المكتبة العربية الكبرى
المزيد من الكتب على بلوقر المكتبة
×

المنتديات

منتديات المكتبة العربية الكبرى

أمين المكتبة

مفهوم الجمال من المنظور الإسلامي وبعض النظريات الغربية

أمين المكتبة

في 2021-05-25 08:16:42


عدد الردود : 10 عدد المشاهدات : 32

مفهوم الجمال من المنظور الإسلامي وبعض النظريات الغربية المعاصرة (دراسة مقارنة)


الملخص:


 هدفت الدراسة تسليط الضوء على المنطلقات الفكرية للتربية الجمالية فـي التـصور الإسلامي، والتعرف على المنطلقات الفكرية للتربية الجمالية في بعض النظريات الغربية المعاصرة، كما أوضحت مواضع الاتفاق والاختلاف حول صورة التربية الجمالية في كل من الفكرين الإسلامي و الغربي المعاصر، وقد استخدم الباحث المنهج الوصفي التأصيلي التحليلي، وقد خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج منها بروز الأصالة والاستقلالية في التربية الجمالية في التصور ا لإسلامي، ، لقد ثبت لكل مـن الفلاسـفة المـسلمين والمعاصرين القيم الإنسانية العليا (الحق، والخير، والجمال) وجعلوهـا هـدفاً أسـمى ، فالجمال الإسلامي ابتعد عن محاكاة الواقع ، أما النظريات الغربية المعاصرة فقد اهتمـت بالمحاكاة الكلاسيكية ، وكذلك الحال بالنسبة للمادية والا نطباعية في محاكاة الطبيعة ، أكد كل من الفكرين الإسلامي والغربي أن كل جمال له قيمة، كما أظهر كلا الفكرين مجموعة دوافع للجمال عند الإنسان هي : الدافع الديني ، والنفـسي ، والاجتمـاعي ، والتـاريخي ، والعلمي، والتربوي لم يتم الالتفاف المنشود إلى غنى وتنوع المساهمات الج مالية فـي التراث الإسلامي المكتوب ، كما لم يحصل الانفتاح المتوخى على ما أنتجه الغـرب فـي ميدان تلكم الثقافة بصورة جادة وهادفة " الفن للفن " الذي تقوم عليـه آراء ونظريـات كثيرة من المدارس الغربية المعاصرة تتعارض مع التصور الإسلامي للكـون والحيـاة والإنسان، بينما الف ن الإسلامي يقوم على الأصالة والوضوح فـي التعبيـر ، وارتبـاط الموضوع التعبيري بالمجتمع.


كلمات مفتاحية:

التربية الجمالية، التصور الإسلامي، الغربي المعاصر.

المقدمة:

لم يكن الفلاسفة العرب بمعزل عن الحركات الأدبية والفنية والفلسفية الـسائدة في أي عصر من العصور؛ لهذا نجد أن هناك تواصل بين الحركات الفنيـة و الفلـسفية بغض النظر عن المنهج الفلسفي الذي تنتمي إليـه تلـك الحركـات ، والجمـال أحـد الموضوعات الفلسفية الشائكة من وجهة النظر الفلسفية التي تناولتها جميع المـدارس بشيء من التفصيل ، وقد كان لهما نصيب من اهتمام الفلاسفة العرب (المسلمين) علـى غرار غيرها من الموضوعات ال سائدة والحائزة على اهتمام الفلاسفة بغض النظر عـن انتمائهم الفلسفي. (عاشور والزعبي، ٢٠٠٩ .


ويزعم البعض أن للدين الإسلامي دور في الحد من انتشار بعض أنواع الفنـون بسبب النظرة الدينية لتلك الأعمال من ناحية التحريم والإباحية ، غير أنة لا يوجد مـن ينكر ما تركته ال حضارة الإسلامية على الحضارات الأخرى في مجالات متعـددة . ومـن الجدير بالذكر أن الحضارة العربية المتطورة أثرت تأثيراً كبيراً على عمليـة التكـوين الروحي عند الشعوب الأوربية وتركت هذه الحضارة بالطبع أثراً على النظريات الناشئة في علم الجمال الغربي (أبو شعيرة، ٢٠٠٧ .)


 لذا كان موقف الإسلام من الفن والجمال موقفا إيجابياً بل خاطـب الإنـسان كمخلوق ذواق للجمال؛ ففي حضارة المسلمين الفنية نجد تراثاً ضـخماً مـن الأشـكال والموضوعات الجمالية؛ فالمساجد ومآذنها وجدرانها وما فيها من زخارف وخط ونحت لوحات فنية تصور النموذج الجمالي ال ذي أطلقة الإسلام ، كما تصور قدرة الفنان المسلم وحريته الفنية، والزخارف المعمارية والأواني والمصوغات والأزياء والخط والرسم كلها تعابير جمالية تعكس طبيعة الروح الحضارية لدى المسلمين وهذا النمط من الفن المعبر عن الجمال ، له أصوله وقواعده الفكرية والفقهية، ففي القران الكريم والروايات الواردة  عن النبي صلى االله عليه وسلم نجد الحث على حب الجمال واقتناء الأشـياء الجميلـة ، وتذوق معانيها (الخوالدة والترتوري، ٢٠٠٦ .)


وتحدث القر آن الكريم عن الزينة والجمال، واستنكر المواقف الرافضة للتمتع بما أبدعه الخالق في عالم الطبيعة وم ا وهبه لعباده ، قال تعالى : {قل من حرم زينة االله التي أخرج لعباده والطيبات مـن الرزق ، قـل هي للـذين آمنـوا في الحياة الدنيا خالـصة يوم القيامة } (الأعراف، ٣٢ (وفي الحديث النبوي الشريف ، نجد الدعوة إلـى الجمـال بأعلى صورة ، حيث نجده في قول الرسول صلى االله علية وسلم "إن االله جميـل يحـب الجمال" (رواه مسلم ، رقم ١٦٨٦ ،(ويتعالى موضوع الجمال في التـصور الإسـلامي ، ويتسع فيشمل العقل والسلوك والمعنى الذي يحمله ، اللفظ وليس الشكل الفنـي لـلأداء اللفظي فحسب ، فصنفت الأفعال الإنسانية إلى حسن وقبيح ، وبالرغم من كون موضـوع الجمال يتخذ صفة العمومية الظاهرية التي يتحدث بها كافة الناس بصرف النظر عـن تخصصاتهم الأكاديمية والاجتماعية إذ يرتبط علم الجمال ارتباطاً مباشراً بالفلسفة بـل يكاد يكون أكثر المفاهيم الفلسفية إشكالية ، ولا يخلو أي مؤلف مرتبط بالفلـسفة مـن التطرق للجمال سواء بصورة مباشرة أم غير مباشرة حيث عـد ّعلـم الجمـال مـن الموضوعات التي تناولتها الفلسفات المختلفة بل أنه ومع تطـور التجربـة الانـسانية واتساعها زاد الاهتمام بدراسة علم الجمال.


والإسلام فقد جاء ليلفت الأذهان والقلوب والعقول جميعا إلى الجمال الحقيقي ، وليس معيار الجمال في الإسلام بهاء الصورة وحسن الطلعة والتناسق بـين أعـضاء الجسم، وليس منطلقه الرائحة الطيبة تنبعث من صاحبها ، إنه الـدين الـذي لا يغفـل الفطرة، بل يذكيها وينميها ويحض أهله ومتبعيه على أن يعملوا وفق الدلالات الدعوية المباشرة، ولهذا ف ليس غريبا أن نقرأ أن الرسول صلى االله عليه وسلم كان يرجل شعره ويغسل ثوبه ويهذِّب شكل عمته إذا وضعها حتى يبدو مظهره العام على أفـضل شـكل وأحسن طلعة ، وكذا كان سائر الصحابة رضوان االله عليهم سوى من زهد مـنهم فـي الدنيا على وجه الإطلاق من أمثال أبي ذر الغفاري رضي االله عنه ، وكان عليه الـسلام يقول: " حبب إلى من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة "، ومع كل هذا لم يكن يصل به وبرجالاته حب الجمال والتهيئة البهية إلى حد الإغراق في هذه الطيبات التي تنقلب عند الإكثار منها في غير فائدة إلى خبائث ، بل حـص لوا فـي ذلـك التوازن الجميل فلا إفراط في مثل هذه المج ملات ولا تفريط بتركها بحيث تبـدو هيئـة أحدهم حسنة غير منفّرة ورائحتهم طيبة غير شائنة.


(فالجمال - في الإسلام - من معالم الهداية والموعظة والتربية ، لكـن إنمـا يتعامل معه القلب السوي لا المقلوب ، وهذه الحقيقة ترجع بقضية الجمال إلى أن تكون قضية إيمانية محضة ، لا ي ؤهل للإمامة فيها والقيادة وإنشاد شعرها والتغني بمضامينها غير مؤمن عامر الفؤاد نقي الحنان ، وأما الكافر والعاصي والجاهـل والظـالم فإنمـا يحومون في المحيط الأبعد ، ولا يستطيعون مقاربة مركز الجمال ، إذ المركز حكر لمتألهٍ شكور) (الراشد، ٢٠٠٢ ،ص٣١ )


وتعد فلسفة الجم ال قديمة قدم التفكير الفلسفي ، كما أن هي قبل كل شيء مشكلة فلسفية رغم محاولة التوصل لحلها في العصور الحديثة بـالطرق العلميـة والمنـاهج التجريبية. فمن الحقائق السيكولوجية المعروفة إن المرء لا تتكامل شخصيته إلاّ إذا تمتع بالعقل السليم والتفكير الراجح من جهة ، وبالوجدان المبلور حول قيم دينية وأخلاقيـة وجمالية من جهة أخرى ، أما بالنسبة للقيم فإن الجمال يحتل في نطاقها مكانة ممتـازة ، فالإنسان يتأثر بما هو جميل ، كما أنه يبدع الجمال ويؤثر به في الآخرين ، ولـولا مـا يستشعره المرء من جمال في العالم المحيط به، و فيما يقوم بإبد اعه من أشياء جميلة ، لما استطاع أن يطيق الحياة ، ولما كان لها أي مذاق يستسيغه ويستمتع به . فكل ما هو جميل يبعث على إشاعة السرور والارتياح في النفس ، ويجعل المرء مقبلاً على التفاعل مع البيئة الطبيعية والاجتماعية من حوله . وهذا هو جوهر عملية التنشئة الاجتماعيـة السليمة، وهو الغاية القصوى من العملية التربوية بأسرها (مطر، ١٩٩٥ .)


 كما تؤكد النظريات التربوية المعاصرة أن الطفل يولد مزوداً بغريـزة حـب الجمال وحب الاطلاع؛ فالإنسان بفطرته يحب كل جميل وينجذب إليه بنفس درجة انجذابه لكل ما هو غير مألوف لديه وعلى هذا الغرض من التربية الجمالية هو أن تربـى فـي الطفل حب الجمال، ومن ثم تنشئته على تقدير الجمال والإعجاب به، وأخيراً تنشئته على المقدرة على إصدار الحكم الجمالي وتذوقه، وهذا يدفعنا إلى التأكيد على ضرورة التربية في عملية التنشئة الجمالية ، ولا يتعارض هذا مع فطرية حب الجمال في الإنـسان ، لأن حب الجمال يبقى محتاجاً ً إلى الرعاية والتنشئة ، كما أن التذوق الجمالي هو أقرب إلى الاكتساب منه إلى الفطرية، لأن الطفل يولد في بيئة يتفاعل معها بدءاً من البيئة المنزلية مروراً بكافة البيئات الطبيعية والاجتماعية الأخرى (الخوالدة والترتوري، ٢٠٠٦ .)
 

أمين المكتبة
أمين المكتبة 2021-05-25 08:27:45

مفهوم الجمال من المنظور الإسلامي وبعض النظريات الغربية

في هذا المقال :

  1. مشكلة الدراسة وتساؤلاتها
  2. أهداف الدراسة
  3. أهمية الدراسة
  4. حدود الدراسة
  5. مصطلحات الدراسة
  6. منهج الدراسة

 

مشكلة الدراسة وتساؤلاتها:

تحظى التربية الجمالية باهتمام في الأوساط التربوية حيث أصبحت جزءاً مهمـاً من مناهج المؤسسات التعليمية نظراً لأهميتها في النمو المتكامل للشخـصية بمختلـف جوانبها: العقلية والنفسية والجسدية والانفعالية والاجتماعية ، وتعد التربيـة ال جماليـة العامل الأكثر تأثيراً في صقل التذوق الجمالي الموجود أصلاً عند كل فرد والـذي يملك القابليـة التامـة للنمو والتدريب والتهذيب، لذلك يمكن البداية مع الجمال أو العيش في كنفه وخلق ظروفه بالوسائل الجمالية الطبيعية والفنية يجب التخطيط لها وإدراجها في سلم أو لويات تعاملنا مع بعضنا البعض ، وموضوع الدراسة جذب اهتمام الباحـث مـن خلال تدريسه لمساقات في التربية الفنية وتخطيط المناهج حيث وجد أن هنـاك عامـل مؤثر في التربية وهو عنصر الجمال ، وحرصاً من الباحث تسليط الضوء على التربيـة الجمالية كونها لم تحظى بالدراسة المستفيضة المعمقة وخاصة فيما يتعلـق بالتربيـة الجمالية من منظور التصور الإسلامي والفلسفات الغربية المعاصرة ، فـرأى ضـرورةتسليط الضوء عليها لتكون نواة دراسات تربوية معمقة على مستوى رسائل الماجستير والدكتوراه، ومن هنا حددت مشكلة الدراسة بالأسئلة الآتية:

١ .ما المنظور الإسلامي إلى الجمال؟
٢ .ما هي صورة الجمال في النظريات الغربية المعاصرة؟
٣ .ما هي أوجه الاتفاق والاختلاف بين نظرة كل من التصور الإسلامي والفكر الغربـي
المعاصر إلى الجمال، بحيث تتمثل فيها الأصالة والمعاصرة؟


أهداف الدراسة:

 سعت هذه الدراسة لتحقيق الأهداف الآتية:

١ .التعرف على المنطلقات الفكرية للتربية الجمالية في التصور الإسلامي.
٢ .التعرف على المنطلقات الفكرية للتربية الجمالية في بعض النظريات الغربيـة المعاصرة.
٣ .التعرف على مواضع الاتفاق والاختلاف حول صورة التربية الجمالية في كـل من الفكريين الإسلامي و الغربي المعاصر.


أهمية الدراسة:

 تكمن أهمية الدراسة في النقاط الآتية:

١ .بيان التصور الإسلامي للتربية الجمالية.

٢ .إبراز القواعد الفكرية التي تبنى عليها التربية الجمالية فـي الفكـر الغربـي المعاصر.

٣ .تناول الدراسة لجانب محدد وهو التربية الجمالية في الفكر التربوي ، بالإضافة إلى حاجة المهتمين في الجانب التربوي والثقافي إلى تعزيز القيم الجمالية في فلسفات التربية والتعليم، في المناهج الدراسية.

٤ .التقليل من ندرة الدراسات والإنتاج المعرفي في هذا المجال ، أو فيما يتعلق في الاختيارات والمقاييس الجمالية. 

٥ .استخلاص القواسم المش تركة المتعلقة بالتربية الجمالية في التكوين الإسلامي والغربي المعاصر بحيث يفيد منها القائمين على اتخاذ القرارات فـي العمليـة التعليمية في مجتمعنا المعاصر.


حدود الدراسة:

 الاقتصار على أبعاد الجمال من المنظور الإسلامي وبعض الفلسفات الغربية.


مصطلحات الدراسة:

رأى الباحث ضرورة تحديد المصطلحات الواردة في عنوان الدراسة على النحو الآتي:

١ .التربية الجمالية : هي تكوين القدرة على التفكير الجمالي، وهي حـصيلة طريـق طويل مليء بالإحساس الجمالي ، وطرق تذوقه وتنبيه الوعي وقوة الملاحظة ، وقياسات التجارب، بالإضافة إلى تو اجد المثالية الجمالية والحكم الجمالي والتقدير الفني والتذوق الفني.

٢ .التصور الإسلامي: هو التميز الفكري الذي وجد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وضمن الكتابات التربوية، والتي جاءت عن طريق مؤلفات أو رسائل أو وصايا وإشارات متناثرة في مواضع شتى من الإبداعات والمؤلفات الإسلامية، أنشأها مجموعة من المفكرين من تخصصوا في الجانب التربوي، أو في غيره من جوانب الحياة العلمية.

٣ .الفلسفات الغربية المعاصرة: هي مجموعة الأفكار التربوية التي أنتجها فكر علماء التربية والمعنيون بها في العصر الحاضر، وما أوصوا به فيما يتعلق بالتربية الجمالية، بما يتفق ويتواءم مع المستجدات التربوية المعاصرة.


منهج الدراسة:

 استخدام الباحث في دراسته منهجين من مناهج البحث هما:

١ .منهج البحث الأصولي : الذي يعرف على أنه القواعد العامة والمعايير والبحوث العلمية التي يتوصل بها المجت هد إلى استنباط الأحكام من الأدلة التفصيلية . وفيه يقـوم الباحث ببذل أقصى جهد عقلي ونفسي عند دراسته النصوص بهدف استخراج مبـادئ
تربوية مدعمة بالأدلة الواضحة (صالح، ١٩٩٩)

٢ .المنهج الوصفي التحليلي : وهو الذي يعتمد علـى جميـع البيانـات وتحليلهـا ومعاينتها واستخراج ا لاستنتاجات منها ذات الدلالة والمغزى بالمغزى بالنسبة للمشكلة المطروحة (غباري، وأبو شعيرة، ٢٠٠٩ .
 

 


أمين المكتبة
أمين المكتبة 2021-05-25 08:29:01

دراسات سابقة:

 فيما يتعلق بالدراسات والبحوث التي تناولت التربية الجماليـة مـن منظـور التصور الإسلامي والغربي ، فقد وجد الباحث أنها تعاني من ندرة خصوصاً مـا يتعلـق بالبحث عن منهجية تربوية جمالية تدعم القيم الجمالية ، وتوجهها الوجهة الـصحيحة ،
وتنميته لدى الإنسان المسلم المعاصر بطريقة سليمة . ويعرض الباحث أهم الدراسـات ذات الصلة المباشرة بموضوع الدراسة التي تم العثور عليها في الأدب التربوي، ومنها:

دراسة سيد (١٩٩٨ (والتي هدفت الكشف عن القيم الجمالية الأخلاقية فـي أدب الجاحظ. وقد اعتمد الأسلوب التحليلي للتوصل لما يتضمنه أدب الجاحظ من قيم جمالية وأخلاقية، وكان من أهم ما توصلت إليه الدراسة أن الجاحظ لم يكن أديباً عادياً بقدر ما كان فيلسوفاً جمالياً طبيعياً مبدعاً.

وأشار القاضي (١٩٩٨ (بدراسته التي هدفت إلى إبراز التربية الجماليـة فـي الإسلام من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، والأقوال المأثورة، استخدم فيها الباحث المنهج الوصفي ، وقد خلصت إلى أن كل أساليب التربية الإسلامية تـسير نحو تحقيق رسالة االله في الأرض و نشر العدالة والأمن بين الناس سواء أكان داخلياً أم خارجياً، والجمال يحرك الهمم إلى التدبر في ملكوت االله ، كما توصل إلى أثر الجمال في المسلم داخلياً الذي يجعل سلوكه قائماً على أساس من الرقـة والإحـساس والتـذوق الجمالي.

وفي دراسة قام بها الريسوني وحمادة والقدم يري (١٩٩٩ (هدفت إلى البحث في التربية الجمالية وأثرها في حفظ البيئة ، استعرض الباحثون المظاهر الجمالية مـن خلال القرآن والسنة النبوية ، وتوصلوا إلى أن أهم المظاهر الجمالية التي لفتت إليهـا الدراسة هي جمال الخلقة البشرية، ومظاهر الجمال في الكون والمخلوقات.
 وقام العزب (٢٠٠٠ (بدراسة هدفت التحدث عن الجمال كمـصطلح إسـلامي ، وعن الجمال والعلاقات الإنسانية ، والنظر إلى الجمال كمصطلح إسلامي ، وعن الجمـال كقيمة شوهها الخابطون ، استخدم الباحث فيها المنهج التـاريخي مـستعيناً بالوصـف والتحليل، وقد خلص إلى أن الجمال؛ كالحب ، مصطلح ظ لمه الاستعمال العرفي ، فـأحجم حتى الفاهمون عن تداوله أو التعامل الفكري معه ، وأن الجمال ينبغي أن يظـل منـاط الإعجاز في الخلق الإلهي ، لا أن يصير مناط التعلق الجسدي ، أو مناط الخلق في حقائق الأشياء، وأن الجمال كما يتبدى في الطبيعة الصامتة، والطبيعة الصائتة، يتبدى كذلك في الكائن البشري الذي يعطي جماله لساناً ، فإذا هو يتحدث إلى الكون بآلاء واهب الجمال ، وإذا هو يحدد مسيرة العقل في اتجاهه إلى الأعلى بدءاً من نقطة جمالية معينة ، وانتهاء إلى عالم الجمال والجلال والكمال. 
أما دراسة رمال (٢٠٠١ (فقد هدفت إلى الكشف عن القي م البيئية الإسـلامية ، وعن دور التربية الإسلامية في تنميتها لدى الإنسان المسلم ، واتبعت الدراسة المـنهج التحليلي الكيفي والمقارن ، وتوصلت الباحثة إلى أن علاقة الإنسان بالبيئة كما يحـددها الإسلام ليست علاقة عداوة ، وإنما صداقة وتعايش وأن القيم البيئية تنحصر في أ ربعـة أقسام هي: قيم المحافظة، وقيم الاستغلال وقيم التكيف والاعتقاد وقيم الجمال، وتبين من نتائج الدراسة أن دور التربية الإسلامية في تنمية هذه القيم يتم مـن خـلال الأسـاس العقدي والبصيرة البيئية والجمالية عبر وسائط ثقافية متعددة.

وقامت ريان(٢٠٠١ (بدراسة هدفت إلى دراسة واقع منهج التربية الجماليـة للطفل وقد تناولت هذه بعض جهود المفكرين الجماليين المعاصرين المتناغمة مع ثقافة المجتمع والأفكار السائدة في مجتمع ومعتقداته وعاداته وفنونه وأخلاقه وأساليب حياته، كما ساق مجموعة من الأمثلة من المفكرين كهربرت ريد، و إتيان سوريو، أوريـنش وتحدثت الباحثة فيه عن وسائل ومصادر التربية الجمالية للطفل في الأسـرة والبيـت ووسائل الإعلام، ووضعت بعض آفاق الجمالية والثقافية للطفل العربي، وقد توصـلت الدراسة إلى أن التربية لابد لها أن تهتم بالمناخ الأسري المناسب للتربيـة الجماليـة للطفل، وكذلك إن للإذاعة والتلفزيون دور بإثراء المادة الفنية للطفل التي تسهم في بناء ذوقه الجمالي بل وقدرته على الإبداع.

وهدفت دراسة جمعة (٢٠٠٣ (التأكيد على مدى فاعلية احتواء منهج التربية الفنية في التعليم العام على النقد الفني والتذوق الجمالي في بناء الشخصية المتكاملـ ة لدى تلاميذ المدارس للتفاعل من خلالها في تكوين اتجاهات جمالية ترفع من مـستوى الذوق العام، والارتقاء الجمالي بسلوكيات التلاميذ تجاه البيئة المدرسية ومـا حولهـا .
وقد تحدث الباحث عن الاتجاهات الحديثة في مجال تعليم الفن، والجمال وكذلك موقـع التذوق الجمالي والنقد الفني في الثقافة الفنية، وكذلك إبراز أهمية التذوق الجمالي في تنمية القدرات الإبداعية عند التلاميذ، وبين دور النقد الفني في بناء شخصية التلميـذ تربويا وفنيا وكشف عن أثر التذوق الجمالي في تنمية التفضيل الجمالي لدى التلاميـذ ، وكذلك دور المعارض والمتاحف فنيا وثقافيا وتذوقيا، وبيان جماليات البيئة الطبيعيـة ، وكيفية تقديم الرؤية الفنية للطفل وهذا وقد توصلت الدراسة إلى ضـرورة الاهتمـام بمناهج التربية الفنية بالتعليم العام بوضع مساحة لدراسة النقد الفني والتذوق الجمالي للفنون للارتقاء بمستوى الذوق العام لدى النشء، كذلك تقوية القدرة على بسط الطابع الجمالي في سلوك التلاميذ ضرورة جعل التربية الجمالية ذات طابع حيوي يتفاعل معها التلميذ من آن وآخر بنوع من الحب والارتقاء في السلوك والعلاقات الاجتماعية السوية ويتكون عنده القدرة أيضا على النقد والتحليل وإبداء الرأي الجمالي. 

وهدفت دراسة الشربيني (٢٠٠٣ ) إلى التعرف إلى نوعية الرسوم المقدمة في مجلة علاء الدين ، إضافة إلى القيم التربوية والقيم الجمالية التي تعكسها تلك الرسـوم ، وكيفية تعبير رسامي قصص الأطفال ورسامي الأطفال عما يريدونه فضلاً عـن مـدى ارتباط القيم التربوية بالقيم الجمالية التي كشفت عنها تلك الرسوم، وذلك من خلال طرح مجموعة من الأسئلة ، وتوصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج أهمها حصول قيمـة الحب على أكبر عدد تكرارات من بين القيم التربوية أي في المرتبة الأولى، وكانت قيمة التعاون في المرتبة الثانية كقيمة تربوية أما في القيمة الجمالية فقـد كـان الأسـلوب التعبيري هو المسيطر على كافة الرسوم.

 وقام قماش (٢٠٠٣ ،) بدراسة هدفت البحث في منهجيـة التربيـة الجماليـة والتذوق الفني من منظور إسلامي كما وضحها القرآن الكريم واستخدم الباحث المنهج الوصفي التحليل لاستنباط مبادئ التربية الجمالية في الإسلام من القرآن الكريم والسنة النبوية، وتوصلت الدراسة إلى أن التذوق والنقد الفني من منظور إسلامي هو من صميم مفهوم العقيدة وأن الإسلام اعتنى عناية بالغة بموضوع الجمـال ، فالجمـال والتربيـة الجمالية طريق إلى معرفة االله ، كما أن التربية الجمالية تربي في الإنسان سم و الـذوق الذي يتجسد في أنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية.

 وأوضح الحبيب (2006 ) بدراسته إلى بيان تفسيرات الفلاسفة الغربيين لمفهوم المعيار الجمالي وبيان وجهات نظرهم حول المقصود بالجمال وقيمة الفـن والمتعـة ، وتناولت الدراسة الخلاف بين المدارس الفرنسية والإنجليزية والتحليلية في المعيـار الجمالي ونسبية ذاتية الجمال، وكذلك آرائهم في الجمال هل هو مفهوم ذاتي أم مفهوم مطلق واختلافهم في المعيار القياسي والمقاسات الشخصية في الزمان والمكان، وقـد توصلت الدراسة إلى ضرورة تقديم معلومات أكثر عن معايير القيم الجمالية والمدارس النفسية والتربوية حول هذا الموضوع.

 أما دراسة موسى (٢٠٠٧ ) فقد هدف إلى الحديث عن القيمة الجمالية بمفهومها الواسع عند بعض الفلاسفة وعند بعض علماء المسلمين أمثال أفلاطون، أرسطو، كانط، هيجل، ماركس، التوحيدي. وبين الباحث الجدلية الجمالية عند العلماء حـول جمـال المعرفة وجمال القيمة، وكذلك تكامل العلاقة الجمالية بين العـدل والحـق والأخـلاق والجمال والتوافق بين الفكر والوجود، كما بينت الدراسة ضـرورة ترسـيخ الثقافـة الجمالية والفنية؛ لأن هذا لا يكمن أهميته فقط في تثقيف الـذوق وترقيتـه وترهيـف الإدراك وتقويته وإخصاب الخيال وإثرائه وتنمية ذكاء وقدرة الإنـسان علـى الخلـق والابتكار والملاحظة والاستيعاب والتفكير بل كذلك في تحذير بعض القيم معاييرا جمالية في تنظيم وانسجام ووضوح واتزان وتناغم واعتدال في وجودنا وإحـساسا وحدسـا وتفكيرا، وهي معايير نحن في أمس الحاجة إليها لأن علاقة الفكـر بالجمـال علاقـة متلازمة وطيدة.

وأشارت دراسة سليم (٢٠١٠ ) إلى بيان الاجتهادات والآراء حـول مـصادر التربية الجمالية، وكذلك الآراء حول ترتيب هذه المصادر، وبين أن الديانات السماوية والفلسفات القديمة تحدثت عن هذا الموضوع، وتناولت الدراسة التربية الجمالية فـي المأكل والملبس وفي النظام والنظافة والطهارة، وكذلك في جماليات الصوت، والسلوك الحياتي كما تحدث الباحث عن أساليب التربية الجمالية مثـل أسـلوب أداء العبـادات ، القصة، القدوة، النصح والموعظة، أساليب الترغيب والترهيب، أسلوب تكوين العـادة ، وقد خلصت الدراسة إلى أن التربية الجمالية تحتل مكانة مهمة في حياة الفرد والمجتمع وأن مصادرها متعددة لا تعتمد على مصدر واحد.

 يلاحظ من الدراسات السابقة أن هناك دراسات تناولت التربية الجماليـة مـن منظور إسلامي بجوانب محددة ، ونظراً لقلة الدراسات في مجال التربية الجماليـة فـي الإسلام والفلسفات الت ربوية الغربية المعاصرة ، جاءت هـذه الدراسـة مختلفـة عـن الدراسات السابقة في طرحها. ولكن لم يعثر الباحث على دراسة واحدة تحـدثت عـن موضوعات الدراسة الحالية مجتمعة في بحث واحد لهذا جعل الدراسة متميـزة بـين الدراسات والبحوث التي كتبت في مجال التربية الجمالية.
 


أمين المكتبة
أمين المكتبة 2021-05-25 08:35:24

مناقشة نتائج الدراسة والإجابة عن تساؤلاتها : 

بعد هذا العرض السريع للخلفيـة النظرية لموضوع الدراسة يأتي دور الإجابة عن التساؤلات التي طرحتها الدراسة على النحو الآتي:

إجابة التساؤل الأول الذي ينص على : "ما المنظـور الإسـلامي إلـى التربية الجمالية؟"  لم ينظر الإسلام إلى ا لجمال نظرة اصطلاحية مجردة ، أو كشيء مرئي مـدرك ، وإنما نظر إليه كجزء من صميم بنية الوجود ، وكل الأجزاء في علاقة الخلق بالخـالق ، لأن وجوداً يصدر عن واهب كل الوجود ولا بد أن يتسم في بدئه وختامه بجمال الخالق .

وللجمال في المفهوم الإسلامي أبعاد متناغمة ، فهو جمال مو ضوعي أول الأمر ، بما هو تجسد لقدرة الخالق في الخلق ، ثم هو جمال إسنادي بمعنى؛ أن هناك قيماً معينة يمكـن إذا أضيفت إلى وضعيات وجودية أو إنسانية أن ترفع بهذه الوضعيات إلـى مـستويات أخرى جمالية ، كما يضاف التواضع إلى القوة فتصبح قوة جميلة وليست قوة غاشـمة ، أي ما دا م الجمال قيمة موضوعية نراها في الـشجر والمطـر ، والـسحاب والجبـال ، والفراش، والورد، والأًصوات والألوان . وكل ما برأ االله من وجود جمالي يتعالى على مر العصور ، وما دام الجمال كذلك قيمة إضافية ترتفع بكل ما تستند إليه ، فإذاً هو رائع الجمال، فإن الإسلام لا يمكن أن ي ستهين به أو يتجاوز قيمه ، كونه جزءاً مـن صـميم البنية الوجودية ، وكل الأجزاء في علاقة الخلق بالخالق والكـون بـالتكوين (العـزب ، .)٢٠٠٠
 لقد تعددت الطرق والأساليب الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال المفكرين المسلمين التي تساعد الفرد على التنمية الجمال ية لديهم ، وتعـددت المواقـف التربوية التي تدعوا إلى التنشئة الجمالية، وأبرز هذه الأساليب وتلك المواقف ما يلي:

 أولاً. التصوير الفني في القرآن الكريم : 

يظهر ذلك عبر تنمية الجمال من خلال المشاهد الطبيعة الخلابة كواحدة من الأدلة على قدرة االله تعالى {الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ، فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجـع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} [ الملك: ٣- ٤ .[فهذه لوحة طبيعية منسقة يوجه إليها البصر لينقل ما يراه إلى النفس وليقع فيها ما يقع من الأثر لتـؤمن بقدرة االله . وإذا تعرضنا إلى تجسيم المعنويات المجردة نجد أن هناك صور عديدة منها :

{والصبح إذا تنفس } [ التكوير : ١٨ ،[فيخيل إليك الحياة الوديعة الهادئة التـي تنفـرج عنها ثناياه ، وهو يتنفس مع الحياة ويدب النشاط فـي الأحيـاء علـى وجـه الأرض والسماء.

وهناك صورة الشمس والقمر والليل و النهار، وهما في سباق دائم : {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } [ يس : ٤٠ .[وإنه لـسباق جبـار لا ينتهي ولا يفتر في ليل أو نهار، وهناك الصورة التي ترسمها الآية : {قل لو كان البحرمداداً لكلماتِ ربي لنفد البحر قبل أن تنف د كلمات ربي ولو جئنا ب مثله مـداداً }[الكهـف : ١٠٩ ،[فالخيال يظل يتصور تلك الحركة الدائبة ، حركة الإمداد بماء البحر لكتابة كلمات االله في غير ما توقف ولا انتهاء وإلى أن ينتهي البحر في النفاذ.
والتعبير القرآني يتناول القصة بريشة المصور حادثاً يقع ومشهداً يجـري ، لا قصة تروي ولا حادثاً مضى، فنشهد "أصحاب الكهف" يتشاورون في أمرهم بعدما اهتدوا إلى االله بين قوم مشركين ، وينتهي المشهد عندما يأوون إلى الكهف وسيدل الستار، فإذا رفع الستار مرة أخرى وجدناهم قد نفذوا ما استقر عليه رأيهم ، فهاهم أولاً في الكهف ، ثم ها هم نراهم رأي العين : {وترى الشمس إ ذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمـين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه} [ الكهف: ١٧.[

إن المسرح الحديث بكل ما فيه من طرق الإضاءة وفنيات الإخراج ليكاد يعجـز عن تصوير هذه الحركة المتناسقة وهي تزاور عن الكهف عند مطلعها فلا تـضيئه . إن الألفاظ لتقوم با لمعجزة مرة أخرى فتنقل هيئتهم وحركتهم كأنما تشخص وتتحرك علـى التوالي: {وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسـطٌ ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً} [ الكهف: ١٨ .[ وهكذا تضطلع الألفاظ بالتصوير والحرك ة، بكل هذه السهولة، وفجأة تدب فـيهم الحياة، {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كلم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} [ الكهف: ١٩[  وتتكرر المـشاهد والـصور وتتكـرر المشاهد وتترك الفجوات للخيال . 

ويعرض القرآن الكريم مظاهر عدة للتربية الجماليـة منها:

١ .الجمال في الكون :

يعرض القرآن الكريم الكون ومشاهده في صورة جمالية رائعة أخاذة يتملأها الحس والشعور والوجدان ، فيحلق إلى آفاق هذا الوجدان الرائـع {إن االله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحـي ذلكـم االله فـأنى تؤفكون} [ الأنعام: ٩٥ [أي روعة في هذا التعبير؟ وفي مطلع هذه الآية والتي يفسرها البعض بقوله : "الجمال هو البسمة البارزة في مشاهدة الكون ، المشاهدة منتقاة وملتقطة من الناحية الجمالية ، والعبارات كذلك في بناءها اللفظي الإيقاعي فتبدو الحقيقة ذاتهـا وكأنها تتلألأ في إباء" (خليل، ٢٠٠٥ .)

ومما يوحي بالسمت الجمالي ذلك التوجيه الرباني إلى تجلي الجمال في ازدهار الحياة {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: ٩٩ ، [ فهو التوجيه المباشـر إلـى الجمال الباهر والاستمتاع الواعي ، إن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظـم رجال ال فن من البشر ، وإن تموج الألوان وتواصل الخطوط وتنظيم الورقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن القديم.

وهكذا يدعو القرآن الكريم المسلم إلى التأمل والتدبر في إبداعات الخالق فتقوى صلته به وتزداد حاسته الجمالية ، وكما قال ميكائيل انجلو "إننا لا نصور بأيدينا ولكـن بعقولنا"؛ ومعنى هذا أن الفنان يعبر عن الصورة التي إبداعها خياله والرؤى التي تكونت داخله فجاء تعبيره عنها موضوعياً أو حسياً (الخوالدة، والترتوري، ٢٠٠٦ .)

٢ .عالم الإنسان والحيوان :

نقرأ في القرآن الكريم الآيات التي تتحدث عـن جمـال الحيوانات من حيث التركيب المدهش ، والألوان المثيرة ، والوظائف البديعة ، والغرائـز المحكمة، والحركة التي تأخذ إيقاعات متعددة {والأنعام خلقها لكم فيهـا دفء ومنـافع ومنها تأكلون ، ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون ، وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلَا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} [ النحل: ٥- ٨ [وقوله تعالى: {إنها بقرة فاقع لونها تسر الناظرين} [ البقرة: ٩٩ [ونقرأ عن الإنسان نفسه _سيد المخلوقات_ وكيف خلقـه االله في أحسن تقويم، جسداً وعقلاً ونفساً، وكيف صوره فأحسن صورته، {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [ التين: ٤} ،[وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات} [ غافر:٦٤} ، [وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير} [ التغابن: ٣} ، [يا أيها الإنسان مـا غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك } [ ا لانفطار:  .[٨ – ٦[

٣ .جمال البيئة :

من مظاهر حرص الإسلام على جمال البيئة ونظافتها ، نهيـه عـن التعرض للأشجار بالقطع ، أو الإحراق ، ويتجلى ذلك في الحديث الذي رواه سليمان بـن بريدة عن أبيه قال : كان رسول االله صلى االله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جـيش أو سرية، أوصاه ف ي خاصته بتقوى االله ، ومن معه من المسلمين خيراً ، ثم قال : " اغـزوا باسم االله، في سبيل االله، قاتلوا من كفر باالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولوا تقتلوا وليداً. . . " (مسلم، ١٩٩١ .)

كما يتجلى في وصية أبي بكر الصديق _ رضي االله عنه _ لأسامة بن زيد قائـد جيش المسلمين إلى الشام ، ومن معه من المسلمين ، حيث قال : لا تخونوا ، ولا تغـدروا ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلاً ولا شخصاً ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلاً وتحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلـه . وقـد وردت الأحاديث النب وية الشريفة بالدعوى إلى إماطة الأذى عن الطريق ، وذلك من حديث أبـو هريرة _رضي االله عنه _ قال: قال رسول االله صلى االله عليه وسـلم : "الإيمـان بـضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ، أفضلها. قول لا إله إلا االله ، وأدناها إماطة الأذى عـن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "(البخاري، د. ت). ومما سبق يدل علـى حـرص الإسلام على الانتفاع بجمال الكون من خلال المحافظة على مكوناته ، وعدم التعرض له بالأذى أو التدمير.

ونقرأ من تزين الأرض بالخضرة الواعدة ، وعن البهجة الجمالية التي يهبهـا الشجر، والزرع، والزهر للإنسان في هذا العالم {فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} [ النمل: ٦} ، [وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتـزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج } [ الحج: ٥} .[  وهو الذي أنـزل مـن الـسماء مـاء فأخرجنا به نبات كل شيءٍ فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل مـن طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآياتٍ لقومٍ يؤمنون}[ الأنعام: ٩٩ .[

٤ .جمال العلاقات الإنسانية :

توشك العلاقات الإنسانية كلها في الإسلام أن تكـون نابعة من قيم الجمال ، وهادفة إلى قيم الجمال كذلك، لأن مجمل العلاقات الإنسانية هـي :

علاقة الإنسان بنفسه ، وعلاقة الإنسان بالآخرين ، وعلاقة الإنـسان بـالكون ، وعلاقـة الإنسان باالله سبحانه وتعالى (العزب، ٢٠٠٠ .


فالجمال يطهر علاقتنا بأنفسنا ، حيث يوحي إلينا نزعة التعامل العاقل ، الـذي لا يدمر في ارتفاع ه الشاهق إلى أعلى ، ولا يكظم في إيغاله المرهق إلى تحت، إنه يوقفنـا أمام تناسق الإشباع المادي من أعراض الحياة ، والإشباع الروحي من تجليات العبـادة ، ويحفظ علينا هذا التناسق الفذ في إيقاعه المتوازن ، فإذا نحن نمضي على الـدرب فـي حراسة هذا التوازن الجميل ، والجمال يطه ر علاقتنا بالآخرين ، حيث يقيمها أساساً على وطائد من الفهم المتبادل والتضامن من الواثق ، والإخوة العقدية ، والـسلام الأرحـب ، والتبادل النظيف ، إنه يغرينا بالعدل والحب، والتسامح، والفكر، والإيثـار ، والتـضحية ، وإضاءة كل المصابيح.

كما يطهر الجمال علاقتنا بالكون ، حيث يقيمها على أساس من التجاوب المحب، فنحن حين نستشعر الجمال في نجمة أو نسمة ، نفتح كل مغاليق ذواتنـا علـى جمـال الوجود، وحيث نستشعر الجمال من مشهد طبيعي أو مشهد إنساني ، تـرفض أن نقـدم بالتدمير على روائع هذا الجمال.

 والإسلام يضع الجمال في إطاره المتجدد ، فإذا جاو ر تخومه إلى تخوم أخرى ، كان دميماً ومرفوضاً كذلك ، فعن ابن مسعود قال : قال رسول االله صلى االله عليه وسلم :

"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسناً، قال: إن االله جميل يحب الجمال، الكبر بطـر الحـق ، وغمط الناس" (الترمذي، د. ت). هنا يتحدد الجمال في الشكل والمحتوى كذلك ، فإذا نـد عـن سوائه القاصد كان جمالاً مغلوطاً، أو قل: كان غير جمال وغير جميل.


ثانياً. أثر الجمال على النفس البشرية:

 للمسلم هدف سام في هذه الحياة ، وهو تحقيق رسالة االله تعالى فـي الأرض ، ونشر العدالة والأمن بين الناس جميعاً، وكل أساليب التربية الإسلامية تسير نحو تحقيق هذا الهدف، والجمال يحرك الهمم إلى التدبر في ملكوت االله تعالى، فيشعر الفرد بالجمال، وحين يؤثر الجمال في المسلم داخلياً فإن سلوكه يصبح قائم على أساس من الإحساس الرقيق والذوق الجميل، وأثر الجمال في الفكر الإسلامي يظهر جلياً بما يأتي:

١ .الفطرة والجمال:

يرى المفكرون التربويون الإسلاميون أن الإحساس بالجمال هو أثر فطري أصيل في جبلة الإنسان ، والميل إليه طبيعة في النفس ، تهفو إليه حيث وجد ، وتشتاقه إذا غاب ، فقد أكد الغزالي (١٩٩٨ (على أن الجمال بجميـع أشـكاله الماديـة والمعنوية، هو من نعم االله تعالى علينا ، وهبة من هباته ، فقال: "لا خير ولا جمـال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسنات االله ، وأثر من آثار كرمه ، وغرفة من بحر جوده، بل كل حسن وجمال في العالم إدراك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس، فهو ذرة من خزائن قدرته وجماله ". ويتحدث القرآن الكريم عن أمتنان االله على الإنسان  بما يلبي حاجاته الضرورية ، وحاجاته الجمالية ، يقول االله تعالى : {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} [ القصص: ٦ [وقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} [ الرعد: ١٧.[ وفي ذلك يقول الغزالي (١٩٩٨" :(الطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلـى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة والألوان الحسنة والنقش المتناسبة الشكل ، ولا أحـد ينكر كون الجمال محبوباً بالطبع ". ويقول ابن تيمية : "الإنسان مجبول على محبة الحسن وبغض السيئ؛ فالحسن جميل محبوب مراد ، والسيئ الكريه مكروه مبغض "، ويؤكد ذلك تلميذه ابن القيم فيقول : "والقلوب المطبوعة على محبته ، كمـا هـي مفطـورة علـى استحسانه" (ابن القيم، ١٩٩٤ .)

أما من المعاصرين فنجد نفس المضمون في تأكيد ارتباط الجمال بالفطرة ، وفي ذلك يقول محمد قطب (١٩٨٤" :(ونظرة إلى السماء كافية لرؤية هذه الزينة ، ولا نشك في أن الجمال عنصر مقصود في بناء هذا الكون ، وأن صنعة الصانع فيه بديعة التكوين جميلة التنسيق ، وأن الجمال فيه فطرة عميقة"؛ فالجمال في نظره أمر فطري وهو قضية مسلم بها لا تحتاج لدليل.

٢ .الجمال وأثره في النفس:

 نجد أثر الجمال في النفس الإنسانية من خلال مشاهد قرآنية متعددة سنقتـصر فيها على بعض الأمثلة حسية الإطالة ، ونسوق مثلاً موقف موسى من قارون وما أوتي من كنوز، فقد أنقسم المشاهدون إلى فريقين، فريق يتمنى وآخر يتسامى، فالمشهد مؤثر في النفس ، ولكن وجود الإيمان هو العامل المضاد في النفوس المؤمنـة ، وفـي هـذا المشهد يصور لنا القرآن الكريم التأثير الجمالي على النفس البشرية، فيقول االله تعالى { فخرج على قومه في زينته ، قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل مـا أوتـي قارون إنه لذو حظٍ عظيم ، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب االله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون }. والجمال وسيلة من وسائل اختبار النفوس بقوله االله تعالى: {إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً}[ الكهف: ٧ [

 ويقول تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [ طه: ١٢١ .[نجد في هذه الآيات أن الجمال وسيلة من وسائل الاختبار ، أيهما أحسن وأجمل عملاً في الحياة الـدنيا ، وأن ميـدان البـشر والخير ميدان للاختبار، وأن الابتلاء كان في الزينة والجمال فكان هذا ميداناً للاختبار.

ويرى ابن سينا أن الجمال والخير موجودان في كل شيء ، غير أن وجودهمـا عرض زائل ، فلا وجود للخير التام إلا على الأشياء العامة، فالنار تولد الـشرر ، إلاّ أن وجود النار بصورة عامة خير ، ولا يمكن أن تبلغ النار غايتها ، وتصل إلى نهايتها ، إلا إذا كانت محرقة . يقول ابن سينا: " كل جمال ملائمة خير مدرك، فهو محبوب ومعشوق، ومبدأ إدراكه إما الحسن وإما الخيال ، وإما الوهم ، وإما الظن، وإما العقل"، يبـين ابـن سينا من خلال النص أن الجمال والخير من الأمور المحببة والمرغوبة ، وأن أسـاليب إدراك الجمال والإحساس به يكون عن طريق الحس والخيال وغيرها مـن الوسـائل .

وبالتالي فإن نظرته للجمال واقعية ، لأن الجمال ليس كاملاً في كـل الأحـوال فـالخير والشر، والقبيح والجميل، يسيران جنباً إلى جنب، والاعتدال بين هذه الجوانب هو أساس التربية الجمالية (شمس الدين، ٢٠٠٤ .)

 وقد تكون الزينة هي المنزلق الذي بسبب الإخفاق في هذا الاختبار بما لها من سلطان على النفوس ، وهذا السلطان هو الذي يعتمد عليـه الـشيطان فـي وسوسـته وإغوائه ب ني آدم يقول االله تعالى : {ربي بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ الحجر : ٣٩ – ٤٠ .[ويقول االله تعالى في موضع آخر: {تاالله لقد أرسلنا إلى أممٍ من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ولهـم عذاب أليم}[ النحل: ٦٣ .[

٣ .الجمال جزاء العمل الصالح:

 بما أن للجمال تأثيره البالغ على النفس ، فقد جعله االله من الجزاء على العمـل الصالح، ويكون الجمال هو العنصر البارز في الثواب ، وجاء التركيز على حاسة البصر لأنها الوسيلة لاستشعار هذا اللون من النعيم في قوله تعالى : {أولئك لهم جنـ ات عـدنٍ تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خـضراً مـن سندس و إستبرق متكئين فيها على الأرائك } [ الكهف: ٣١ .[وتنتقل العين عبـر هـذه المشاهد من جمال إلى جمال في الجنات التي التفت أشجارها وتلاقت أغصانها ، والمياه المنسابة الرقاقة، والحلي الملونة، والألبسة الحريرية، إنها مشاهد تحير العين على أيها تستقر. {إن االله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتهـا الأنهـار يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } [ الحج : ٢٣ .[يلاحظ مما سبق، أن الاستمتاع بالجمال يشبع حاجة نف سية عند الإنسان لا تقل أهمية عن الحاجات البيولوجية عنده؛ فالجمال إحساس رقيق يسري في المخلوقات ويشبع فيها ، ولا يـدرك هذا الإحساس إلا من سرى في نفسه الجمال ، وشع في ذاته ، أمـا أصـحاب النفـوس المظلمة والمشاعر المعتمة، فإنهم لا يدركون سر الجمال ولا يرون آثاره. 
 


أمين المكتبة
أمين المكتبة 2021-05-25 08:40:42

ثالثاً. التربية الجمالية عند نماذج من المفكرين المسلمين:

 سأقتصر في عرضي للآراء الجمالية عند المفكرين التربويين الإسلاميين علـى ثلاثة نماذج، يمثل كل نموذج منها مفكراً تربوياً إسلامياً. وهذه النماذج هي:
1.    التربية الجمالية عند المتصوفة وعلماء الكلام، ويمثلهم الإمام الغزالي.
2.    التربية الجمالية عند الفقهاء، ويمثلهم ابن قيم الجوزية.
3.    التربية الجمالية عند الفلاسفة، ويمثلهم ابن سينا.

أولاً. أبو حامد الغزالي : 

يعد الغزالي أحد العلماء المهتمين بعلم الجمال ، وكانت لـه أقوال مميزة في تفصيل الجمال وتقسيمه . وقد وضع تعريفاً للجمال . فقال : " هو حسن كل شيء في كماله الذي يليق به "، وفسره بقوله : "جمال كل شـيء وحـسنه فـي أن يحضر كماله اللائق به ، الممكن له ، فإذا كانت جميع كمالاته الممكنة حاضرة ، فهو فـي غاية الجمال . وإن كان الحاضر بعضها ، فله من الحسن والجمال بقـدر مـا حـ ضر، فالفرس الحسن هو الذي يجمع كل ما يليق بالفرس من هيئة ، وشكل، ولون، وحـسن عدو وتيسير كر وفر ". وأكد الغزالي على أن الجمال بجميع أشكاله المادية والمعنويـة ، هو من نعم االله تعالى علينا ، وهبة من هباته ، فقال: " لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسنات االله ، وأثر من آثار كرمه ، وغرفة من بحر جوده ، بـل كل حسن وجمال في العالم إدراك بالعقول والإبصار والأسماع وسائر الحواس ، فهو ذرة من خزائن قدرته وجماله " (الغزالي، ١٩٩٨ .(إن إدراك الظواهر الجمالية فـي نظـر الغزالي يتم عبر نوعين المصادر وهي:

١ .إدراك الظواهر الجمالية عن طريق الحواس:

وهذه تتعلق بتناسق الصور الخارجية، وانسجامها سواء أكانت بصرية أم سمعية أم غير ذلك ، ويقدم الغزالي أمثلة لمدركات الحواس، فيقول: " لذة العين في الإبصار ، وإدراك المبصرات ، والـصور المليحـة الحسنة، ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة، ولذة الشم في الروائح الطيبة، ولذة الذوق في الطعام، ولذة اللمس في اللين والنعومة ".


٢ .إدراك الظواهر الجمالية عن طريق الحدس :

ومصدر الحدس عنده العقل والقلـب ، فقد ميز بين العقل والقلب ، فهو يرى بأن المعقولات التي تولد لذة فـي العقـل فـإن مرجعها جمال المعقول ، وفرق بين جمال المعقول وبين جمال الصفات الباطنة التـي يستشفها الوجدان و في ذلك يقول : " القلب أشد إدراكاً من العين ، وجمـال المعـاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للإبصار، فالقلب يدرك الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس ، وإن المثل الأعل ى للجمال هو االله " (دخـل االله، ٢٠٠٧ إن الجمال الحقيقي هو الجمال المدرك عن طريق القلب كما يرى الغزالي وفـي ذلك يقول : " واعلم أن كل جمال محبوب عند مدرك ذلك الجمال ، واالله تعالى جميل يحب الجمال، ولكن الجمال إن كان يتناسب الخلقة وصفاء اللون أدرك بحاسة البـصر ، وإن كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات والأخلاق وإرادة الخير لكافة الخلق، وإضافتها عليهم على الدوام . إلى غير ذلك من الصفات الباطنة أدرك بحاسـة القلب" ويضيف أيضا : " ولفظ الجمال قد يستعار أيضاً ، فيقال فلاناً حسن وجميل ولا تراد صورته، وإنما يعن ى به أنه جميل الأخلاق ، محمود الصفات ، حسن السيرة ، حتـى قـد سحب ذات الصفات الباطنة استحساناً لها ، مثلما تحب الصورة الظـاهرة ". (دخـل االله ، المراجع السابق). فالإحسان الحقيقي بالجمال يكون عن طريق الإدراك العقلي، أي منبعه من الباطن . لذلك حرص الإسلام على أن يكون هذا الباطن نقياً ، حتى يستطيع الإنسان أن يشعر بالجمال أينما ذهب ، ومن هنا فإن تربية الذوق الجمالي إنما تبدأ مـن تنقيـة العقل والفؤاد وتصفيته، وابتعاد الإنسان عن ارتكاب المعاصي والذنوب والزلات.

ثانياً. ابن قيم الجوزية : 

وهو أحد العلماء المسلمين الذين اهتموا بالجمـ ال، وقـد قسمه إلى قسمين : ظاهر وباطن ، وقد بين صفات كل نوع ، حيث قال: " اعلم أن الجمال ينقسم قسمين : ظاهر وباطن؛ فالجمال الباطن : هو المحبوب لذاته ، وهو جمال العلـم ، والعقل، والجود، والعفة، والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر االله تعالى مـن عبده، وموضع محبته ، كما في الحديث الصحيح الذي أورده مسلم عن أبـي هريـرة _ رضي االله عنه _ قال: قال رسول االله صلى االله عليه وسـلم : " إن االله لا ينظـر إلـى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (ابن قيم الجوزية، ١٩٩٤)

 وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة ، وإن لم تكن ذات جمـال ، فتكـسو صاحبها بالجمال ، والمهابة، والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الـصفات فـإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه ، فمن رآه هابه ، ومن خالطه أحبـه ، وأمـا الجمال الظاهر : فزينة خص بها االله بعض الصور عن بعض، وهي من زيـادة الخلـق التي قال االله تعالى فيها : {يزيد في الخلق ما يشاء }[ فاطر : ١ .[لهذا يتحتم علـى مـن يتولى عملية التربية والتنشئة للناشئين ، الاهتمام البالغ بغرس القيم الفاضلة ، والأخلاق الحميدة لديهم ، حتى تتكامل الصورة الجمالية داخلياً وخارجياً ، ذلك أن الفرد إذا أنـشى على الجمال ، أو ربي تربية جمالية ، كان أ كثر إحساساً بالجمال ، وأكثر تحقيقاً لـه فـي نفسه، وفيمن حوله.

ثالثاً. ابن سينا : 

يرى ابن سينا أن الجمال والخير موجودان في كل شـيء ، غيـر أن وجودهما عرض زائل ، فلا وجود للخير التام إلا في الأشياء العامة ، فالنار تولد الشرر ، إلا أن وجود النار بصورة عامة خير، ولا يمكن أن تبلغ النار غايتها وتصل إلى نهايتها،  إذا كانت محرقة ، ومعنى ذلك أن الجمال مرتبط بالخير ، ويكمن الخير داخل الشخص من خلال التعامل مع الآخرين.

 يقول ابن سينا : " وكل جمال ملائمة خير مدرك ، فهو محبوب ومعشوق ، ومبدأ إدراكه إما الحس وإما الخيال، وإما الوهم، وإما الظن، وإما العقل "( ابن سينا، ١٩٨٨ ،(ويبين ابن سينا من خلال هذا النص أن الجمال والخير من الأمور المحببة والمرغوبة ، وأن أساليب إدراك الجمال والإحساس به يكون عن طريق الحس والخيال وغيرها مـن الوسائل. وبالتالي فإن نظرته للجمال واقعية ، لأن الجمال ليس كاملاً في كل الأحـوال ، فالخير والشر ، والقبيح والجميل ، يسيران جنباً إلى جنب ، والاعتدال بين هذه الجوانـب هو أساس التربية الجمالية.

رابعاً. المدلول التربوي للجمال في التصور الإسلامي : 

لما كان القرآن الكـريم يستهدف أن يعيش المسلم خبرته الجمالية لكامل كينونته ، ولما كان تذو ق الجمال مـن أسمى ما يمتاز به الإنسان ، لذلك كانت التربية الإسلامية تهدف إلى أن يمتص الإنـسان من بيئته العامة والخاصة كل ما يحمله الذوق والجمال من أبعـاد ومـستويات ، إذ أن الكون كله من حولنا في تناسق وتناغم وجمال ، وكان من الـلازم تأهيـل الشخـصية الإسلامية للإحساس ب هذا الجمال ، وتربية الوجدان موازياً لتنميـة جوانـب شخـصيته المتكاملة، لأن الجمال يحرك في الإنسان باطنه وشغاف قلبه، وبالتالي يخلص الجمال من التلبد الوجداني والخواء النفسي ، الذي يمكن أن يشعر به في حياة يغلب عليها روتـين واحد لا يتغير ، ومن ثم يتسرب إليه الملل ، ومن شأنها أيضاً إحساس الإنـسان القـويم بالقيمة حتى يصبح أقدر على تذوق الجمال ، ويتضمن المدلول التربوي للجمال في الفكر التربوي الإسلامي ما يأتي:

1.    تدريب الأحاسيس الإنسانية وفتحها على مشاهد الكون كله.
2.    توجيه الإنسان نحو الجمال في أسلوب القصص القرآني.
3.    توجيه الإنسان إلى إدراك التناسق في العلاقات الإنسانية.
4.    تنمية القدرة على التمييز الدقيق فيما تتأثر به حواس الإنسان ، سواء من الأشكال أم الألوان.
5.    ممارسة النشاطات الفنية المختلفة واستثمار مواهب الإنسان.
6.    تنمية الخبرة الجمالية في شتى مجالات الحياة ، بحيث تفيض وتضفي علـى الحيـاة الإنسانية معنى وجمالاً.
7.    إنماء عاطفة الجمال الكامنة في النفس ، وذلك عن طريـق الجمـال وإنتاجـه _ أي الابتكار_. 

إجابة السؤال الثاني الذي ينص على "ما هي صورة التربية الجماليـة فـي النظريات الغربية المعاصرة؟

 ترى التربية المعاصرة أن الانفعالات الطبيعية لها أهمية كبرى في حياة الفـرد لأنها تريح نفسه وتدخل عليها النشوة والبهجة ، وهذا يعبر عن منابع الجمال والفـن ، وتذوق الجمال يؤدي إلى نتيجة طيبة في سلوكه ، ويعينه على ضبط نفسه ، فإذا تأمـل صورة أو باقة زهر واستمتع بسماع الموسيقى فإن هذا سيكون سبباً في طرافة حياتـه وشعوره باللذة . والتربية الجمالية تؤدي إلى إعلاء الغرائز فهي بـذلك تـؤدي عمـلاً أخلاقياً، ومن هنا فإن التربية المعاصرة تقول : "علينا أن نوجه الطفل إلى جمال الطبيعة ونجعله صديقاً لها"(2000 ,Bender )

 والشيء الجميل هو الذي يريح نفس الإنسان ، ويجعل النظر إليه محبباً ويبعـث على التخيل، و يكون عن طريق النظر والتأمل، وإدراك الجمال لموضوع ما معناه التأمل يعمق فيه إدراك ما فيه من اتساق وانسجام أثناء التخيل ، ويبصر الإنسان فيه معنى من المعاني التي ارتبطت بينه وبين نفسه وفي هذا إدراك تحقيقه الجمال( مجاهد، 2011 )

 وترى الفلسفات المعاصرة أن الجمال يكمن في الحركة ، حركة القلب في عاطفة الحب، حركة العاطفة في البذل ، حركة الضمير في يقظته، حركة الذهن في أفكاره وأدائه لرسالة كما يكون في السكون بعد الثورة ، في الصمت بعد الضجيج ، وفي التأمـل بعـد الدرس وفي الوفاء بعد الوعد ، كما يكون في النمو وفي العمق وفي التجديد وفي النوع والخلق والإبداع والابتكار( مطر، ١٩٩٥)

ومن خلال اطلاع الباحث وجد أن التربية الجمالية كانت نتيجة لازدهار الحركات النقدية والفنية في الفترة الممتدة ما بين القرن السادس عشر وبداية القـرن الحـادي والعشرين وتتمثل بما يلي:

أولاً. نظريات التربية الجمالية في الفكر المعاصر:

من خلال اطلاع الباحث وجد أن هناك نظريات معاصرة تنبثق عنها التربية الجماليـة اختار منها:

١ .نظرية التجربة الجمالية : 

ترى أن التجربة الجمالية تلك التي يقوم بها الإنـسان عند تأمل منظر في الطبيعة أ و عمل فني لمجرد التمتع وليس لغرض آخر ، بحيث يشعر نحوه بشعور قوي يدفعه لتكوين موقف من هذا الموضوع؛ أي أنّه مر بتجربة يحتفظ من خلالها بموقف جمالي ، وتمر التجربة الجمالية بمرحلتين هامتين قبل أن تصل لمرحلـة الإدراك وتكوين الحكم الجمالي ، أولاهما: مرحلة الألفة الفنية، ويقـصد بهـا التعـاطف والتآلف والاستمتاع ، أو محاولة الاستمتاع بالعمل الفني من خلال معرفة الإطار الثقافي الفني، أي أنها تعاطف المتذوق مع العمل الفني بأن يزيل من باله أي فكرة مسبقة يمكن أن تعيق عملية التذوق.

 والثانية: مرحلة التهيؤ النفسي ، وهناك عدة أنماط من التهيؤ النفسي عند المـدركين الجماليين، منها النمط الترابطي وهو إدراك لما يترابط مع الموضوع الجمالي من أحداث جرت في الماضي ، والنمط الفسيولوجي ، ويعتمد على ردود العقل الجسمية والعـضوية والتي تختلف من إنسان لآخر ، ولا يكون للتفكير العقلي أي دور في تقـدير المتـذوق، والنمط الموضوعي ، وهنا يتدخل نوع من الانتباه الإرادي الذي يتطلب جهداً كبيراً فـي التركيز لجعل ما هو ليس جذاباً بطبيعته . جذاباً عن طريق التعاطف، بحيث يبتعد الناقـد عن ردود الفعل التلقائية الذاتية ليصبح موضوعاً في تقديره ونمط الشخصية وأصحاب هذا النمط يتذوقون الموضوع الجمالي بحيوية وعمق شديدين ، بحيث يدخلون في حالة من الاستغراق ونسيان الذات ، والتقدير هنا لا يرتبط بردود الفعل العضوية والانفعاليـة ولا يتحول إلى أحداث حصلت في الماضي ، وإنما يحتل الموضوع مركزه فـي الـوعي والإدراك (زكارنة، ٢٠٠٢)

٢ .نظرية المحاكاة : 

لقد اهتمت المدرسة الكلاسيكية المعاصرة بالمحاكاة وكذلك الحال بالنسبة للمادية والانطباعية في محاكاة الطبيعة من حيث الـشكل واللوحـات والظـل والضوء، ولكن مع تحويل المعايير من مشابهة الواقع إلى معايير لها علاقة بالـسمات المادية لعناصر العمل الفني بعيداً عن أي مشابهة للواقع.

وللمحاكـاة ثـلاث نظريـات رئيسة هي:


أ. المحاكاة البسيطة :

والفن هنا ترديد حرفي لموضوعات التجربة وحوادثها ، أي أن العمل الفني ينبغي أن يكون مطابقاً للنموذج الأصلي في الواقع ، فمعيار الحكـم هنـا يكون في مدى مشابهته للواقع.

ب. محاكاة الجوهر :

والفنان هنا يتوج ه إلى الشيء الجوهري في الموضـوع الـذي أمامه فيؤكد عليه ، وهنا يكون لكل عنصر من عناصر العمل الفنـي أهميـة ولـيس التركيز على العمل ككل ، بحيث لا يمكن حذف واستبعاد أي عنصر يرى الفنـان أنـه مهم، بعكس الأمور الثانوية والتي إن استبعدت لا تغير شيئاً في المفهوم الجـوهري للعمل.

ج. محاكاة المثل العليا :

وهنا يتم التركيز على ما يـراه الفنـان؛ كموضـوع لائـق بالمحاكاة دون غيره ، وهذه المواضيع لا بد أن تكون أخلاقية مهذبة وتستحق المـدح والاستحسان، ولكن هذه النظرية غير كافية ؛ فهي تركز على أخلاقية الموضوع فقط دون العناصر الأخرى ؛ لأن قيمة الموضوع وحدها لا تحقق قيمة العمل. 

٣ .النظرية الانفعالية: 

فهذه النظرية تحلل الموضوع الجمالي ، وتكشف عـن قوتـه الدرامية، فتقدر عناصره باعتبارها مصدر للانفعالات الجمالية وترشدنا لتحليل العمل عن طريق محاولة تفسير أهميته بالنسبة للدلالة الشعورية ، بالرغم من أنها لا تتماشى مـع كل الفنون والتجارب الجمالية فهي لا تفسر عملية الخلق الفني ، ولا تزودنا بنظام يمكن تطبيقه عملياً لتقدير المواضيع الجمالية ، فهناك كثير من الأعمال الفنيـة التـي تثيـر انفعالاتنا، ولكنها من ناحية تقنية تكون رديئة جداً . وقـد علـق ( 1995,Zangwill)
على ذلك بقوله: "إن إخراج المرء لمشاعره في العمل الفني يحب أن يتم بطريقة واقعية فيها "نقد وتوجيه "، وهذا يعني ظهور رأيين في هذا المجال ، رأي يقول بقول بعدم قيمة الموضوع إذا لم يوصل الفكرة للجمهور، ورأي آخر يشير إلى أنّه ليس من الضرورة أن تصل الفكرة إلى الجمهور كما هي ، إذ أنه ليس بحاجة إلى بذل من الجهد لفهم ما يعبر عن العمل الفني.

٤ .النظرية السيكولوجية: 

توجه أصحاب هذه النظرية إلى دراسة الواقع الباطني عند الإنسان أي دراسة أحلامه وأفكاره ورغباته المكبوتة وقدر رأى شارل لالـو (١٩٩٢ )
بأن رغبات الإنسان المكبوتة إما أن تت حول إلى صراع مع العالم الـواقعي ، أو اتـزان باطني يسعى الإنسان إليه عن طريق الحلم والتخيل أو عن طريق الإبداع الفني . أمـا (200١,Ross ) فقد عرف العمل الفني حسب هذه النظرية " بأنّه نتاح صادر عن ضروب
معقدة من النشاط النفسي اللاإرادي الشعوري، والذي يعكس شخصية الفنان، وأن الفنان لا يعيش حياة سوية مثل الآخرين لأنه يعيش اللاشعورية عند الإنسان العـادي ، أي أن الفنان يحب أن يملك حدساً قوياً يميزه عن الإنسان العادي.

٥ .النظرية الشكلية : 

تنظر النظرية الشكلية إلى الفن على أنّه يجب أن يكون منفصلاً تماماً عن الأفعال والموضوعات التي تتألف منها الحياة ، فالفن عالم قائم بذاته ولـيس ترديداً للحياة ، وقد بدأ ذلك عندما توجه فنانو المدرسة الانطباعية إلى دراسـة اللـون والظل والضوء والملمس ، دون إعطاء أهمية كبرى للموضوع، وتطور ذلك عندما أحس الفنانون بأن الأشكال فقدت ثقلها وصلابتها ، فما كان م نهم إلا أن اهتموا بالشكل أكثـر وأكدوا عليه وراعوا نسبته بين الأشكال الأخرى في العمل وذلك على حساب الموضوع أيضاً، ومفكري هذه النظرية أمثال "كلايف" و "روجر فري " أشاروا إلى أن قيمة العمـل يجب أن تكون في ذاته وليس في القيم الأخرى لأن ما يؤثر فينا هو الـشكل والقالـ ب وليس الأفكار والمعلومات الموجودة في العمل(2000,Roger)

٦ .نظرية الجمال الفني : 

لقد عد أصحاب هذه النظرية أن الفن الجميل إبداع بشري يمكن أن يكون ممتعاً أو جميلاً هدفه جذب المـشاهد جماليـاً ، دون أي تعـارض مـع النظريات السابقة ، وقد عدت هذه النظرية هامة جداً من حيث أنها تخفف الحـدة بـين النظريات الأخرى ، إلى جانب أنها تعترف بالحقيقة الكامنة في كل النظريات ، كما تكشف عن حقيقة أوسع مما تكشف عنه أي نظرية أخرى ، فتبين أن العمل الفنـي يمكـن أن يشتمل على الموضوع والشكل والتعبير وأن لكل من هذه العناصر أهميتها.
 


أمين المكتبة
أمين المكتبة 2021-05-25 08:42:22

 

ثانياً. فلسفة الجمال عند مفكري العصر الحديث : 

 
سيتناول الباحث نظرة بعـض نماذج من مفكري العصر الحديث للتربية الجمالية ومنهم:
 
١ .فلسفة الجمال عند هوبز : لقد بنى هوبز أفكاره الجمالية على أسـاس نظريتـه العامة في المعرفة ، إذ رأى أن مصدر المعرفة الإنسانية هو الإحـساس ، وعلـى هـذا الأساس يقرر بأن تلازم الخيال والإدراك الحسي هو الشرط الضروري لخلق كل أنـواع
 
الفنون وبالتالي فإنّه يعرف الجمال بأنّه : "مجموعة صفات الشيء التي تقدم لنا أساسـاً لكي نعد هذا الشيء خيراً لنا ، إنه دلالة على الخير المقبل ، فإذا توسمنا الخير في سلوك أو عمل سميناه جميلاً".
 
٢ .فلسفة الجمال عند ديكارت : أما ديكارت أبرز مفكري العـصر الحـديث ، حيـث أشتهر بالتأكيد على مبدأ النسبية في الجمال ، وتذوقه، ورأى أن الفنون تؤدي إلى لـذة ذات طبيعة عقلية وذهنية ، ولذة ذات طبيعة حسية وجدانية ، ولكن نصيب الجانب الحسي من اللذة أكبر، بحيث لا يمكن أن نصل في الجمال إلى مقياس عقلي محدد، فيصبح الحكم الجمالي نسبياً . والخلاصة أن ديكارت يميز في اللذة الجمالية بين مـرحلتين : مرحلـة الحـس، ومرحلـة الـذهن، وهـي لا يمكـن تـصورها بـدون المرحلـة الأولـى.  .(Grahm,1997)
 
٣ .فلسفة الجمال عند لبينتز : ويأتي ليبنتز فيبعد النظ رة الـسطحية الـسابقة فـي تفسير الجمال وتعمق في منهجه لحقيقة الجمال ، وربطه بمذهبه الروحي وبمدى تميـز الموجــودات وبــذلك يكــشف عــن فكــرة اللاشــعور أو مــا وراء الــشعور  .(Ross,2001)الظاهر
 
٤ .فلسفة الجمال عند إدموند بيرك : يعد إدمو ند بيرك واحداً مـن أكبـر فلاسـفة الجمال الإنجليز في عصر التنوير، إذ يعد من دعاة التجريبية الحسية المعاصرة، فأساس التذوق الفني الجمالي عنده هو الحس ، وهو واحد لدى الجميع ، وإنما ترجع اختلافـات الناس في أذواقهم إلى شدة الإحساس ، أو إلى شدة تركيز الانتباه على الموضوع عنـد بعض الناس دون الآخرين ، وحقيقة الأمر أن الاختلاف بين النفوس في هذا المجال إنما يرجع إلى عدم وجود معيار دقيق لقياس الذوق، وذلك يعزى إلى اختلاف الملكات العقلية الاستدلالية والخيال لدى الأفراد (2005,Funshm )
 

الرد متاح للأعضاء المسجلين في الموقع.