المكتبة العربية الكبرى
المزيد من الكتب على بلوقر المكتبة
×

المنتديات

منتديات المكتبة العربية الكبرى

أمين المكتبة

الأمومة والطفولة في الإسلام  2\7

أمين المكتبة

في 2020-10-11 19:20:30


عدد الردود : 0 عدد المشاهدات : 203

محمد أحمد العزب

وأول ما يبدو هنا حين نبغي مقارنة ، أو نهدف إلى موازنة . . . المجتمع الجاهلي ، الذي جاء الإسلام لتصحيح مفاهيمه وتعديل أوضاعه .

كيف كان وضع الأم في هذا المجتمع ؟

وكيف كانت رعاية الطفولة فيه ؟

أما كيف كان وضع الأم في المجتمع الجاهلي ؟ فأبسط ما يقال فيه . . . أنه وضع تؤهل له طبيعة عربية متأبية ، ترى في عراقة الأصل ، وطيب الوعاء ، وشموخ النسب . . . 

جحافل من المعاني تقاتل في حومة النزال مع الجحافل الضارية . . . 

حتى لقد كان مجرد تعريض الأم للون من ألوان الضعة ، أو شكل من شكول الهوان ، يثير في آفاق هذا المجتمع حربا ضارية ضروسا ، لا يعلم أحد ما مداها ،

 ولا إلى أي حد ينتهي بها الجماح ! !

ولقد حدثوا أن عمرو بن هند ملك الحيرة قال يوما لجلسائه : هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي ؟

قالوا : نعم . . أم عمرو بن كلثوم . قال . . ولم ؟ 

قالوا : لأن أباها مهلهل بن ربيعة ، وعمها كليب وائل أعز العرب . . وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب ، وابنها عمرو بن كلثوم وهو سيد قومه وليث كتيبته ، 

فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن تزور أمه أمه . 

فأقبل ابن كلثوم من الجزيرة في جماعة من بني تغلب ، وأقبلت " ليلى " أمه في ظعن منهم . . وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات ، 

وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا . . 

ودخل ابن كلثوم إلى جانب الرواق ، وكان بين الاثنين صلة نسب . . 

قالوا . وقد كان عمرو بن هند أوصى أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف . وتستخدم " ليلى " . 

فلما فعل قالت هند لزائرتها بعد أن اطمأن بها المجلس : ناوليني " يا ليلى " ذلك الطبق . . 

فقالت " ليلى " في نفور وأنفة : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ، 

فأعادت هند عليها وألحت . 

وإذ ذاك صاحت " ليلى " واذلاه : يا لتغلب! 

فسمعها ابنها فثار الدم في وجهه . . 

وانتقض انتفاضة المحموم وقال : لا ذل لتغلب بعد اليوم . 

ثم نظر حوله فإذا سيف معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره ،

 فوثب إليه مهتاجا وأطاح به رأس ابن هند !! وأنشد يومئذ معلقته مرتجلا :

أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا

بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا

تهددنا وأوعدنا رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا

على آثارنا بيض حسان ... نحاذر أن تقسم أو تهونا

إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا

ومهما يكن من أمر هذه الحادثة . . صدقا ، أو إحالة ، أو تزييفا . . . 

فإنها أبدا لا تفقد ظلالها الرائعة العميقة ، التي تؤكد دور الأم ومكانتها السامقة في هذا المجتمع الجاهلي العريض . . .

* * *

أرأيت كيف أن محاولة للتهوين من شأن " أم " كانت سببا في قتل ملك . . وثورة قبيلة ؟ 

إن مثل هذا المجتمع كان من غير شك يقدس الأمومة ، ويرى فيها حمى لا بد أن يحمى . . ومعنى خالدا كبيرا لا بد أن يصان . . .

 

* * *
 

قبائل تننتسب إلى أسماء نساء

وإذا أردنا مزيدا من الوثائق التاريخية التي تؤيد هذا المنزع ، وتزكي هذا الاتجاه . .

 فحسبنا أن نرجع إلى أسماء طائفة من قبائل العرب ، وبطونها . . لنرى كيف كانوا يعتزون حتى بالانتساب إلى الأم . .

ويرون في ذلك مفخرة لهم . . وتخليدا لذكراها . .

 وقلب معي صفحات التاريخ ، فستلتقي لا محالة برتل من هذه الأسماء : كبني الخندف . . وهي ليلى بن عمران القضاعية 

وعنها تشعبت بطون كثيرة من العرب كهذيل ، وكنانة ، وأسد . . 

وكأم الخندف : وهي ضرية بنت ربيعة بن نزار التي ينسب إليها حي ضرية . . 

وكبني جديلة : بنت مدركة بن إياس وإليها تنتسب قبيلة عدوان . . 

وكذلك بنو جندلة . . وبنو بجيلة . . وبنو العبدية . . ورقاش . . ومزينة وعفراء . . وباهلة . . وسلول . . والعبلات . 

رهط الثريا بنت عبد الله بن الحارث صاحبة عمرو بن أبي ربيعة نسبوا إلى أمهم عبلة بنت عبيد الله بن جاذب (1)

هذا قليل من كثير . . لو شئنا أن نتتبعه عبر أجيال العرب لما وسعنا مثل هذا البحث ، وليس من همنا أن نحشد هنا نقولا تاريخية مكدسة . .

 

فإنها ليست من غرضنا في هذا الصدد وإنما الذي نهدف إليه . . أن نستشف من خلال حادثة أو حوادث ، ما وراء النص من عوامل الفخر بالأم ، ونوازع التقديس لمكانتها ، وحوافز الثورة لما عساه أن يجرح كبرياءها الأصيل . .

حرص العربي على اختيار الأم

ولأن العربي كان يعرف وضع الأمومة وما يعكسه هذا الوضع على أبنائها من ظلال ، فقد حرص على أن ينتخب لأولاده أما لا تهون ،

ولا تطأطئ في مواقف الفخر ، ومجالات المباهاة . . قال أعرابي لبنيه : يا بني . . إني قد أحسنت إليكم صغارا ، وكبارا ، وقبل أن تولدوا . 

قالوا : وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد ؟ قال : اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها !!

قد يقال هنا : إن ذلك كان وحي شعور الرجل المؤمن بدونية المرأة . . إنه كان لونا من ألوان العطف على الكائن الأدنى ليستشعر الحياة . . ويحس الكرامة . . 

ولم يكن لذلك كله من أثر عميق في نفسية المرأة ينعكس على موقفها . . أو يورق في واقعها الحياتي . . 

فلقد كانت دائما تعيش في إطار من إحساسها العارم بدونيتها ؟!! 

ولكني لست من هذا الرأي . . ولا أستطيع أن أكون منه . . فليس بصحيح أن ذلك كان إحساس العربي " الرجل " فحسب . . بل كان كذلك إحساس العربية " الأنثى " . . 

كانت تعرف دورها كأم . . ومكانتها كصانعة أجيال ، ومن هنا فقد تأبت على كل ما يشدها إلى الحضيض ، أو يعفر جبهات أبنائها . .

حدثوا أن سلمى الغفارية وقعت في حبائل الأسر . . وتزوجها الشاعر الفارس عروة بن الورد ، وأنجب منها أولادا . . وأحبته ملء عيونها . . ووسع أشواقها . . 

ولكنها رغم ذلك كله حدثته ذات يوم قائلة : ألا ترى ولدك يعيرون بأمهم ويسمون بني الأخيذة ؟

قال : فماذا تريدين ؟ قالت : أن تردني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يسلمونني إليك !! 

هذا موقف من مواقف الصدق الفطري ، الذي يوائم طبيعة العربية الحرة ، حين تثور في أعماقها المتفتحة نوازع الاستعلاء على نوازع الهبوط . . 

وحين تنتصر في نفسها كرامة الإنسان على خوالج المحب العاشق المفتون . .

هذه نظرة عجلى نلقيها على مكانة الأم في المجتمع الجاهلي . .

 لنخلص من ذلك إلى أن الأمومة في كل طور من أطوار الزمن معنى تقدسه الأجيال ، ولو لم تقم على حراسته شريعة . . 

حتى ولو لم تؤكده رسالات الهداة المصلحين .

 

وصايا الآباء للأبناء 

 
وإليك وصية من وصايا مصر القديمة يوجهها والد إلى ولده فيقول : " يا بني " ضاعف الخير لأمك ، واحملها إن استطعت كما حملتك . . 

فطالما تحملت عبئك ولم تلقه علي ، وعندما التحقت بالمدرسة وتعلمت الكتابة فيها . . واظبت دوني على الذهاب إليك فالطعام والشراب من دارها كل يوم ،

 فإذا شببت وتزوجت واستقررت في دارك فضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك . وكيف حاولت أن تربيك بكل سبيل !!

هذه منزلة الأمومة في المجتمع الجاهلي . . وفي غيره من المجتمعات . . فهل كان للطفولة مثل هذه المنزلة ؟ 

أم أن الأمومة قد استأثرت بكل ما هنالك من عواطف الحب ، ومشاعر التكريم ؟ 

الذي نعرفه . . وتؤكده السواند التاريخية الصادقة ، أن مثل ما قد حظيت به الأمومة في المجتمع الجاهلي - لأنها سبب وجود ومعدة أجيال - قد حظيت به الطفولة في هذا المجتمع ؛ 

لأنها امتداد هذا الوجود ، ولأنها لبنات هذه الأجيال . . وهو وضع طبيعي لا ينبو عن فطرة البشر ، ولا يصادم حقائق الأشياء . . 

فهل أستطيع مثلا أن أعشق الأرض الخصبة وهي جرداء من كل شيء . . حتى ولو كانت في أطوائها طبيعة الخصب المعطلة ملء الوجود . .

 أم تراني أعانقها وأعشق ذراتها بعيوني حين تتفتح هنا عن ثمر . . وتبتسم هناك في شجر . . وتتألق في أرجائها الفساح آلاف الورود ؟ 

إنني أحبها هكذا . . لأنني أحب ما على صدرها الرحيب من معطيات . . فإذا جاء العربي وأحب الأمومة وبارك خطواتها البيضاء . .

 فلأنه يرى فيها طبيعة الأرض المثمرة ، أو طبيعة الشجرة المزهرة ، أو طبيعة الأنثى التي تنبثق من أعماقها براعيم الحياة .

__________

(1) انظر في هذا كتاب '' أم النبي '' للدكتورة بنت الشاطئ .

  1. الأمومة والطفولة في الإسلام 1\7

  2. الأمومة والطفولة في الإسلام  2\7

  3. الأمومة والطفولة في الإسلام  3\7

  4. الأمومة والطفولة في الإسلام  4\7

  5. الأمومة والطفولة في الإسلام  5\7

  6. الأمومة والطفولة في الإسلام  6\7

  7. الأمومة والطفولة في الإسلام  7\7

الرد متاح للأعضاء المسجلين في الموقع.