تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » المطلب الثالث نزول عيسى ابن مريم عليه السلام

المطلب الثالث نزول عيسى ابن مريم عليه السلام

  • بواسطة

في هذا المطلب مسائل عدة

المسألة الأولى الأدلة على نزوله من الكتاب والسنة

من أمارات الساعة العظام وأشراطها الكبار نزول عيسى ابن مريم عليه السلام آخر الزمان من السماء، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أنه ينزل قبل قيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويحكم بالقسط ويقضي بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويحيي من شأنها ما تركه الناس، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يموت ويصلى عليه ويدفن.
والكلام على عيسى عليه السلام يتضمن عدة مسائل:
المسألة الأولى: الأدلة على نزوله من الكتاب والسنة: ورد في القرآن الكريم ثلاث آيات تدل على نزول عيسى عليه السلام:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} الزخرف: 61 . أي أن نزول عيس عليه السلام قبل القيامة علامة على قرب الساعة، ويدل على هذا: القراءة الأخرى (وإنه لَعَلَم للساعة) بفتح العين واللام، أي خروجه علم من أعلام الساعة وشرط من شروطها وأمارة على قرب قيامها. وروى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في تفسير هذه الآية {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] قال: هو خروج عيسى ابن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة (2) .
وهذا المعنى مروي عن عدد من أئمة التفسير واختاره – الحافظ ابن كثير وغيره (3) .
الآية الثانية: قوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} محمد: 4 .


(1) سورة الزخرف، الآية: 61.
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4 / 329) حديث رقم 2921، وقال أحمد شاكر – رحمه الله -: إسناده صحيح، وفي مستدرك الحاكم (2 / 254) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(3) انظر: تفسير ابن كثير (4 / 131 – 132) ، وأيضا: تفسير الطبري (25 / 90) .
(4) سورة محمد، الآية: 4.


قال البغوي – رحمه الله – في تفسير هذه الآية: معنى الآية: ” أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ” (1) .
والآية الثالثة: قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} النساء: 159 .
قرر كثير من المفسرين أن الضميرين في (به) ، و (موته) لعيسى ابن مريم عليه السلام (3) .
وقد روى ابن جرير الطبري – رحمه الله – عن أبي مالك – رحمه الله – في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159] قال: ” ذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن به ” (4) .
يقول الحافظ ابن كثير – رحمه الله -: ” ولا شك أن هذا هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، فأخبر الله أنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه


(1) تفسير البغوي (4 / 179) .
(2) سورة النساء، الآية: 159.
(3) انظر: تفسير الطبري (6 / 21) ، وتفسير البغوي (1 / 497) ، وتفسير ابن كثير (1 / 577) .
(4) تفسير ابن جرير الطبري. (6 / 18) .


يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم ” (1) .
وأما الأدلة من السنة المطهرة على نزوله فهي كثيرة جدا منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، لا يقبلها من كافر، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها» (2) .
ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} النساء: 159 .
ومنها حديث جابر رضي الله عنه: قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة “، قال: ” فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله لهذه الأمة» (4) .
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأنبياء إخوة لعلات (5) أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران (6) كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله


(1) تفسير ابن كثير: (1 / 514) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء (4 / 143) ، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (1 / 135) .
(3) سورة النساء، الآية: 159.
(4) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، (1 / 137) .
(5) العلات: جمع علة، والعلة هي الضرة، والمراد: الإخوة من أمهات مختلفة وأبوهم واحد، والمراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة: النهاية في غريب الحديث. (3 / 291) .
(6) الممصران: تثنية ممصر، والممصر من الثياب الذي فجه صفرة خفيفة. النهاية لابن الأثير (4 / 336) .


في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» (1) إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة.
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – معلقا على أحاديث نزول عيسى عليه السلام: ” فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية، وأبي سريحة حذيفة بن أسيد رضي الله عنهم، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، وأنه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند الإقامة لصلاة الصبح. . . فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام متابعة لعيسى عليه السلام وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} النساء: 159 . وهذه الآية كقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} الزخرف: 61 وقرئ ” لَعَلَم بالتحريك، أي أمارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج فيهلكهم الله ببركة دعائه ” (4) .


(1) أخرجه أحمد (2 / 406) وقال أحمد شاكر: حديث صحيح، عمدة التفسير (4 / 36) ، وأبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال (4 / 498) ، والحاكم (2 / 595) ، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير – رحمه الله – في النهاية في الفتن والملاحم (1 / 188) : وهذا إسناد جيد قوي.
(2) سورة النساء، الآية: 159.
(3) سورة الزخرف، الآية: 61.
(4) تفسير ابن كثير (1 / 519، 520) .


وقد أجمعت الأمة على نزول عيسى عليه السلام علما من أعلام الساعة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ ممن لا يلتفت إليه ولا يعتد بخلافه (1) .
قال السفاريني – رحمه الله -: ” أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة، ممن لا يعتد بخلافه، وقد انعقد إجماع الأمة على أنه ينزل ويحكم بهذه الشريعة المحمدية، وليس ينزل بشريعة مستقلة عند نزوله من السماء، وإن كانت قائمة به وهو متصف بها ” (2) .

المسألة الثانية صفات عيسى عليه السلام

أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن صفات عيسى عليه السلام فجاء في الروايات أنه رجل مربوع القامة ليس بالطويل ولا بالقصير، جعد أحمر اللون، عريض الصدر، أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه.
عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر» (3) .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم (4) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكن بيني وبينه نبي – يعني عيسى – وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام. . .» الحديث.


(1) انظر: الشريعة للآجري ص (381) . والشرح والإبانة (241) ، وشرح العقيدة الطحاوية: (505) .
(2) لوامع الأنوار البهية: (1 / 94 – 95) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء، (6 / 477) .
(4) تقدم تخريجه ص 113.


وعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عرض علي الأنبياء فإذا موسى. . . ورأيت عيسى ابن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود. . .» الحديث (1) .

المسألة الثالثة: مكان نزوله

ينزل عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين، وعليه مهرودتان، ويكون هذا مع صلاة الفجر حيث اصطف المسلمون للصلاة، وقد تقدم إمامهم – والغالب أنه المهدي كما سبق – للصلاة بهم، فعندما يعلم بعيسى عليه السلام يتأخر ويطلب من عيسى أن يتقدم ليؤمهم فيأبى، فيصلي بهم المهدي، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «. . . فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوما قد عصمهم الله منه، فيسمح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة» (2) .
يقول الحافظ ابن كثير – رحمه الله -: ” الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ، وتكون الرواية فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، فتصرف الراوي في التعبير بحسب ما فهم، وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى شرق الجامع الأموي، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة ” (3) .


(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان (1 / 167) .
(2) تقدم تخريجه ص 97.
(3) النهاية في الفن والملاحم: (1 / 192) .


ويقول الحافظ ابن رجب – رحمه الله -: ” وبالشام ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان، وهو المبشر بمحمد صلى الله عليه وسلم ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض ” (1) .
وأما مدة بقاء عيسى عليه السلام إذا نزل: ففي بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي الروايات الأخرى أنه يمكث أربعين عاما ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، ففي حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيبعث الله عيسى ابن مريم. . . ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته» (2) .
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق: «ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون» .
وقد جمع الحافظ ابن كثير – رحمه الله – بين الروايتين فقال: ” هكذا وقع في الحديث: أنه يمكث أربعين سنة، وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سبع سنين، فهذا مع هذا مشكل، اللهم إلا إذا حملت هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، وتكون مضافة إلى مدة مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثا وثلاثين سنة على المشهور، والله أعلم ” (3) .
وقد عارض السفاريني هذا الجمع فقال بعد أن ذكره بدون عزو: وهذا – والله أعلم – ليس بشيء لما مر من حديث عائشة عند الإمام أحمد وغيره «فيقتل الدجال، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة» ، ثم حكى عن البيهقي أنه


(1) لطائف المعارف ص (90) .
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2258) .
(3) النهاية في الفتن والملاحم (1 / 193) .


اعتمد رواية ” أربعين “، كما نقل عن السيوطي أنه ذهب إلى ترجيحها؛ لأن زيادة الثقة يحتج بها، ولأنهم يأخذون برواية الأكثر ويقدمونها على رواية الأقل لما معها من زيادة العلم، ولأنه مثبت والمثبت مقدم (1) .
وقال البرزنجي: ” إن القليل لا ينافي الكثير ” (2) .
ولعل الراجح أن يقال: إن رواية ” أربعين سنة ” هي المعتمدة؛ لأنها رواية الأكثر، كما أشار إلى ذلك السفاريني، ولعل هذه السنين تمر كأنها سبع سنين، ويستأنس لذلك بما رواه عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} الزخرف: 61 . قال: خروج عيسى، يمكث في الأرض أربعين سنة، وتكون تلك الأربعون كأربع سنين، يحج ويعتمر (4) . والله أعلم.

المسألة الرابعة: الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام متواترة

سبق ذكر بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام، وهي تدل دلالة واضحة على ثبوت نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، ولا حجة لمن ردها أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة أو أن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها؛ لأنه إذا ثبت الحديث وجب الإيمان به وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا رد قوله لكونه حديث آحاد؛ لأن هذه حجة واهية؛ لأن حديث الآحاد إذا صح وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا إن حديث الآحاد ليس بحجة، فإننا نرد كثيرا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون ما قاله عليه الصلاة والسلام عبثا لا معنى له، كيف والعلماء قد نصوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام.


(1) لوامع الأنوار البهية (2 / 99) .
(2) الإشاعة ص (304) .
(3) سورة الزخرف، الآية: 61.
(4) انظر: الدر المنثور: (6 / 20) .


قال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – ” أصوله السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة ثم قال: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه ” كافر”، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد ” (1) . وقال أبو الحسن الأشعري (2) – رحمه الله – في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة ” الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقّات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئا ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى يقتله، ثم قال في آخر كلامه: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب ” (3) .
وقال ابن جرير الطبري بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى عليه السلام، ” وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال ” (4) ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.
وقال ابن كثير ” تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بنزول عيسى


(1) طبقات الحنابلة (1 / 241 – 243) .
(2) هو الإمام العلامة أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري، نشأ في حجر زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره، وقد تتلمذ عليه واعتنق مذهبه، ما يقارب من أربعين سنة، ثم هداه الله إلى مذهب أهل السنة والجماعة بعد مروره بمذهب الكلابية، فأعلن أنه على مذهب أحمد بن حنبل، وله مصنفات كثيرة، ومن أشهرها: مقالات الإسلاميين، وكتاب اللمع، والوجيز، وغيرها، وكان آخر ما ألف كتابه: الإبانة عن أصول الديانة، توفي سنة 324 هـ.
تبيين كذب المفتري: (34) وسير أعلام النبلاء (15 / 85) والبداية والنهاية (11 / 186) ، وشذرات الذهب (2 / 303 – 305) .
(3) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1 / 345) .
(4) تفسير الطبري 3 / 291.


عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا ” (1) . وقال صديق حسن خان “والأحاديث في نزوله عليه السلام كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدجال. . . ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك، ثم ساقها وقال: جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع ” (2) .
وقال الغماري: ” وقد ثبت القول بنزول عيسى عليه السلام عن غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا (3) وقال: تواتر هذا تواترا لا شك فيه بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترا بتلقي جيل عن جيل ” (4) . وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى عليه السلام الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (5) في كتابه ” التصريح بما تواتر في نزول المسيح ” فذكر أكثر من سبعين حديثا.
وقال صاحب عون المعبود شرح سن أبي داود: ” تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم


(1) تفسير ابن كثير 7 / 223.
(2) الإذاعة ص 160.
(3) عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام ص 12.
(4) المصدر السابق ص: 5.
(5) هو العلامة المحدث محمد أنور شاه الكشميري الهندي، له عدة مؤلفات منها: فيض الباري على صحيح البخاري في أربعة مجلدات، والعرف الشذي على جامع الترمذي وغيرهما. توفي في ديوبند سنة 1352 هـ. انظر ترجمته في مقدمة كتاب التصريح لعبد الفتاح أبو غدة محقق الكتاب.


في نزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة ” (1) .
وقال الشيخ أحمد شاكر: ” نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون لورود الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. . . وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يؤمن من أنكره ” (2) .
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: ” اعلم أن أحاديث الدجال، ونزول عيسى عليه السلام متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد، فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها ولو فعل لوجدها متواترة كما شهد بذلك أئمة هذا العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم لا سيما والأمر دين وعقيدة ” (3) .

المسألة الخامسة: الحكمة من نزول عيسى عليه السلام دون غيره

ذكر بعض العلماء – رحمهم الله تعالى – الحكمة من نزول عيسى عليه السلام دون غيره، ومن أقوالهم في ذلك:
1 – الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوا عيسى عليه السلام، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدجال، ورجح الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (4) .
2 – أن عيسى عليه السلام وجد في الإنجيل فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} الفتح: 29 فدعا الله أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل


(1) عون المعبود 11 / 457.
(2) من حاشية تفسير الطبري 6 / 460 تخريج الشيخ أحمد محمد شاكر، وتحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة دار المعارف مصر.
(3) انظر: حاشية العقيدة الطحاوية تخريج الألباني ص 565.
(4) فتح الباري 6 / 493.
(5) سورة الفتح، الآية: 29.


آخر الزمان مجددا لما درس من دين الإسلام دين محمد عليه الصلاة والسلام، فتوافق خروج الدجال فيقتله (1) .
3 – أن نزول عيسى عليه السلام من السماء لدنو أجله ليدفن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله خروج الدجال فيقتله عيسى عليه السلام (2) .
4 – أنه ينزل مكذبا للنصارى فيظهر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويهلك الله الملل كلها في زمنه إلا الإسلام فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية.
5 – أن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي» (3) فرسول الله صلى الله عليه وسلم أخص الناس وأقربهم إليه، فإن عيسى مبشر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي من بعده ودعا الخلق إلى تصديقه والإيمان به (4) . كما في قوله تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف: 6 وفي الحديث: «قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: ” نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى» (6) .


(1) التذكرة للقرطبي (2 / 794) .
(2) التذكرة للقرطبي (2 / 795) .
(3) صحيح البخاري في صحيحه: 6 / 477 – 478، كتاب أحاديث الأنبياء (6 / 477) ، ومسلم في صحيحه: كتاب الفضائل (4 / 1837) .
(4) انظر هذه الأقوال في المنهاج في شعب الإيمان (1 / 424 – 425) للحليمي، والتذكرة للقرطبي (2 / 679) ، وفتح الباري لابن حجر (6 / 493) ، وكتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح ص (94) .
(5) سورة الصف، الآية: 6.
(6) رواه الإمام أحمد في مسنده (4 / 127) ، قال ابن كثير عن إسناده: ” هذا إسناد جيد “، وروى له شواهد من وجوه أخر، تفسير ابن كثير: (4 / 324) .


[المسألة السادسة الأمور التي تكون في زمن عيسى عليه السلام]

المسألة السادسة: الأمور التي تكون في زمن عيسى عليه السلام

قتل المسيح الدجال:

سبق ذكر أن نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل والمسلمون في حال إعداد أنفسهم لحرب الدجال، وعلمنا أن الصلاة تقام في ذلك الوقت، فيصلي عيسى ابن مريم عليه السلام خلف الرجل الصالح، وعند ما يعلم الدجال بنزول عيسى عليه السلام يهرب، فيلحقه نبي الله إلى بيت المقدس فيدركه وقد حاصر عصابة من المسلمين، فيأمرهم عيسى عليه السلام بفتح الباب فيفعلون ويكون وراءه الدجال فينطلق هاربا، فيلحقه نبي الله عليه السلام فيدركه عند باب لد الشرقي فيقضي عليه وعلى من معه من يهود.
ففي الحديث الصحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، فيقول عيسى عليه السلام: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله عز وجل ليتوارى به يهودي إلا أنطق ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله. . .» (1) .


(1) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الفتن (2 / 1361) ، والحاكم في المستدرك (4 / 436) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.


وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «. . . فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكنه يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» (1) “.
وهكذا يكون أول عمل يقوم به نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام بعد نزوله من السماء هو مواجهة الدجال والقضاء عليه وعلى من يتبعه من يهود.

هلاك يأجوج ومأجوج

إن خروج قوم يأجوج ومأجوج علامة من علامات الساعة الكبرى، وسيأتي الكلام على هذه العلامة، والمراد هنا بيان أن عيسى عليه السلام بعد أن يقضي على الدجال وفتنته، يفسد هؤلاء القوم في الأرض فسادا كبيرا، فيتضرع نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله تعالى فيهلكهم شر هلكة، ويصبحون موتى لا يبقى منهم أحد، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الكلام على يأجوج ومأجوج.

القضاء على كل الشرائع والحكم بالإسلام

عيسى عليه السلام عندما ينزل من السماء يكون تابعا لشرع الإسلام، فيحكم بكتاب الله عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك يقضي على كل الشرائع التي تحكم الناس سوى الإسلام، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فإن شريعة الإسلام ناسخة للشرائع قبلها، وقد أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويتابعوه إذا بعث وهم أحياء، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} آل عمران: 81 .


(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (4 / 2253) .
(2) سورة آل عمران، آية: 81.


ومن أجل هذا فهو يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل من أحد إلا الإسلام، أو القتل. يقول القرطبي – رحمه الله -: ” ذهب قوم إلى أنه بنزول عيسى عليه السلام يرتفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا أمر مردود بالأخبار التي ذكرناها. . . وبقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} الأحزاب: 40 وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نبي بعدي» (2) وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا العاقب» (3) . يريد آخر الأنبياء وخاتمهم، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، بل إذا أنزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لعمر: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (4) . فعيسى عليه السلام إنما ينزل مقررا لهذه الشريعة مجددا لها؛ إذ هي آخر الشرائع ومحمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسل (5) .

رفع الشحناء والتباغض من بين الناس وانتشار الأمن والرخاء بين الخلق


من الأمور التي أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تحدث في زمن عيسى عليه السلام: أن الشحناء والتباغض والتحاسد ترفع من بين الناس حيث تجتمع كلمة الجميع على الإسلام، وتعم البركة، وتكثر الخيرات، حيث تنبت الأرض نبتها، ولا يرغب في اقتناء المال لكثرته، وينزع الله في ذلك الوقت سم كل ذي سم حتى يلعب الأولاد بالحيات والعقارب فلا تضرهم، وترعى


(1) سورة الأحزاب، آية: 40.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل (4 / 104) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب (4 / 162) .
(4) أخرجه الأمام أحمد في مسنده (3 / 387) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (13 / 334) رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفا.
(5) التذكرة للقرطبي (2 / 792) .


الشاة مع الذئب فلا يضرها، فتملأ الأرض أمنا وسلما، وينعدم القتال بين البشر فترخص الخيل لعدم القتال، وترتفع أسعار الثور؛ لأن الأرض تحرث كلها.
ففي حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه السابق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «. . . ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِسْل (1) حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. . .» الحديث (2) .
ومن حديث أبي أمامة الطويل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «. . . فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلا، وإماما مقسطا يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور (3) الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. . .» (4) .


(1) الرسل: بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن، انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (18 / 69) ، النهاية في غريب الحديث (3 / 412) .
(2) تقدم تخريجه ص 97.
(3) الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضة أو ذهب، النهاية في غريب الحديث (3 / 412) .
(4) تقدم تخريجه ص 123.


وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا. . . وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (1) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» (2) .
قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: ومعناه أن يزهد الناس فيها، ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهي شبيهة بمعنى قول الله عز وجل: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} التكوير: 4 . ومعنى لا يسعى عليها: لا يعتني بها (4) .

المسألة السابعة موت عيسى عليه السلام ودفنه

المسألة السابعة: موت عيسى عليه السلام ودفنه لم يرد عن الشارع نص يبين لنا مكان موت عيسى عليه السلام، ولكن ذكر بعض العلماء أنه يموت عليه السلام في المدينة النبوية، وقيل إنه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما.
قال القرطبي – رحمه الله -: ” واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة ذكره الحليمي، وقيل: يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه من الأخبار” (5) .


(1) القلاص: بكسر القاف جمع قلوص، بفتح القاف، وهي الناقة الشابة. النهاية في غريب الحديث (4 / 100) .
(2) تقدم تخريجه ص 113.
(3) سورة التكوير، آية: 4.
(4) شرح صحيح مسلم للنووي (2 / 192) .
(5) التذكرة (2 / 794) ، وانظر لوامع الأنوار البهية (2 / 113) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *