تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » وظيفة شهر رجب.

وظيفة شهر رجب.

  • بواسطة

خرج من الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: ” إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان” وذكر الحديث قال الله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] فأخبر سبحانه أنه منذ خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار يدوران في الفلك وخلق ما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وجعل الشمس والقمر يسبحان في الفلك وينشأ منهما ظلمة الليل وبياض النهار فمن حينئذ جعل السنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال فالسنة في الشرع مقدرة بسير القمر وطلوعه لا بسير الشمس وانتقالها كما يفعله أهل الكتاب.

وجعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وذكر أنها ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو شهر رجب وهذا قد يستدل به من يقول أنها من سنتين وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعا: “أولهن رجب” وفي إسناده موسى بن عبيدة وفيه ضعف شديد من قبل حفظه وقد حكى أهل عن المدينة أنهم جعلوها من سنتين وأن أولها ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم ثم رجب فيكون رجب آخرها.

وعن بعض المدنيين: أن أولها رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم.

وعن بعض أهل الكوفة: أنها من سنة واحدة أولها المحرم ثم رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة واختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل؟ فقيل: رجب قاله بعض الشافعية وضعفه النووي وغيره وقيل: المحرم قاله الحسن ورجحه النووي وقيل: ذو الحجة روي عن سعيد بن جبير وغيره وهو أظهر والله أعلم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا” مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء كما قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: 37] وقد اختلف في تفسير النسيء فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر فيحرمونها بدلها ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا ثم من أهل هذه المقالة من قال: كانوا يحلون المحرم فيستحلون القتال فيه لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة ثم يحرمون صفر مكانه فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه ومنهم من قال: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونها صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين قاله ابن زيد بن أسلم وهو ضعيف وزيد بن أسلم ثقة وهو من رجال الصحيح وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعا ثم يدور كذلك التحريم والتحليل والتأخير إلى أن جاء الإسلام ووافق حجة الوداع صار رجوع التحريم إلى محرم الحقيقي وهذا هو الذي رجحه أبو عبيدة وعلى هذا فالتغير إنما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة وظاهر الآية يشعر بذلك حيث قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً} [التوبة: 36] فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله ثم من هؤلاء من قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا قاله مجاهد وأبو مالك قال أبو مالك: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا ويجعلون المحرم صفرا وقال مجاهد: كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون: صفرين لصفر وربيع الأول وربيع الآخر ثم يقولون: شهرا ربيع ثم يقولون: لرمضان شعبان ولشوال رمضان ولذي القعدة شوال ولذي الحجة ذو القعدة على وجه ما ابتدأوا وللمحرم ذو الحجة فيعدون ما ناسؤا على مستقبله على وجه ما ابتدأوا.

وعنه قال: كانت الجاهلية يحجون في كل شهر من شهور السنة عامين
فوافق حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة فقال: “هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض” ومن هؤلاء من قال: كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا وخمسة أيام قاله إياس بن معاوية وهذا العدد قريب من عدد السنة الرومية ولهذا جاء في مراسيل عكرمة بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر: ” والشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة: وهكذا وهكذا وهكذا” يعني ثلاثين فأشار إلى أن الشهر هلالي ثم تارة ينقص وتارة يتم ولعل أهل النسيء كانوا يتمون الشهور كلها ويزيدون عليها والله أعلم.

وقد قيل: إن ربيعة ومضر كانوا يحرمون أربعة أشهر من السنة مع اختلافهم في تعيين رجب منها كما سنذكره إن شاء الله تعالى وكانت بنو عوف بن لؤي يحرمون من السنة ثمانية أشهر وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرم الله.

واختلفوا في أي عام عاد الحج إلى ذي الحجة على وجهه واستدار الزمان فيه كهيئته: فقالت طائفة: إنما عاد على وجهه في حجة الوداع وأما حجة أبي بكر الصديق فكانت قد وقعت في ذي القعدة هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما وقد قيل: أنه اجتمع في ذلك العام حج الأمم كلها في وقت واحد فلذلك سمي يوم الحج الأكبر وقالت طائفة: بل وقعت حجة الصديق في ذي الحجة قاله الإمام أحمد وأنكر قول مجاهد واستدل: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا فنادى يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك وفي رواية “واليوم يوم الحج الأكبر” وقد قال الله تعالى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] فسماه يوم الحج الأكبر وهذا يدل على أن النداء وقع في ذي الحجة وخرج الطبراني في أوسطه من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان العرب يحلون عاما شهرا وعاما شهرين ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة واحدة: وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه فلما كان عام حج أبي بكر الصديق بالناس وافق في ذلك العام الحج فسماه الله يوم الحج الأكبر ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض” وقيل بل استدارة الزمان كهيئته كان من عام الفتح.

وخرج البزار في مسنده من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم الفتح: “إن هذا العام الحج الأكبر قد اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات واجتمع حج اليهود والنصارى في ستة أيام
متتابعات ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة” وفي إسناده يوسف السمتي وهو ضعيف جدا.
واختلفوا لم سميت هذه الأشهر الأربعة حرما؟.

فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم وجعل العمل الصالح والأجر أعظم قال كعب: اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم وقد روي مرفوعا ولا يصح رفعه وقد قيل: في قوله تعالى: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] أن المراد في الأشهر الحرم وقيل: بل في جميع شهور السنة وقيل: إنما سميت حرما لتحريم القتال فيها وكان ذلك معروفا في الجاهلية وقيل: إنه كان من عهد إبراهيم عليه السلام وقيل: إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكن من الحج والعمرة فحرم شهر ذي الحجة لوقوع الحج فيه وحرم معه شهر ذي القعدة للسير فيه إلى الحج وشهر المحرم للرجوع فيه من الحج حتى يأمن الحاج على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه وحرم شهر رجب للإعتمار فيه في وسط السنة فيعتمر فيه من كان قريبا من مكة.

وقد شرع الله في أول الإسلام تحريم القتال في الشهر الحرام قال تعالى: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن جندب بن عبد الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] الآية وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود في هذه الآية فذكروا هذه القصة مبسوطة وقالوا فيها: فقال المشركون: يزعم محمد أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام؟ فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى وأغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب وأنزل الله تعالى تعييرا لأهل مكة: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217] لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد وأصحابه وإخراج أهل المسجد الحرام حين أخرجوا منه محمدا أكبر من القتل عند الله وقد روي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه ومن رواية أبي سعد البقال عن عكرمة عنه ومن رواية الكلبي عن أبي صالح عنه وذكر ابن اسحاق أن ذلك كان في آخر يوم من رجب وأنهم خافوا إن أخروا القتال أن يسبقهم المشركون فيدخلوا الحرم فيأمنوا وإنهم لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: “ما أمرتكم في الشهر الحرم ولم يأخذ من غنيمتهم شيئا” وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فقال من بمكة من المسلمين: إنما قتلوهم في شعبان فلما أكثر الناس في ذلك قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217] الآية وروي نحو هذا السياق عن عروة والزهري وغيرهما وقيل بأنها كانت أول غنيمة غنمها المسلمون وقال عبد الله بن جحش في ذلك وقيل: إنها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

تعدون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صددوكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد

وقد اختلف العلماء في حكم القتال في الأشهر الحرم هل تحريمه باق أو نسخ فالجمهور: على أنه نسخ تحريمه ونص على نسخه الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذهبت طائفة من السلف: منهم عطاء: إلى بقاء تحريمه ورجحه بعض المتأخرين واستدلوا بآية المائدة والمائدة من آخر ما نزل من القرآن وقد روي: “أحلوا حلالها وحرموا حرامها” وقيل ليس فيها منسوخ وفي المسند: أن عائشة رضي الله عنه قالت: هي آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها حرام فحرموه وروى الإمام أحمد في مسنده حدثنا اسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزو فإذا حضره أقام حتى ينسلخ وذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر الطائف في شوال فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل بل صابرهم ثم رجع وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتى بلغه أن عثمان قتل فبايع على القتال ثم لما بلغه أن ذلك لا حقيقة له كف واستدل الجمهور بأن الصحابة اشتغلوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم بفتح البلاد ومواصلة القتال والجهاد.

ولم ينقل عن أحد منهم أنه توقف عن القتال وهو طالب له في شيء من الأشهر الحرم وهذا يدل على إجماعهم على نسخ ذلك والله علم.
ومن عجائب الأشهر الحرم ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إنه ذكر عجائب الدنيا فعد منها بأرض عاد عمود نحاس عليه شجرة من نحاس فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء فملؤا منه حياضهم وسقوا مواشيهم وزروعهم فإذا ذهب الأشهر الحرم انقطع الماء.

وقوله صلى الله عليه وسلم: “ورجب مضر” سمي رجب رجبا لأنه كان يرجب: أي يعظم كذا قال الأصمعي والمفضل والفراء وقيل: لأن الملائكة تترجب للتسبيح والتحميد فيه وفي ذلك حديث مرفوع إلا أنه موضوع وأما إضافته إلى مضر فقيل: لأن مضر كانت تزيد في تعظيمه واحترامه فنسب إليهم لذلك وقيل: بل كانت ربيعة تحرم رمضان وتحرم مضر رجبا فلذلك سماه رجب مضر رجبا فلذلك سماه رجب مضر وحقق ذلك بقوله الذي بين جمادى وشعبان وذكر بعضهم أن لشهر رجب أربعة عشر اسما: شهر الله ورجب ورجب مضر ومنصل الأسنة والأصم والأصب ومنفس ومطهر ومعلي ومقيم وهرم ومقشقش ومبريء وفرد وذكر غيره: أن له سبعة عشر اسما فزاد: رجم بالميم ومنصل الآلة وهي الحربة ومنزع الأسنة.

ويتعلق بشهر رجب أحكام كثيرة فمنها ما كان في الجاهلية واختلف العلماء في استمراره في الإسلام كالقتال وقد سبق ذكره وكالذبائح فإنهم كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمونها العتيرة واختلف العلماء في حكمها في الإسلام فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا فرع ولا عتيرة” ومنهم من قال: بل هي مستحبة منهم ابن سيرين وحكاه الإمام أحمد عن أهل البصرة ورجحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين ونقل حنبل عن أحمد نحوه.

وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن خنف بن سليم الغامدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعرفة: “إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية أو عتيرة” وهي التي يسمونها الرجبية وفي النسائي عن نبيشة أنهم قالوا: يا رسول الله إنا كنا نعتر في الجاهلية يعني في رجب؟ قال: “اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا لله وأطعموا” وروى الحرث بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرع والعتائر؟ فقال: “من شاء فرع ومن شاء لم يفرع ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر” وفي حديث آخر قال: “العتيرة حق” وفي النسائي عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله كنا.
نذبح ذبائح في الجاهلية يعني في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا بأس به” وخرج الطبراني بإسناده عن ابن عباس قال: استأذنت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم في العتيرة؟ فقال: “اعتر كعتر الجاهلية ولكن من أحب منكم أن يذبح لله فيأكل ويتصدق فليفعل”.

وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث وبين حديث: “لا فرع ولا عتيرة” بأن المنهي عنه هو ما كان يفعله أهل الجاهلية من الذبح لغير الله وحمله سفيان بن عيينة على أن المراد به نفي الوجوب ومن العلماء من قال: حديث أبي هريرة أصح من هذه الأحاديث وأثبت فيكون العمل عليها دونها وهذه طريقة الإمام أحمد وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال: ليس في الإسلام عتيرة إنما كانت العتيرة في الجاهلية كان أحدهم يصوم رجب ويعتر فيه ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسما وعيدا كأكل الحلوى ونحوها وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدا وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا وعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تتخذوا شهرا عيدا ولا يوما عيدا” وأصل هذا: أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد العام ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة.

ومن أحكام رجب ما ورد فيه من الصلاة والزكاة والصيام والإعتمار.

فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء ومن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري وأبو بكر بن السمعاني وأبو الفضل بن ناصر وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم إنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها.

وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة قال: في الجنة قصر لصوام رجب قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاغ وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “صم من الحرم واترك” قالها ثلاثا خرجه أبو داود وغيره وخرجه ابن ماجة وعنده: “صم أشهر الحرم” وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها منهم ابن عمر والحسن البصري وأبو اسحاق السبيعي وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إلي أن أصوم فيها وجاء في حديث خرجه ابن ماجة أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صم شوالا” فترك أشهر الحرم وصام شوالا حتى مات وفي إسناده انقطاع.

وخرج ابن ماجة أيضا بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب والصحيح وقفه على ابن عباس ورواه عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وقد سبق لفظه وروى عبد الرزاق في كتابه عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوم يصومون رجبا فقال: “أين هم من شعبان” وروى أزهر بن سعيد الجمحي عن أمه أنها سألت عائشة عن صوم رجب فقالت: إن كنت صائمة فعليك بشعبان وروي مرفوعا ووقفه أصح وروي عن عمر رضي الله عنه: أنه كان يضرب أكف الرجال في صوم رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب؟ إن رجبا كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان الإسلام ترك وفي رواية كره أن يكون صيامه سنة وعن أبي بكرة: أنه رأى أهله يتهيأون لصيام رجب فقال لهم أجعلتم رجب كرمضان وألقى السلال وكسر الكيزان.

وعن ابن عباس: أنه كره أن يصام رجب كله وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أياما وكرهه أنس أيضا وسعيد بن جبير وكره صيام رجب كله يحيى بن سعيد الأنصاري والإمام أحمد وقال: يفطر منه يوما أو يومين وحكاه عن ابن عمر وابن عباس وقال الشافعي في القديم: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان واحتج بحديث عائشة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل شهرا قط إلا رمضان قال: وكذلك يوما من بين الأيام وقال: إنما كرهته أن لا يتأسى رجل جاهل فيظن أن ذلك واجب وإن فعل فحسن.

وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهر آخر تطوعا عند بعض أصحابنا مثل أن يصوم الأشهر الحرم أو يصوم رجب وشعبان وقد تقدم عن ابن عمر وغيره صيام الأشهر الحرم والمنصوص عن أحمد أنه لا يصومه بتمامه إلا من صام الدهر وروي عن ابن عمر ما يدل عليه فإنه بلغه أن قوما أنكروا عليه أنه حرم صوم رجب فقال: كيف بمن يصوم الدهر وهذا يدل على: أنه لا يصام رجب إلا مع صوم الدهر.

وروى يوسف بن عطية عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجبا وشعبان ويوسف ضعيف جدا وروى أبو يوسف القاضي عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وربما أخر ذلك حتى يقضيه في رجب وشعبان ورواه عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى فلم يذكر فيه رجبا وهو أصح.

وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب ولا أصل لذلك في السنة ولا عرف عن أحد من السلف ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي خرجه مالك في الموطأ وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي ولم يعرف وقيل: بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه.

وبكل حال فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به وقد صرح مجاهد بجواز التعجيل على هذا الوجه وهو مقتضى إطلاق الأكثرين وخالف في هذه الصورة اسحاق نقله عنه ابن منصور وأما إذا حال الحول فليس له التأخير بعد ذلك عند الأكثرين وعن أحمد يجوز تأخيرها لانتظار قوم لا يجد مثلهم في الحاجة وأجاز مالك وأحمد في رواية نقلها إلى بلد فاضل فعلى قياس هذا لا يبعد جواز تأخيرها إلى زمان فاضل لا يوجد مثله كرمضان ونحوه وروى يزيد الرقاشي عن أنس: أن المسلمين كانوا يخرجون زكاتهم في شعبان تقوية على الإستعداد لرمضان وفي الإسناد ضعف.

وأما الإعتمار في رجب فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب فأنكرت ذلك عائشة عليه وهو يسمع فسكت واستحب الإعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضا ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه فإن أفضل الانساك أن يؤتى بالحج في سفرة والعمرة في سفرة.

أخرى في غير أشهر الحج وذلك جملة إتمام الحج والعمرة المأمور به كذلك قاله جمهور الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وغيرهم.
وقد روي: أنه في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في أول ليلة منه وأنه بعث في السابع والعشرين منه وقيل: في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروى بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد: أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب وانكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] .

وكان أهل الجاهلية يتحرون الدعاء فيه على الظالم وكان يستجاب لهم ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب مجاب الدعوة وغيره وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال عمر: إن الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض وإن الله جعل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وروى زائدة بن أبي الرقاد عن زياد التميمي عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان” وروي عن أبي إسماعيل الأنصاري أنه قال: لم يصح في فضل رجب غير هذا الحديث وفي قوله نظر فإن هذا الإسناد فيه ضعف وفي هذا الحديث دليل على استحباب الدعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا وخير الناس من طال عمره وحسن عمله وكان السلف يستحبون أن يموتوا عقب عمل صالح من صوم رمضان أو رجوع من حج وكان يقال: من مات كذلك غفر له كان بعض العلماء الصالحين قد مرض قبل شهر رجب فقال: إني دعوت الله أن يؤخر وفاتي إلى شهر رجب فإنه بلغني أن لله فيه عتقاء فبلغه الله ذلك ومات في شهر رجب.

شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة قال أبو بكر الوراق البلخي: شهر رجب شهر للزرع وشعبان شهر السقي للزرع ورمضان شهر حصاد الزرع وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح ومثل شعبان مثل الغيم ومثل رمضان مثل القطر وقال بعضهم: السنة مثل الشجرة وشهر رجب أيام توريقها وشعبان أيام تفريعها ورمضان أيام قطفها والمؤمنون قطافها جدير بمن سود صحيفته بالذنوب أن يبيضها بالتوبة في هذا الشهر وبمن ضيع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر.

بيض صحيفتك السوداء في رجب … بصالح العمل المنجي من اللهب
شهر حرام أتي من أشهر حرم … إذا دعا الله داع فيه لم يخب
طوبى لعبد زكى فيه له عمل … فكف فيه عن الفحشاء والريب
انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة واغتنام أوقاته بالطاعات له فضيلة عظيمة.
يا عبد أقبل منيبا واغتنم رجبا … فإن عفوي عمن تاب قد وجبا
في هذه الأشهر الأبواب قد فتحت … للتائبين فكل نحونا هربا
حطوا الركائب في أبواب رحمتنا … بحسن ظن فكل نال ما طلبا
وقد نثرنا عليهم من تعطفنا … نثار حسن قبول فاز من نهبا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *