تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » وظيفة شهر صفر.

وظيفة شهر صفر.

  • بواسطة

في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا عدوى ولا هامة ولا صفر” فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فمن أعدى الأول؟! “.

أما العدوى: فمعناها أن المرض يتعدى من صاحبه إلى من يقارنه من الأصحاء فيمرض بذلك وكانت العرب تعتقد ذلك في أمراض كثيرة منها الجرب ولذلك سأل الأعرابي عن الإبل الصحيحة يخالطها البعير الأجرب فتجرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فمن أعدى الأول” ومراده: أن الأول لم يجرب بالعدوى بل بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده وقد وردت أحاديث أشكل على كثير من الناس فهمها حتى ظن بعضهم أنها ناسخة لقوله: “لا عدوى” مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يورد ممرض على مصح”.

والممرض: صاحب الإبل المريضة والمصح: صاحب الإبل الصحيحة والمراد النهي عن إيراد الإبل المريضة على الصحيحة ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: “فر من المجذوم فرارك من الأسد” وقوله صلى الله عليه وسلم في الطاعون: “إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها” ودخول النسخ في هذا كما تخيله بعضهم لا معنى له فإن قوله: “لا عدوى” خبر محض لا يمكن نسخه إلا أن يقال: هو نهي عن اعتقاد العدوى لا نفي لها ولكن يمكن أن يكون ناسخا للنهي في هذه الأحاديث الثلاثة وما في معناها.

والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه لا نسخ في ذلك كله ولكن اختلفوا في معنى قوله: “لا عدوى” وأظهر ما قبل في ذلك: أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك ويدل على هذا قوله: “فمن أعدى الأول؟ ” يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره فكذلك الثاني وما بعده.

خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يعدي شيئا” قالها ثلاثا فقال أعرابي: يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فما أجرب الأول لا عدوى ولا هامة ولا صفر خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ورزقها” فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما دل عليه قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] فأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرض على المصح وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابا للهلاك أو الأذى.

والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان عافية منها فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم أو القدوم على بلد الطاعون فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره.
وقد روي في حديث مرسل خرجه أبو داود في مراسيله أن النبي صلى الله عليه وسلم: مر بحائط مائل فأسرع وقال: “أخاف موت الفوات” وروي متصلا والمرسل أصح وهذه الأسباب التي جعلها الله أسبابا يخلق المسببات بها كما دل عليه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 57] وقالت طائفة: إنه يخلق المسببات عندها لا بها.

وأما إذا قوي التوكل على الله تعالى والإيمان بقضائه وقدره فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كان مصلحة عامة أو خاصة وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم: أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: “كل باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه” وقد أخذ به الإمام أحمد وقد روي نحو ذلك عن عمر وابنه عبد الله وسلمان رضي الله عنهم.

ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: من أكل السم ومنه: مشى سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر ومنه: أمر عمر رضي الله عنه لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن يردها فدخل إليها في الغار التي خرجت منه فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكلهم عليه وثقتهم به.
ونظير ذلك دخول المغاور بغير زاد لمن قوي يقينه وتوكله خاصة وقد نص عليه أحمد واسحاق وغيرهما من الأئمة وكذلك ترك التكسب والتطبب كل ذلك يجوز عند أحمد لمن قوي توكله فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع وتدفع بها المضار كما قال الفضيل: لو علم الله إخراج المخلوقين من قلبك وتستدفع لأعطاك كل ما تريد وبذلك فسر الإمام أحمد التوكل فقال: هو قطع الإستشراف باليأس من المخلوقين قيل له: فما الحجة فيه؟ قال: قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار فعرض له جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.

فلا يشرع ترك الأسباب الظاهرة إلا لمن تعوض عنها بالسبب الباطن وهو تحقيق التوكل عليه فإنه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله وأنفع منها فالتوكل: علم وعمل والعلم: معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع والضر وعامة المؤمنين تعلم ذلك والعمل: هو ثقة القلب بالله وفراغه من كل ما سواه وهذا عزيز ويختص به خواص المؤمنين.

والأسباب نوعان:

أحدهما: أسباب الخير: فالمشروع أنه يفرح بها ويستبشر ولا يسكن إليها بل إلى خالقها ومسببها وذلك هو تحقيق التوكل على الله والإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [لأنفال: 10] ومن هذا الباب الإستبشار بالفال: وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبب لها وقل من فعل ذلك إلا وكل إليها وخذل فإن جميع النعم من الله وفضله كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النساء: 79] {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] .

لا نلت خيرا ما بعيت ولا عداني الدهر شر … إن كنت أعلم أن غير الله ينفع أو يضر

ولا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها ومقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: “أتدرون ما قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب” وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر” وهذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله وقضائه فمن أضاف شيئا من النعم إلى غير الله مع اعتقاده أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة ومع اعتقاد أنه من الله فهو نوع شرك خفي.

النوع الثاني: أسباب الشر: فلا تضاف إلا إلى الذنوب لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] فلا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب: كالعدوى أو غيرها والمشروع: اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل: اتقاء المجذوم والمريض والقدوم على مكان الطاعون وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه فإن ذلك من الطيرة المنهي عنها.

والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون وقوم صالح وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “لا طيرة” وفي حديث: “من ردته الطيرة فقد قارف الشرك” وفي حديث ابن مسعود المرفوع: “الطيرة من الشرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل” والبحث عن أسباب الشر من النظر في النجوم ونحوها من الطيرة المنهي عنها والباحثون عن ذلك غالبا لا يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر ومنهم من يشتغل بالمعاصي وهذا مما يقوي وقوع البلاء ونفوذه والذي جاءت به الشريعة هو ترك البحث عن ذلك والإعراض عنه والإشتغال بما يدفع البلاء من الدعاء والذكر والصدقة وتحقيق التوكل على الله عز وجل والإيمان بقضائه وقدره.

وفي مسند ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص التقى هو وكعب فقال عبد الله لكعب علم النجوم؟ فقال كعب: لا خير فيه قال عبد الله: لم قال ترى فيه ما تكره يريد الطيرة فقال كعب: فإن مضى وقال: اللهم لا خير إلا طيرك.

ولا خير إلا خيرك ولا رب غيرك فقال عبد الله: ولا حول ولا قوة إلا بك فقال كعب: جاء بها عبد الله والذي نفسي بيده: إنها لرأس التوكل وكنز العبد في الجنة ولا يقولهن عبد عند ذلك ثم يمضي ألا لم يضره شيء قال عبد الله: أرأيت إن لم يمض وقعد؟ قال: طعم قلبه طعم الإشراك.

وفي مراسيل أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس عبد إلا سيدخل قلبه طيرة فإذا أحس بذلك فليقل: أنا عبد الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لا يأتي بالحسنات إلا الله ولا يذهب السيئات إلا الله أشهد أن الله على كل شيء قدير ثم يمضي لوجهه”.

وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر مرفوعا: ” من رجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك وكفارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك” وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن عامر القرشي قال: ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “أحسنها الفال ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك” وخرجه أبو القاسم البغوي وعنده: “ولا تضر مسلما” وفي صحيح ابن حبان عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا طيرة والطيرة على من تطير” وقال النخعي قال عبد الله بن مسعود: لا تضر الطيرة إلا من تطير.

ومعنى هذا أن من تطير تطيرا منهيا عنه وهو أن يعتمد على ما يسمعه أو يراه مما يتطير به حتى يمنعه مما يريد من حاجته فإنه قد يصيبه ما يكرهه فأما من توكل على الله ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفا ورجاء وقطعه عن الإلتفات إلى هذه الأسباب المخوفة وقال ما أمر به من هذه الكلمات ومضى فإنه لا يضره ذلك.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا سمع نعق الغراب قال: “اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك” ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند انعقاد أسباب العذاب السماوية المخوفة كالكسوف بأعمال البر من الصلاة والدعاء والصدقة والعتق حتى يكشف ذلك عن الناس وهذا كله مما يدل على أن الأسباب المكروهة إذا وجدت فإن المشروع الإشتغال بما يوحي به دفع العذاب المخوف منها من أعمال الطاعات والدعاء وتحقيق التوكل على الله والثقة به فإن هذه الأسباب كلها مقتضيات لا موجبات ولها موانع تمنعها فأعمال البر والتقوى والدعاء والتوكل من أعظم ما يستدفع به.

ومن كلام بعض الحكماء المتقدمين: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بأقنان اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات وهذا على زعمهم واعتقادهم في الأفلاك وأما اعتقاد المسلمين: فإن الله وحده هو الفاعل لما يشاء ولكنه يعقد أسبابا للعذاب وأسبابا للرحمة فأسباب العذاب يخوف الله بها عباده ليتوبوا إليه ويتضرعوا إليه مثل: كسوف الشمس والقمر فإنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده لينظر من يحدث له توبة فدل على أن كسوفهما سبب يخشى منه وقوع عذاب وقد أمرت عائشة رضي الله عنها: أن تستعيذ من شر القمر وقال: الغاسق إذا وقب وقد أمر الله تعالى بالإستعاذة {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق:3] وهو الليل إذا أظلم فإنه ينتشر فيه شياطين الجن والإنس والإستعاذة من القمر لأنه آية الليل وفيه إشارة إلى أن شر الليل المخوف لا يندفع بإشراف القمر فيه ولا يصير بذلك كالنهار بل يستعاذ منه وإن كان مقمرا.

وخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعا: “لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح فإنها رحمة لقوم وعذاب لآخرين” ومثل اشتداد الرياح فإن الريح كما قاله صلى الله عليه وسلم: “من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب” وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح أن يسأل الله تعالى خيرها وخير ما أرسلت به ويستعاذ به من شرها وشر ما أرسلت به وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ريحا أو غيما تغير وجهه وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه ويقول: “قد عذب قوم بالريح” ورأى قوم السحاب فقالوا {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الاحقاف: 24] وأسباب الرحمة يرجى بها عباده مثل: الغيم الرطب والريح الطيبة ومثل المطر المعتاد عند الحاجة إليه ولهذا يقال عند نزوله: اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب.

وأما من اتقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها فإنه لا ينفعه ذلك غالبا كمن ردته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطير به فإنه كثيرا ما يصاب بما خشي منه كما قال ابن مسعود ودل عليه حديث أنس المتقدم وكمن اتقى الطاعون الواقع في بلده بالفرار منه فإنه قل أن ينجيه ذلك وقد فر كثير من المتقدمين والمتأخرين من الطاعون فأصابهم ولم ينفعهم الفرار وقد قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة: 243] وقد ذكر كثير من السلف: أنهم كانوا قد فروا من الطاعون فأصابهم وفر بعض المتقدمين من طاعون وقع فيما بينما هو يسير بالليل على حمار له إذ سمع قائلا يقول:

لن يسبق الله على حمار … ولا على منعة مطار
أو يأتي الحتف على مقدار … قد يصبح الله أمام الساري

فأصابه الطاعون فمات.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “لاهامه” فهو: نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أن الميت إذا مات صارت روحه أو عظامه هامة: وهو طائر يطير وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ: أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها ولكن الذي جاءت بها الشريعة: أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وترد من أنهار الجنة إلى أن يردها الله إلى أجسادها وروي أيضا أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “ولاصفر” فاختلف في تفسيره فقال كثير من المتقدمين: الصفر: داء في البطن يقال: إنه دود فيه كبار كالحيات وكانوا يعتقدون أنه يعدي فنفى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وممن قال هذا من العلماء: ابن عيينة والإمام أحمد وغيرهما ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: “لا عدوى” وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام وخصه بالذكر لاشتهاره عندهم بالعدوى وقالت طائفة: بل المراد بصفر شهر ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:

أحدهما: أن المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء فكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه وهذا قول مالك.

والثاني: أن المراد أن أهل الجاهلية كانوا يستيشمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشئوم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي عمن سمعه يقول ذلك ولعل هذا القول أشبه الأقوال وكثير من الجهال يتشاءم بصفر وربما ينهى عن السفر فيه والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهى عنها وكذلك التشاؤم بالأيام كيوم الأربعاء وقد روي أنه: “يوم نحس مستمر” في حديث لا يصح بل في المسند عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: دعا على الأحزاب يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر قال جابر: فما نزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت ذلك الوقت فدعوت الله فيه الإجابة أو كما قال.

وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة وقد قيل: إن أصله أن طاعونا وقع في شوال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس فتشائم بذلك أهل الجاهلية وقد ورد الشرع بإبطاله قالت عائشة رضي الله عنها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال فأي نسائه كان أحظى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة في شوال أيضا.

فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة” خرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد اختلف الناس في معناه أيضا فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت هذا الحديث أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إنما قال: كان أهل الجاهلية يقولون ذلك خرجه الإمام أحمد وقال معمر سمعت من يفسر هذا الحديث يقول: شؤم المرأة: إذا كانت غير ولود وشؤم الفرس: إذا لم يكن يغزى عليه في سبيل الله وشؤم الدار: جار السوء وروي هذا المعنى مرفوعا من وجوه لا تصح ومنهم من قال قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا شؤم وإن يكن اليمن في شيء ففي ثلاثة” فذكر هذه الثلاثة وقال هذه الرواية أشبه بأصول الشرع كذا قاله ابن عبد البر ولكن إسناد هذه الرواية لا يقاوم ذلك الإسناد.

والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث: ما ذكرناه في النهي عن إيراد المريض على الصحيح والفرار من المجذوم ومن أرض الطاعون إن هذه الثلاث أسباب قدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه ولهذا يشرع لمن استعاد زوجة أو أمة أو دابة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جلبت عليه ويستعيذ به تعالى من شرها وشر ما جبلت عليه كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرجه أبو داود وغيره وكذا ينبغي لمن سكن دارا أن يفعل ذلك وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم قوما سكنوا دارا فقل عددهم وقل مالهم أن يتركوها ذميمة فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهي عنه وكذلك من أتجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات فإنه يتحول عنه روى ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قال: من بورك له في شيء فلا يتغير عنه ففي المسند وسنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: “إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له”.

وأما تخصيص الشؤم بزمان دون زمان كشهر صفر أو غيره فغير صحيح وإنما الزمان كله خلق الله تعالى وفيه تقع أفعال بني آدم فكل زمان شغله المؤمن بطاعة الله فهو زمان مبارك عليه وكل زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشؤم عليه فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا كان الشؤم في شيء ففيما بين اللحين ـ يعني اللسان ـ وقال: ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان وقال عدي بن حاتم: أيمن أمر بي وأشأمة بين لحييه يعني لسانه ـ وفي مسند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “حسن الملكة نماء وسوء الملكة شؤم والبر زيادة في العمر والصدقة تمنع ميتة السوء” فجعل سوء الملكة شؤما وفي حديث آخر: “لا يدخل الجنة سيء الملكة” وهو من يسيء إلى مماليكه ويظلمهم.

وفي الحديث: “إن الصدقة تدفع ميتة السوء” وروي “من حديث علي مرفوعا: ” باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها” خرجه الطبراني وفي حديث آخر: “إن لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة” فالصدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه وكذلك الدعاء وفي الحديث: “إن البلاء والدعاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان إلى يوم القيامة” خرجه البزار والحاكم وخرج في الترمذي من حديث سلمان: “لا يرد القضاء إلا بالدعاء” وقال ابن عباس: لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر وعنه قال: الدعاء يدفع القدر وهو إذا دفع القدر فهو من القدر وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الأدوية والرقى هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: “هي من قدر الله تعالى” وكذلك قال عمر رضي الله عنه لما رجع من الطاعون فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله فإن الله تعالى قدر المقادير ويقدر ما يدفع بعضها قبل وقوعه وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء.

وفي حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” من قال حين يصبح ويمسي: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه بلاء” وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الشؤم سوء الخلق” وخرجه الخرائطي ولفظه: “اليمن حسن الخلق” وفي الجملة: فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب فإنها تسخط الله عز وجل فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة كما إنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة.
قال بعض الصالحين وقد شكي بلاء وقع في الناس فقال: ما أرى ما أنتم فيه إلا بشؤم الذنوب وقال أبو حازم: كل ما يشغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو عليك مشؤم وقد قيل:
فلا كان ما يلهي عن الله أنه … يضر ويؤذى إنه لمشؤم فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله واليمن هو طاعة الله وتقواه كما قيل:

إن رأيا دعا إلى طاعة الله … لرأى مبارك ميمون

والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسن المعصية ويزينها ويدعو إليها من شياطين الإنس وهم أضر من شياطين الجن قال بعض السلف: شيطان الجن نستعيذ بالله منه فينصرف وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية وفي الحديث: “يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” وفي حديث آخر: “لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي” ومما يروى لعلي رضي الله عنه:

فلا تصحب أخا الجهـ … ـل وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى … حكيما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذا ما المرء ماشاه
وللشيء على الشيء … مقاييس وأشباه
ولقلب على القلب … دليل حين يلقاه

فالعاصي مشؤم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس خصوصا من لم ينكر عليه عمله فالبعد عنه متعين فإذا كثر الخبث هلك الناس عموما وكذلك أماكن المعاصي وعقوباتها يتعين البعد عنها والهرب منها خشية نزول العذاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما مر على ديار ثمود بالحجر: “لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم ما أصابهم” ولما تاب الذي قتل مائة نفس من بني إسرائيل وسأل العالم: هل له من توبة؟ قال له: نعم فأمره أن ينتقل من قرية السوء إلى القرية الصالحة فأدركه الموت بينهما فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إليهم أن قيسوا بينهما فإلى أيهما كان أقرب فألحقوه بها فوجدوه إلى القرية الصالحة أقرب برمية حجر فغفر له.

هجران أماكن المعاصي وأخواتها من جملة الهجرة المأمور بها فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه قال إبراهيم بن أدهم: من أراد التوبة فليخرج من المظالم وليدع مخالطة من كان يخالطه وإلا لم ينل ما يريد.

احذروا الذنوب فإنها مشؤمة عواقبها ذميمة وعقوباتها أليمة والقلوب.

المحبة لها سقيمة السلامة منها غنيمة والعافية منها ليس لها قيمة والبليه بها لا سيما بعد نزول الشيب داهية عظيمة.

طاعة الله خير ما اكتسب العبد … ما هلاك النفوس إلا المعاصي
فكن طائعا لله لا تعصينه … فاجتنب ما نهاك لا تقربنه

إن شيئا هلاك نفسك فيه … ينبغي أن تصون نفسك عنه
يا من ضاع قلبه أنشده في مجالس الذكر عسى أن تجده يا من مرض قلبه احمله إلى مجلس الذكر لعله أن يعافى مجالس الذكر مارستان الذنوب تداوي فيها أمراض القلوب كما تداوي أمراض الأبدان في مارستان الذكر نزه لقلوب المؤمنين يتنزه فيها بسماع كلام الحكمة كما يتنزه أبصار أهل الدنيا في رياضها وبساتينها.

مجلسنا هذا خضرة في روضة الخشوع طعامنا فيه الجوع وشرابنا فيه الدموع ونقلنا هذا الكلام المسموع نداوي فيه أمراضا أعيت جالينوس ويختيشوع نسقي فيه ترياق الذنوب وفاروق المعاصي فمن شرب لم يكن له إلى المعصية رجوع كم أفاق فيه من المعصية مصروع وبرىء فيه من الهوى ملسوع ووصل فيه إلى الله مقطوع ما عيبه إلا أن الطبيب الذي له لو كان يستعمل ما يصف للناس لكان إليه المرجوع يا ضيعة العمران نجا السامع وهلك المسموع يا خيبة المسعى إن وصل التابع وانقطع المتبوع.

وغير تقي يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي الناس وهو سقيم
“يا أيها الرجل المقوم غيره. … هلا لنفسك كان ذا التقويم
ابدأ بنفسك فأنهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
كم ذا التمادي فها قد جاءنا صفر … شهر به الفوز والتوفيق والظفر
فابدأ بما شئت من فعل تسر به … يوم المعاد ففيه الخير ينتظر
توبوا إلى الله فيه من ذنوبكم … من قبل يبلغ فيكم حده العمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *