرِ الْمُكَلِّفِ لِغَيْرِهِ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ لَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ لُغَةً، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَمْرُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِأَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ بِقَوْلِهِ: ” «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» ” أَمْرًا لِلصِّبْيَانِ بِالصَّلَاةِ مِنَ الشَّارِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ الْمُوَجَّهَ نَحْوَ الْأَوْلِيَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ، وَلِذَلِكَ يُذَمُّ الْوَلِيُّ بِتَرْكِهِ شَرْعًا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا أَمْرًا لِلصِّبْيَانِ لَكَانُوا مُكَلَّفِينَ بِأَمْرِ الشَّارِعِ، وَخَاصَّةً ذَلِكَ لِحُقُوقِ الذَّمِّ بِالْمُخَالَفَةِ شَرْعًا، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ، لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِخِطَابِ الشَّارِعِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» ” الْخَبَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: الْأَمْرُ لِلْوَلِيِّ وَالصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، غَيْرَ أَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِمَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يَمْتَنِعُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الذَّمِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا لِلصَّبِيِّ لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لَفَهِمَ الشَّارِعِ، أَوْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَمْرِ الْوَلِيِّ لَهُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْكِيدًا، وَالْأَصْلُ فِي إِفَادَةِ الْأَلْفَاظِ لِمَعَانِيهَا إِنَّمَا هُوَ التَّأْسِيسُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ فَأَمْرُهُ وَخِطَابُهُ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرُ الْوَلِيِّ بِأَمْرِ الصِّبْيَانِ أَمْرًا لِلصِّبْيَانِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِذَلِكَ لُغَةً أَوْ لِمُعَارِضٍ، وَالْمُعَارَضَةُ يَلْزَمُ مِنْهَا تَعْطِيلُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَنْ إِعْمَالِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لَهُ لُغَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ: أَنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ سَالِمٍ: ” مُرْ غَانِمًا بِكَذَا “، وَيَقُولُ لِغَانِمٍ: ” لَا تُطِعْهُ “، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مُنَاقَضَةً فِي كَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لِغَانِمٍ لَكَانَ كَأَنَّهُ قَالَ: ” أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ طَاعَتِي وَلَا تُطِعْنِي ” وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْجَبَ الْآمِرُ عَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ مَالًا لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيجَابًا لِلْإِعْطَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْإِيجَابِ، بَلْ إِنْ وَجَبَ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مُوجِبٍ لِطَاعَةِ الرَّسُولِ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَنَفْيًا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ مِنْ تَحْقِيرِهِ وَهَضْمِهِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ، الْمُفْضِي إِلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الْبِعْثَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِأَحَدِ عَبْدَيْهِ: ” أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنَ الْعَبْدِ الْآخَرِ كَذَا ” وَيَقُولُ لِلْآخَرِ: ” حَرَّمْتُ عَلَيْكَ مُوَافَقَتَهُ ” مِنْ غَيْرِ مُنَاقَضَةٍ فِيمَا أَوْجَبَهُ، وَلَوْ كَانَ إِيجَابُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ إِيجَابًا عَلَى الْعَبْدِ الْآخَرِ لَكَانَ تَنَاقُضًا.
فَإِنْ قِيلَ وُجُوبُ الْأَخْذِ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْإِعْطَاءِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
قُلْنَا: إِنْ كَانَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْإِعْطَاءِ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْأَخْذِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ دُونَ الْإِعْطَاءِ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ يَكُونُ وَاجِبًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْدُورًا لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ، وَإِعْطَاءُ الْغَيْرِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *