المكتبة العربية الكبرى
المزيد من الكتب على بلوقر المكتبة
×

المنتديات

منتديات المكتبة العربية الكبرى

أمين المكتبة

ثنائية المدينة والريف في شعر بدر شاكر السياب

أمين المكتبة

في 2021-05-19 08:12:06


عدد الردود : 0 عدد المشاهدات : 34

ثنائية المدينة والريف في شعر بدر شاكر السياب
 خيرة جريو
جامعة جيلالي ليابس/ سيدي بلعباس/الجزائر
الخلاصة
تعد ثنائية المدينة والريف من الظواهر البارزة في الشعر العربي المعاصر، وقد تجلّت في أعمال بدر شاكر السيّاب بشكل لافت للانتباه،كون هذا الشاعر القروّي عانى كثيرا من وطأة الحاضر في كنف المدينة، هذه الأخيرة التي ولدّت لديه نوعا من الغربة الذاتية، والشعور بالكآبة والإحساس بالضّياع،فجاءت قصائده تعجّ بسخطه من المدينة وجوّها التّعيس، في مقابل حنينه الدائم إلى قريته جيكور رمز الطّهر والنقاء.
وعليه،كان وقوفنا على هذه الثنائية: المدينة/ الريف محاولة منّا معرفة كيفية تعامل الشاعر مع هذه الثنائية، وكيفية تشكّل هذه الظاهرة المهمّة من خلال رؤيته وتجربته الشعرية.
الكلمات الدالة:
السياب، الريف، المدينة، ثنائية.
متن البحث:المدينة والريف عاملان أوجدتهما الحضارة الإنسانية، حتى وإن كان الريف(البادية) صاحب الأسبقية في الوجود، فإن المدينة ستظل كذلك مظهرا من مظاهر الرقي الإنساني خلال(كرونولوجيا) الحياة الممتدة منذ تلك الأزمنة الغابرة إلى وقتنا الحالي.
وعلى الرغم من كون هذا العالم متناقضا، مترامي الأطراف، بقي الريف- في الأعم الأغلب- محافظا على تقاليده السامية،فهو مصدر الراحة والطمأنينة والسكون، ومتنفس البشر في لحظات الضيق والشدة، في حين أن المدينة تظل ساحة شديدة الصراع والفوضى، يشعر المرء فيها بنوع من الانعزال، والتفرد بين الزحام و(اللا استقرار)، فهو الصامت في أعماقه، المقهور في ذاته، قد يحمل البأس والتعاسة معه كظل ملازم له، فالمدينة الجديدة تحطم اليوم حياة القرية، وتحولها إلى مدينة رغما عنها.
ومن هنا تأتي أهمية أن نتناول هذين الحيزين المكانيين في إطارهما الزمني بنوع من التفصيل.
المدينة:إن المدينة في تعريفها الشائع عبارة عن تجمع سكاني كبير عكس الريف، إذ تعد "مسكن الإنسان الطبيعي، وهي المكان الإنساني الأفضل المبني لسعادته"(1)، وقد وردت في القرآن الكريم أكثر من مرة من حيث إن "لفظة المدينة في القرآن الكريم ترد كمرادف للفظة(القرية)، وهي مركز السلطة ومستقر الحكام"(2)، فقد كانت مركزا للتجارة يتم فيها البيع والشراء. يقول عزّ وجلّ:﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾(3). 
وقد تحدث عنها كثير من الأدباء من خلال أعمالهم الأدبية، فكان وجودها جليا في الأدب الحديث والمعاصر، إذ تعد من الموضوعات العصرية التي اشترك فيها معظم الشعراء المعاصرين، وكانت مصدر اهتمامهم منذ ديوان(مدينة بلا قلب) لـ(أحمد عبد المعطي حجازي)، إلى ديوان(قلبي وغازلة الثوب الأزرق) لـ(محمد إبراهيم أبو سنة)،"فالمدينة بوصفها ظاهرة مكانية خاضعة للتطور الزمني وذات وظائف حياتية مسطرة قبليا، ركز عليها الأدب المعاصر وشحنها برموز وأبعاد ودلالات مختلفة، لتصبح ذات دلالات فكرية معقدة نسبيا"(4).
وأخالنا لا نجانب الصواب إذا ما ذهبنا إلى القول إن الشعر العربي المعاصر قد طرح موضوع المدينة بشكل واسع وجاد، فقد خلقت في نفسية بعض الشعراء نوعا من اليأس والكآبة وانعدام الأمن والإحساس بعدم التوازن النفسي وغير ذلك من الأمراض النفسية العصرية وخير مثال على ذلك شاعرنا(بدر شاكر السياب).
تعود العناية بموضوع المدينة إلى تأثر الشعراء العرب بالثقافة الغربية، بخاصة قصيدة(الأرض الخراب) لـ(إليوت) كما أشار إلى ذلك(عز الدين إسماعيل) الذي حث فيها على العودة إلى القرية حيث الصفاء، والبراءة، والابتعاد عن المدينة لما "يشيع فيها من نقمة على وجه الحضارة الحديثة وما أحدثته من تمزق للنفس الإنسانية وللعلاقات الإنسانية التي تربط بين الناس"(5).
ويعد بدر شاكر السياب من بين الشعراء الذين نقموا على المدينة "حيث كانت المدينة تبدو كئيبة، قبيحة الوجه أمام الشاعر ترسف في أغلال العبودية وتمارس مع أهلها الظلم والاستعباد"(6)؛ لأنها كانت تنسيه ذكريات الريف ونعمه، فمأساوية الحاضر "وضعته في خوف مستمر من الجريمة، وفي معاناة ضميرية إزاء فئات المومسات والمنحرفين والسكارى ومدمني المخدرات والضائعين من الأطفال والمتسولين والناشلين والطفيليين، وفي سخط دائم على تعقيدات البيروقراطية، والرشوة والسلطة و(الأتيكيت) الاجتماعي المشوب بكثير من النفاق"(7).
فالمدينة في نظر السياب مهما كانت واحدة لا تتغير، فهي مملوءة بالرذائل والاعتداءات، إذ يقول(8):
لتثمر بالرنين من النقود، وضجة السفر
وقهقهة البغايا والسكارى في ملاهيها
فقد كانت تولد لديه الشعور بالاغتراب والعزلة، وكان يخشى أن يضيع في شوارعها وأزقتها الكبيرة، فلم يستطع أن يتلاءم مع بغداد وبيئتها الملوثة "فكأن للمدينة يدا تضغط على أنفاسه وتكاد أن تجهز عليه"(9)، وظل السياب يحلم بـ(جيكور) والعودة إليها، فراح يرثي الماضي كله ويرثي نفسه، فهو يرى أن المدينة هي الخصم الأبدي لقريته (جيكور)، أما حديثه عن دروب المدينة فهو يحدد فيه معنى الضياع(10)، إذ يرى "أنها حبال تخنق أنفاسه، بل إنها تستحيل حبالا من النار تحرق الحقول وتقتل في نفسه فرح القرية وهناءها ولا تخلق فيها إلا الحقد والضغينة"(11).
لقد عانى السياب كثيرا من صدمة زمن الحاضر(المدينة)، حيث رجع إلى (جيكور) ووجدها قد تغيرت فهو لم يستطع أن يحب المدينة أو يأنس إلى بيئتها، فنجده يقول في قصيدته(جيكور والمدينة)(12):
وتلتف حولي دروبُ المدينة
حبالا من الطين يمضُغْن قلبي، ويُعْطِين عن جَمْرةٍ فيه طينة
حبالا من النار يَجْلِدْن عري الحقولِ الحزينة
ويَحْرِقْنَ جَيْكُورَ في قاع روحي، ويزرعْنَ فيها رماد الضَّغينة
وتبدو لنا صورة المدينة هنا غاية في الرعب، وكأن لها يدا تضغط على أنفاس الشاعر، فتولد لديه مشاعر القسوة، والغربة والعزلة بحيث "لم يستطع السياب أن يقيم جسرا من التفاهم – أو المودة- بينه وبين المدينة التي قضى فيها أكثر عمره"(13).
والسياب في قوله(14):
أهذه مدينتي جريحة القباب
فيها يهوذا أحمر الثياب
يسلّط الكلاب
على مهود إخوتي الصغار والبيوت
تأكل من لحومهم وفي القرى تموت
عشتار عطشى ليس في جبينها زهر
وفي يديها سلة ثمار حجر
يبدو يائسا من الحياة بين جدران هذه المدينة، وقد يتخذ منها رمزا للاستبداد والقسوة، وبذلك تمثل له(بغداد) صورة المبغى الكبير، حيث تفقد القيم كلها ويتحرر الإنسان من قيود الأخلاق جميعها، فقد غدت المدينة في نظره سيئة قبيحة الوجه، كل ما فيها يعبر عن الحزن والآلام، وهو فيها كالمكفوف الذي لا يرى إلا ظلام عينيه، حيث إنها حاصرته وضغطت على قلبه وأعصابه فلم ير فيها إلا تلك الصورة السوداء، فنجده يقول(15):
بعد أن سمروني وألقيت عيني نحو المدينة:
كدت لا أعرف السهل والسور والمقبرة،
كان شيء، مدى ما ترى العين،
كالغابة المزهرة.
كان، في كل مرمى، صليب وأم حزينة
قدس الرب.
هذا مخاض المدينة
ويصف السياب في أبيات أخرى من قصيدته(المبغى)، نفسه بالطين الذي يعجن ليكون تمثالا يوضع في مكان ما، فهو يعيش في المدينة ويحلم بأشياء مثالية لا وجود لها على أرض الواقع، أحلام تشبه أحلام المجانين(16): 
ونحن في بغداد من طين
يعجنه الخزّاف تمثالا
دنيا كأحلام المجانين 
ونحن ألوان على لجّها المرتجّ أشلاء وأوصالا
وهذا يدل على أن السياب لم يستطع العيش في المدينة ولم يتمكن من التأقلم مع زمنه الحاضر الذي سبب له الأسى وزرع في قلبه الكراهية، ولذا فهو يود استرجاع ماضيه بغية الهروب من هذا الحاضر المؤلم. يقول في قصيدته(العودة إلى جيكور)(17):
على جواد الحلم الأشهب
أسريت عبر التلال 
أهرب منها، من ذراها الطوال، 
من سوقها المكتظ بالبائعين
من صبحها المتعب
من ليلها النابح والعابرين، 
من نورها الغيهب
من ربها المغسول بالخمر
من عارها المخبوء بالزهر
من موتها الساري على النهر
ومن خلال هذه الأبيات اتضحت لنا صورة المدينة وسوقها المكتظ "فأبرز خصيصة للسوق هنا، هي الاكتظاظ، ثم سيطرة منطق البيع، كقيمة تنبني عليها المعاملة بين الناس،وهي قيمة تشير إلى ما هو مادي، في حين أنها تهمش كل روحي"(18).
ولعل تجربة السياب في المدينة هي أولا وقبل كل شيء تجربة زمانية، ذلك أن الزمن هو العامل الأساس المحرك للأحداث، فالإحساس به هو الشيء الذي يميز المدينة ومدى انعكاسه على نفسية الشاعر، "فالزمن عامل جوهري في حياة أولئك (الأناس) الذين يعيشون في المدينة، بل هو ميزان العلاقات بينهم[...]، الزمن هو السيف المسلط على رقاب الجميع في المدينة، في سباقهم الذي لا ينتهي"(19).
وفي هذا السياق نقول إن مأساة السياب في المدينة تكمن في مأساته مع الحاضر، ومن الحاضر، يقول في قصيدته(المعبد الغريق)(20):
تهزّأ بالزمان، يمر ليل بعد الليل، وهو ما غابا
ففيم غرور هذا الهالك الإنسان، هذا الحاضر المشدود بالأرجل؟
وشكّلت المدينة في ذهن السياب صورة مشوشة أدركها من خلال انقلابات الزمن،وربما من أجل هذا، لم يجد بدّا من العودة – ولو ذهنيا- إلى منبع الصفاء والبساطة، مكان الطفولة الأولى ونعني الريف.
الريف:
يعد الريف ذلك الوسط الاجتماعي الصغير قليل الكثافة، ويطلق عليه عادة اسم القرية، و"إن القرية هنا هي مجتمع البراءة والبساطة والصفاء"(21). 
وتوحي لنا كلمة(ريف) بمعان كثيرة وصور متعددة، كما يقول حنا الفاخوري، فهو "القرية الساكنة والجبل الشامخ والوادي الظليل، وهو الحقول المتماوجة، والمياه المتدفقة ألحانا وهو المواشي السارحة والطيور الصادحة والهواء الريان"(22)، وقد حدث أن وصفه الشعراء والأدباء وتغنوا به في أشعارهم بشوق وحنين بكل ما فيه من راحة البال والسكينة والاطمئنان.
و لعل السياب واحد من هؤلاء الشعراء الدين تغنوا بالريف وبأنعامه، فقد نظم عدة قصائد حول قريته(جيكور)، فهو حين يتحدث عنها "يرثي الماضي كله ويرثي نفسه وهو يستشرف الموت"(23)، مما يجعلنا نلمح في قصائده نوعا من الزمن النفسي، فقد اختار السياب العودة إلى الماضي والعيش فيه بدلا من الحاضر التعيس؛ ولهذا نجده في معظم قصائده يائسا(24):
آه جيكور، جيكور؟ 
ما للضحى كالأصيل
يسحب النور مثل الجناح الكليل
ما لأكواخك المقفرات الكئيبه
يحبس الظل فيها نحيبه
أين أين الصبايا يوسوسن بين النخيل
عن هوى كالتماع النجوم الغريبه؟
أين جيكور؟
جيكور ديوان شعري
موعد بين ألواح نعشي وقبري
فقد حن السياب إلى جيكور وإلى ملاعب الصبا، ولعل هذا الإحساس زاد حين ازداد نفوره من المدينة وكرهه لها،"فالحنين إلى الماضي هو رد فعل يولده رعب الحاضر"(25)، فهو يرى في(جيكور) رمزا للعطاء والمحبة ومواطن الإيحاء والإلهام، يقول في قصيدته(دار جدي)(26):
أأشتهيك يا حجارة الجدار، يا بلاط، يا حديد، يا طلاء
أأشتهي التقاءكن مثلما انتهى إلي فيه؟
أم الصّبا صباي والطفولة اللعوب والهناء
فالسياب عانى كثيرا من ويلات الزمن الذي غيّر من جيكور، فقد كان شاعرنا هو والقرية مرتبطين كالتوأمين بمراحل الولادة الصبا والشباب والاكتهال، وحين رأى السياب نفسه في مرآة القرية التي أحبها ندت عنه صرخة تقول: جيكور شابت،لقد كان يحلم حين عاد إليها أن يعيش - كما عاش الطفل القديم- في(ظل النخل) الذي يمتد وينبع فيئه(كأهداب طفل)، ولكن الحيرة تملكته بإزاء هده المسافة التي قطعتها (جيكور) في الزمن"(27)، فنجد السياب يتحدث إلى(جيكور) مستغربا عن الزمن(28): 
جيكور ماذا؟ أنمشي نحن في الزمن
أم أنه الماشي
ونحن فيه وقوف
أين أوله
وأين آخره 
هل مر أطوله 
أم مرّ أقصره الممتد في الشجن
فالسياب فضّل العيش في كنف الريف بدلا من المدينة التي امتلأت بمنظر القتل والحرق والصلب، فهو بذلك يفضل زمن الماضي على زمن الحاضر فقد "يواجهنا الشاعر بنوع من الزمن المشوش حين يخلط فيه الأمس بالغد وعيا موجودا، مع إغفال تام للحاضر"(29). 
ومن هنا نرى أنه كثير التمسك بقريته(جيكور). يقول في قصيدته(أفياء جيكور)(30):
جيكور، جيكور، يا حقلا من النور
يا جدولا من فراشات نطاردها
في الليل، في عالم الأحلام والقمر
فـ(جيكور) في نظره هي المحبة والألفة، هي انتصار على العنف والأنانية، وهي صحة وشرف وصدق، وهي تعبير عن زمن الهدوء والاطمئنان، وسترة لزمن الحاضر الكئيب "هكذا يتخذ المكان شخصية زمنية"(31).
إن المتتبع لشعر السياب يدرك كيف أصبحت(جيكور) جزءا من نفسيته، وأنه اتخذها رمزا للعراق، فلولا السياب ما كان لـ(جيكور) هذه مكانا في الدراسات الأدبية المعاصرة، فقد كان حضورها جليا في أعماله الشعرية. يقول مثلا في قصيدته جيكور أمي(32):
تلك أمي وإن أجئها كسيحا
لاثماً أزهارها والماء فيها، والترابا
ونافضا بمقلتي أعشاشها والغابا
تلك أطيار الغد الزرقاء والغبراء يعبرن السطوحا
وينشّرن في بويب الجناحين كزهرة يفتح الأفوافا
ولعل عودة السياب إلى(جيكور) "كانت بفعل عاملين رئيسين، الأول: مزاحمة المدينة وصدها لهذا الريفي الذي لا يحسن ولا يملك من الحياة غير قول الشعر[...] أما العامل الثاني: فهو النزوع الرومانسي المتأصل إلى عالم الطفولة والبراءة والبساطة"(33)، فكانت(جيكور) في رأيه نقيض كل ما هو رديء في المدينة.
في شعر السياب نحس بالحنين إلى الريف وإلى زمن الماضي، فصدمة السياب بالمدينة أو بالأحرى بالزمن الحاضر جعلته يعيش قلقا  مستمرا، الأمر الذي جعله دؤوبا على إحياء ماضيه إذ "لا يمكن إحياء الماضي إلا بتقييده بموضوعة شعورية حاضرة بالضرورة"(34).
وزاد من تأزم وضع السياب عندما رجع إلى(جيكور) ووجدها قد تغيرت، وفقدت براءتها، فكانت عودته إليها مثل "عودة الابن الضال ولكن إلى بيت أصابه الخراب"(35)، فنجد السياب في قصيدته العودة لـ(جيكور) يخاطبها متسائلا(36):
جيكور، جيكور أين الخبز والماء؟
الليل وافى قد نام الأدلاّء
والركب سهران من جوع ومن عطش
والريح صرّ، وكل الأفق أصداء
ونجده في أبيات أخرى يتحسر، فيقول(37): 
أواه يا جيكور لو تسمعين!
أواه يا جيكور لو توجدين
لو تنجبين الروح، لو تجهضين
كي يبصر الساري
نجما يضيء الليل للتائهين
وهذا ما يوضّح أن خطاب السياب الشعري يؤكد "فقدان الاحساس بالحصانة إزاء القوة التدميرية للزمن والخضوع لتياره الجارف، ومن ثم سيطر حس الفناء على وجدانه، وسيادة اللحن الجنائزي ولوعة التحسر"(38)، فالسياب و(جيكور) قضى عليهما الزمن،وأصبح كل منهما مدمرا فـ"السياب قتلته، ولوثته المدينة، كما أحاطت بجيكور دروب المدينة ولوثتها،وبات مستحيلا إعادتهما إلى الطهارة البكر، فالقرية جيكور ونتيجة لما حصل من تغيرات وعدوان المدينة عليها أخلاقيا وماديا، لم تعد المكان الذي يحقق حلم الإنسان بالكمال"(39)، ففي قصيدته(جيكور شابت) يقول(40):

جيكور شابت وولى صباها
وأمسى هواها
رمادا إذا ما 
تأوّهن هزّته ريح
ومن هذا ننطلق إلى فكرة أساس تتمثل في العلاقة المستحيلة بين الريف والمدينة، بل التضاد الموجود بينهما، فالسياب وقف منبهرا أمام حاضره(المدينة) الذي هو دائم التعبير عن الاغتراب النفسي والاجتماعي الذي أصابه، لذا اتجه نحو عالم الريف يتغنى به ويمجد بساطته وبراءته فـ"الريف في تضاده مع المدينة يأخذ صيغة عالم يقع فيما عدا عالم(الهنا) العالم الذي له طبيعة حلم متمنع يغري – تحت قهر الواقع- بالسفر الشعري الدائم إليه، والمحرك لعملية توالد الدلالات والصور"(41).
إن هذه الثنائية المكانية(المدينة/ الريف) غدت لدى الشاعر ثنائية زمنية (حاضر/ ماض) لذا نؤكد "أن الذات الشاعرة تتوزع بين موقعين مكانيين، ونوعين زمنيين، مكان القرية المنشود بزمنه الماضي، ومكان المدينة المرفوض بزمنه الحاضر، ومن شأن هذا التوزع أن يولد تخلخلا في وتيرة الزمن وعدم انتظام في إيقاعه، مما يسبب للذات الشاعرة قلقا ووحشة، وتمزقا وضياعا"(42).
فالإحساس بعامل الزمن شيء مرتبط بالحياة الإنسانية، فلا حياة بدون تسلسل زمني، فالإنسان يمر بمراحل هي الماضي والحاضر ثم المستقبل، وهذا ما رأينا بعض تجلياته في شعر السياب الذي حاول كثيرا إحياء ماضيه وتذكر أيام طفولته ولهوه التي ضيعها بالمدينة، يقول غاستون باشلار:"لا ذكريات بدون هذا الزلزال الزمني"(43).
ويبدو لنا- إجمالا- أن مأساة الشاعر في المدينة(الحاضر) دفعته إلى الحنين إلى الريف(الماضي)، فقد كانت المدينة في نظره هي دائما ذلك الخصم الأبدي لـ(جيكور). 
الهوامش
1- دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في اشكالية التلقي الجمالي للمكان، قادة عقاق، اتحاد كتاب العرب، دمشق، 2001: 19.
2 - م. ن:30.
3- سورة الكهف/ 19.
4- دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في اشكالية التلقي الجمالي للمكان: 20.
5- الشعر العربي المعاصر- قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عز الدين إسماعيل، دار العودة، بيروت، ط3، 1981: 326.
6- م. ن:147.
7- اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د. إحسان عباس، دار الشروق، عمان، الأردن، ط2، 1992: 90.
8- ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، 1971: 133.
9- بدر شاكر السياب شاعر الأناشيد والمراثي، إيليا حاوي، دار الكتاب البناني، بيروت، ط2، 1980: 4/19.
10- ينظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر:95.
11- بدر شاكر السياب شاعر الأناشيد والمراثي:18.
12- ديوان بدر شاكر السياب:414.
13- اتجاهات الشعر العربي المعاصر:96.
14- ديوان بدر شاكر السياب:473.
15- م. ن:451.
16- م. ن: 451.
17- م. ن: 420.
18- دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في اشكالية التلقي الجمالي للمكان:287.
19- الشعر العربي المعاصر- قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية:331.
20- بدر شاكر السياب، الديوان:178.
21- الريف في الشعر العربي الحديث- قراءة في شعرية المكان، الأخضر بركة، دار الغرب، وهران، 2002: 81.
22- الجديد في الأدب العربي، حنا الفاخوري، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1964: 2/203.
23- اتجاهات الشعر العربي المعاصر:94. 
24- ديوان بدر شاكر السياب:206.
25- الريف في الشعر العربي الحديث:54.
26- ديوان بدر شاكر السياب:144. 
27- بدر شاكر السياب- دراسة في حياته وشعره، د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط5، 1983: 387.
28- ديوان بدر شاكر السياب، الديوان:188.
29- دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في إشكالية التلقي الجمالي للمكان:374.
30- ديوان بدر شاكر السياب:656.
31- حركية الإبداع- دراسات في الأدب العربي الحديث، د. خالدة سعيد، دار العودة، بيروت، ط1، 1979: 30.
32- ديوان بدر شاكر السياب:656.
33- يوتوبيا الرجل الفقير، طراد الكبيسي، مجلة الآداب، بيروت، ع2، 1996: 44.
34- جدلية الزمن، غاستون باشلار، تر: خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983: 47.
35- يوتوبيا الرجل الفقير: 45.
36- ديوان بدر شاكر السياب:422
37- م. ن:423.
38- دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في اشكالية التلقي الجمالي للمكان:141.
39- يوتوبيا الرجل الفقير: 45.
40- ديوان بدر شاكر السياب:207. 
41- الريف في الشعر العربي الحديث:92.
42- دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في اشكالية التلقي الجمالي للمكان:141.
43- جدلية الزمن:47.
مصادر البحث ومراجعه
* القرآن الكريم.
* اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د. إحسان عباس، دار الشروق، عمان، الأردن، ط2، 1992.
* بدر شاكر السياب- دراسة في حياته وشعره، د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط5، 1983.
* بدر شاكر السياب شاعر الأناشيد والمراثي، إيليا حاوي، دار الكتاب البناني، بيروت، ط2، 1980.
* جدلية الزمن، غاستون باشلار، تر: خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983.
* الجديد في الأدب العربي، حنا الفاخوري، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1964.
* حركية الإبداع- دراسات في الأدب العربي الحديث، د. خالدة سعيد، دار العودة، بيروت، ط1، 1979.
* دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر- دراسة في إشكالية التلقي الجمالي للمكان، قادة عقاق، اتحاد كتاب العرب، دمشق، 2001.
* ديوان بدر شاكر السياب، دار العودة، بيروت، 1971.
* الريف في الشعر العربي الحديث- قراءة في شعرية المكان، الأخضر بركة، دار الغرب، وهران، 2002.
* الشعر العربي المعاصر- قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عز الدين إسماعيل، دار العودة، بيروت، ط3، 1981.
* يوتوبيا الرجل الفقير، طراد الكبيسي، مجلة الآداب، بيروت، ع2، 1996.
 

مواضيع مشابهة في منتديات المكتبة العربية الكبرى

  1. حديث اسكنوا المدن ولو جارت
  2. من سكن القرى
  3. صحة حديث القرى المحفوظة
  4. لماذا الرسل من أهل المدن
  5. حديث شريف عن السكان
  6. حديث عن أهل الْقُرَى
  7. بارك الله لمن كان بدوي وتحضر
  8. خير أمتي في المدن
الرد متاح للأعضاء المسجلين في الموقع.