تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » مقدمة الكتاب : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين

مقدمة الكتاب : مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين

  • بواسطة

كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين


مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي العزة والإفضال والجود والنوال أحمده على ما خص وعم من نعمه وأستعينه على أداء فرائضه وأسأله الصلاة على خاتم رسله.

أما بعد فإنه لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات ورأيت الناس في حكاية ما يحكون من ذكر المقالات ويصنفون في النحل والديانات من بين مقصر فيما يحكيه وغالط فيما يذكره من قول مخالفيه ومن بين معتمد للكذب في الحكاية إرادة التشنيع على من يخالفه ومن بين تارك للتقصي في روايته لما يرويه من اختلاف المختلفين ومن بين من يضيف إلى قول مخالفيه ما يظن أن الحجة تلزمهم به وليس هذا سبيل الربانيين ولا سبيل الفطناء المميزين فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار وأنا مبتدئ شرح ذلك بعون الله وقوته.

اختلف الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة ضلل فيها بعضهم بعضاً وبرئ بعضهم من بعض فصاروا فرقاً متباينين وأحزاباً متشتتين إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم[1].

وأول ما حدث من الإختلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبضه الله -عز وجل- ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة بمدينة الرسول وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج عليهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الإمامة في قريش” فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين بعد أن قالت الأنصار: منا أمير ومنكم
أمير

وبعد أن جرد الحباب ابن المنذر سيفه وقال أنا جذيلها المحكك وعديقها المرجب من يبارزني[2] بعد أن قام قيس بن سعد بنصرة أبيه سعد بن عبادة حتى قال عمر بن الخطاب في شأنه ما قال

ثم بايعوا أبا بكر -رضوان الله عليه- واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته فقاتل أهل الردة على ارتدادهم كما قاتلهم رسول الله على كفرهم فأظهره الله -عز وجل- عليهم أجمعين ونصره على جملة المرتدين وعاد الناس إلى الإسلام أجمعين وأوضح الله به الحق المبين[3]
وكان الإختلاف بعد الرسول في الإمامة.

ولم يحدث خلاف غيره في حياة أبي بكر -رضوان الله عليه- وأيام عمر إلى أن ولى عثمان بن عفان -رضوان الله عليه- وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالا كانوا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين وعن سنن المحجة خارجين فصار ما أنكروه عليه اختلافا إلى اليوم

ثم قتل -رضوان الله عليه-! – وكانوا في قتله مختلفين فأما أهل السنة والاستقامة فأنهم قالوا كان -رضوان الله عليه- مصيبا في أفعاله قتله قاتلوه ظلما وعدوانا وقال قائلون بخلاف ذلك وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم[4].

ثم بويع علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- فاختلف الناس في أمره فمن عنه ومن بين قائل بإمامته معتقد لخلافته وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم[5].

ثم حدث الإختلاف في أيام علي في أمر طلحة والزبير – رضوان الله عليهما! – وحربهما إياه وفي قتال معاوية إياه وصار علي ومعاوية إلى صفين[6] وقاتله علي حتى انكسرت سيوف الفريقين ونصلت رماحهم وذهبت قواهم وجثوا على الركب فوهم بعضهم على بعض

فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا عمرو ألم تزعم أنك لم تقع في أمر فظيع فأردت الخروج منه إلا خرجت قال: بلى قال: فما المخرج مما نزل

قال له عمرو بن العاص: فلي عليك أن لا تخرج مصر من يدي ما بقيت قال: لك ذلك ولك به عهد الله وميثاقه،

قال: فأمر بالمصاحف فترفع ثم يقول أهل الشام لأهل العراق: يا أهل العراق كتاب الله بيننا وبينكم البقية البقية فإنه إن أجابك إلى ما تريده خالفه أصحابه وإن خالفك خالفه أصحابه و

كان عمرو بن العاص في رأيه الذي أشار به كأنه ينظر إلى الغيب من وراء حجاب رقيق

فأمر معاوية أصحابه برفع المصاحف وبما أشار به عليه عمرو بن العاص ففعلوا ذلك فاضطرب أهل العراق على علي -رضوان الله عليه- وأبوا عليه إلا التحكيم وأن يبعث علي حكماً ويبعث معاوية حكماُ

فأجابهم علي إلى ذلك بعد امتناع أهل العراق عليه أن لا يجيبهم إليه

فلما أجاب علي إلى ذلك وبعث معاوية وأهل الشام عمرو بن العاص حكماً وبعث علي وأهل العراق أبا موسى حكماً وأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق اختلف أصحاب علي عليه وقالوا: قال الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] ولم يقل حاكموهم وهم البغاة فإن عدت إلى قتالهم وأقررت على نفسك بالكفر إذ أجبتهم إلى التحكيم وإلا نابذناك وقاتلناك
فقال علي -رضوان الله عليه-: قد أبيت عليكم في أول الأمر فأبيتم إلا إجابتهم إلى ما سألوا فأجبناهم وأعطيناهم العهود والمواثيق وليس يسوغ لنا الغدر
فأبوا إلا خلعه وإكفاره بالتحكيم وخرجوا عليه فسموا خوارج لأنهم خرجوا على علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه-
وصار اختلافاً إلى اليوم وسنذكر أقاويل الخوارج بعد هذا الموضع من كتابنا هذا ذكر الاختلاف

أمهات الفرق:

اختلف المسلمون عشرة أصناف

  1. الشيع
  2. والخوارج
  3. والمرجئة
  4. والمعتزلة
  5. والجهمية
  6. والضرارية
  7. والحسينية
  8. والبكرية
  9. والعامة
  10. وأصحاب الحديث أصحاب عبد الله بن كلاب القطان.

[1] يشير المؤلف إلى ما وقع من اختلاف في الرأي في مسائل فرعية لم ينزل فيها نص صريح وكذلك إلى الاضطراب الذي حدث بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا كله وارد في كتب السيرة والتاريخ فلا ضرورة إلى التوسع في شرحه لأنه يخرج عن الغرض من الكتاب وبالتالي التعليق على موضوعه
[2] حديث سقيفة بني ساعدة تواتر في معظم الكتب التاريخية إن لم يكن كلها إضافة إلى الكتب التي تحدثت في السيرة والفرق بالتالي لا محال لتعدادها.
[3] الردة في الإسلام مفصل تاريخي ثبت به أبو بكر دعائم الإسلام وقضى على الفتنة وكان هذا الموضوع مادة للبحث الذي تقدمت فيه لنيل درجة الدبلوم درست فيه: ظاهرة الردة وأسبابها المختلفة وجمعت فيه ما قيل فيها من شعر والتداعيات بعده أسميته: “شعر الردة في الإسلام” وهو لا يزال مخطوطا أرجو أن تتاح له الفرصة في النشر
[4] كتب الكثير من الأبحاث والدراسات حول سيرة عثمان – رضي الله عنه- وكلها تشير أن الخلاف الذي نشأ لم يكن في مسائل الأصول ولكن حول الرأي والاجتهاد في مسائل الحكم وتولية الأشخاص
[5] ما كتب حول خلافة الإمام علي – رضي الله عنه- يعصى على الإحصاء لأنه مستمر في التدفق حتى أيامنا هذه وقد يستمر بعدنا ولا ندري إلى أين سيصل بنا لكن ما نحس به أنه يسهم في تفريق شمل الأمة الإسلامية وتوهين قوتها سيما وأن الخلاف في النظرة إلى الخلافة وليس أصل العقيدة
[6] صفين: بكسر الصاد وكسر الفاء المشددة- موقع في شمال سورية بالقرب من الرقة على شاطئ الفرات من جهة الغرب وفيه وقعة معركة بين الإمام علي ومعاوية سنة سبع وثلاثين من الهجرة النبوية بدأت من غرة صفر ودامت مئة وعشرة أيام تقابل فيها الفريقان في تسعين وقعة. وعن هذه الوقعة كتب العديد من القصائد في رثاء قتلى صفين لعل أبرزها مرثية كعب بن جعيل في عبيد الله بن عمر بن الخطاب ومنها:
ألا إنما تبكي العيون لفارس … بصفين أجلت خيوله وهو واقف
والعديد من الدراسات لعل أبرزها كتاب: “وقعة صفين” لنصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة 212هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *